logo
الرئيسية/دروس علمية/دروس من الحرم- عمدة الفقه/(21) كتاب الزكاة- من قوله: “ولا تحل لآل محمد ﷺ”

(21) كتاب الزكاة- من قوله: “ولا تحل لآل محمد ﷺ”

مشاهدة من الموقع

تتمة باب: من لا يجوز دفع الزكاة إليه

الصنف الثالث: آل محمدٍ  ومواليهم

قال:

ولا تحل لآل محمدٍ ، وهم بنو هاشمٍ.

يعني: آل البيت لا تحل لهم الزكاة، والمقصود بآل البيت: هم بنو هاشمٍ، وهاشمٌ: هو الجد الثاني للنبي ؛ لأن نسب النبي : محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشمٍ.

فهاشمٌ: هو الجد الثاني، وهو الأب الثالث، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، فهاشمٌ هو جده الثاني، وإن شئت قلت: الأب الثالث؛ فأبوه الأول: عبدالله، والأب الثاني: عبد المطلب، والأب الثالث: هاشمٌ.

فبنو هاشمٍ لا يحل لهم الأخذ من الزكاة؛ وذلك لقول النبي : إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ [1]، يعني: إكرامًا لآل البيت، ولكنهم منحصِرون في بني هاشمٍ فقط.

فعبد منافٍ له أربعة أبناءٍ: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس، فاتفق العلماء على أن آل نوفلٍ، وآل عبد شمسٍ، ليسوا من قرابة النبي الذين لا تحل لهم الزكاة، واتفقوا أيضًا على أن بني هاشمٍ هم الذين لا تحل لهم الزكاة، واختلفوا في بني المطلب: هل بنو المطلب من قرابة النبي الذين لا تحل لهم الزكاة أم لا؟ وقد ورد قول النبي : إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ [2]، أخرجه البخاري في “صحيحه”.

وبنو المطلب ناصروا النبي ، وجلسوا مع بني هاشمٍ في شعب أبي طالبٍ، وناصروهم مناصرةً عظيمةً، ولهذا أدخلهم النبي في الخُمُس، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال:41]، يعني: لقرابة الرسول  فأدخلهم في الخمس، فهل كذلك يدخلون أيضًا في المنع من الزكاة؟

المؤلف يرى أنهم لا يدخلون، ولهذا قصَر قرابة النبي على بني هاشمٍ.

ومن أهل العلم من قال: إن بني المطلب يدخلون، وهي روايةٌ عند الحنابلة، ونص عليها صاحب “زاد المستقنِع”.

والأقرب -والله أعلم- هو ما رجحه المؤلف؛ من أن بني المطلب لا يدخلون في قرابة النبي الذين لا تحل لهم الزكاة، وإنما قرابة النبي الذين لا تحل لهم الزكاة: هم بنو هاشمٍ فقط، ولا يدخل معهم بنو المطلب، هذا هو القول المرجح عند كثيرٍ من المحققين من أهل العلم.

فإذا كان في بني هاشمٍ فقراء، نقول: لا يحل لكم أن تأخذوا من الزكاة، لكن هل يجوز لهم أن يأخذوا من صدقة التطوع؟ نعم يجوز؛ لأن النصوص إنما وردت في الزكاة، فقط منعهم من الزكاة، وينبغي أن تُسَدَّ حاجتهم من الموارد الأخرى؛ من مصارف الفيء، أو الغنائم، أو من بيت المال، فإذا لم تُسَدَّ حاجتهم من تلك المصارف؛ قال بعض أهل العلم: إنه يحل لهم الأخذ من الزكاة؛ لأننا لو لم نقل بذلك؛ لكنا عاقبناهم، والغرض من عدم إعطائهم الزكاة: إكرامهم بذلك، وهذا قولٌ قويٌّ، اختاره أبو العباس ابن تيمية وجمعٌ من المحققين من أهل العلم، أنهم إذا لم تُسد حاجتهم من الموارد الأخرى، فيجوز لهم الأخذ من الزكاة في هذه الحال، هذا فيما يتعلق ببني هاشمٍ.

قال:

ومواليهم.

لقول النبي : إنما مَوْلَى القوم منهم [3]، فمواليهم يعني: الأرِقَّاء الذين أعتقهم بنو هاشمٍ أيضًا، لا يأخذون من الزكاة.

قال:

ولا يجوز دفعها إلى الوالدين.

نتوقف قليلًا ونسأل سؤالًا:

نحن ذكرنا الأصناف الثمانية الذين تحل لهم الزكاة، متى يجوز دفع الزكاة للكافر؟

نريد -يا إخواني- أن نشترط شرطًا: ألا يكون قد أخذ جائزةً.

الطالب: المؤلفة قلوبهم.

الشيخ: أحسنت، تفضل بارك الله فيك، يجوز دفع الزكاة للكافر في حالةٍ واحدةٍ، وهو أن يكون من المؤلفة قلوبهم، وما عدا ذلك لا يجوز.

إذنْ الحالة الواحدة التي يجوز دفع الزكاة فيها إلى الكافر: هو أن يكون من المؤلفة قلوبهم، وما عدا ذلك؛ فلا بد أن يكون مسلمًا.

حكم التصدق على الكافر

طيب، صدقة التطوع، هل يجوز أن يُعطَى الكافر صدقة التطوع؟

نعم يجوز، بشرط أن يكون مسالِمًا، لا يكون محاربًا؛ لقول الله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، ولقوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، هذه الآية سبب نزولها: أن هنالك من أسلم، وكان لهم قراباتٌ من الكفار، فتحرجوا أن يتصدقوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

فالكافر ما دام مسالمًا؛ يجوز أن يُعطَى من صدقة التطوع، ولا يجوز أن يُعطَى من الزكاة، إلا في حالةٍ واحدةٍ، وهي أن يكون من المؤلفة قلوبهم.

الصنف الرابع: الوالدان والأولاد

نعود إلى عبارة المؤلف، قال المؤلف رحمه الله:

ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن عَلَوَا، ولا إلى الولد وإن سَفَل.

يعني: لا يجوز دفع الزكاة إلى عمودَيِ النسب، وهم الوالدان والوِلدان؛ وذلك لأن عمودي النسب تجب النفقة عليهم عند حاجتهم، فأبوك وأمك عندما يحتاجان يجب عليك أن تنفق عليهما من حر مالك وليس من الزكاة، فلا تُعطِهما من الزكاة، وإنما أعطهما من حر مالك، وهكذا أولادك عندما يحتاجون يجب عليك أن تنفق عليهم من حر مالك وليس من الزكاة.

فعمودا النسب لا يجوز أن يُعطَوا من الزكاة؛ وإنما عند حاجتهم يعطَون من حر المال، واستثنى كثيرٌ من الفقهاء حالةً واحدةً يجوز أن يعطَى فيها عمودا النسب -الوالدان والوِلدان- من الزكاة، وهي: في حال تسديد الدين، إذا كان على أحد الوالدين أو الأولاد دينٌ حالٌّ، وهو عاجزٌ عن سداده، فيجوز أن يعطيه والده أو ولده من الزكاة؛ لأن الوالد أو الولد لا يجب عليه أن يسدد دين والده أو ولده، وإنما يجب أن ينفق عليه عند الحاجة، وأما سداد الدين فلا يلزمه، فإذا كان لا يلزمه؛ يجوز إذنْ أن يسدد عنه ديونه، مثال ذلك: رجلٌ لحقت والدَه ديونٌ كثيرةٌ حالَّةٌ، وهو عاجزٌ عن سدادها، وعنده زكاةٌ، فيجوز أن يسدد هذه الديون أو بعضها من أموال زكاته، وهكذا لو كانت المسألة بالعكس، لو كان الولد هو الذي لحقته الديون، فيجوز للأب أن يسدد دين ولده من أموال الزكاة، وأما ما عدا الدَّين، فلا يجوز أن يُعطَى الوالدان والوِلدان من أموال الزكاة؛ وإنما يُعطَيَان من حر المال.

الصنف الخامس: الزوجة

قال:

ولا إلى الزوجين.

يعني: لا يجوز للزوج أن يدفع زكاته لزوجته، ولا الزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها، أما دفع الزوج زكاته لزوجته فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنه تجب عليه نفقتها، فإذا أعطاها زكاته؛ فكأنه صرف الزكاة لنفسه؛ لأنه يدرأ بذلك النفقة عن نفسه.

إذنْ لا يجوز أن يُعطِي الزوج زكاته لزوجته؛ وإنما ينفق عليها من حر ماله.

وأما العكس: وهو أن تعطي الزوجة زكاتها لزوجها، الزوجة هي التي تدفع الزكاة للزوج، فهذه محل خلافٍ بين العلماء، ومعلومٌ أن الزوجة غير مطالبةٍ بالنفقة، إنما الذي يطالب بالنفقة هو الزوج.

فظاهر كلام المؤلف: أنه أيضًا لا يجوز ولا يجزئ؛ لأن المؤلف عمَّم فقال: “ولا إلى الزوجين”؛ وذلك خشية أن الزوجة تعطِي الزكاة لزوجها، وزوجها يرجع وينفق عليها من زكاتها.

فالقول الثاني في المسألة: أنه يجوز أن تعطي الزوجة زوجها من الزكاة؛ وذلك لعدم الدليل الدال على المنع، ولأنه جاء في “الصحيحين” عن امرأة ابن مسعودٍ، رضي الله تعالى عنه وعنها، أنه كان عندها زكاةٌ، وقال ابن مسعودٍ : أنا أحق من أعطيتِ وأولادي، فقالت: أذهبُ أستفتي النبي ، فذهبت، فقال: نعم، لها أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة [4]، لكن قيل: إن هذا في صدقة التطوع، ولكن أيضًا يشمل ذلك الزكاة الواجبة، وهذا هو القول الراجح: أن الزوجة يجوز أن تدفع زكاتها لزوجها؛ لأن الزوجة غير مطالبةٍ أصلًا بالنفقة على الزوج، وأما ما علَّل به المانعون من أن الزوج يمكن أن ينتفع بهذه النفقة، فلا يضر ذلك؛ لأن الزكاة إذا دُفعت للزوج؛ فقد امتلكها، وهو حرٌّ في تصرفه فيها؛ يأكلها، ينفق منها، يتصدق بها، يقرضها، فلا نُقَيِّده في التصرف، وعلى هذا نقول: إن الزوج ليس له أن يدفع الزكاة لزوجته الفقيرة، ولكن يجوز للزوجة أن تدفع الزكاة لزوجها الفقير في أرجح قولي الفقهاء.

الصنف السادس: من تلزمه مؤونته

قال

ولا من تلزمه مؤونته.

يعني: من تلزمه نفقته ليس له أن يعطيه من الزكاة؛ مثال ذلك: الأخ أحيانًا يجب عليك أن تنفق عليه، وأحيانًا لا يجب، متى يجب عليك أن تنفق عليه؟ إذا كنت ترثه لو مات؛ لقول الله : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، فإذا كنت ترثه لو مات، فيجب أن تنفق عليه إذا احتاج، وأما إذا كنت لا ترثه لو مات، فيجوز أن تعطيه زكاة مالك إذا احتاج؛ نوضح هذا بأمثلة: رجلٌ له أخٌ فقيرٌ، لكن هذا الأخ الفقير له أبناءٌ ذكورٌ، فهل يرثه أخوه لو مات؟ لا يرثه؛ لأنه محجوبٌ بالأبناء الذكور، فليس له أن يعطيه من الزكاة، فمثل هذا الرجل لا يرثه لو مات، فإذا كان لا يرثه لو مات؛ معنى ذلك: أنه لا تلزمه نفقته، وإذا كان لا تلزمه نفقته؛ يجوز أن يعطيه من الزكاة ما دام محتاجًا.

مثالٌ آخر: رجلٌ له أخٌ فقيرٌ، وهذا الأخ الفقير ليس له ذريةٌ، وأيضًا الأب والأم غير موجودين، يعني: أبوه متوفى، أهم شيءٍ الأب، الأب متوفى، فهل يرثه أخوه لو مات؟ نعم، يرثه أخوه لو مات؛ ومعنى ذلك: أنه إذا احتاج أخوه؛ يجب أن ينفق عليه من حر ماله؛ وعلى ذلك: لا يجوز أن يعطيه من الزكاة، فخذ هذه القاعدة المفيدة في زكاة الأقارب.

متى يجوز إعطاء الزكاة للقريب؟

نقول: إذا كنت ترثه لو مات؛ لم يجز؛ لأنه يجب عليك أن تنفق عليه من حر مالك، وأما إذا كان لو مات لا ترثه؛ فهنا يجوز أن تعطيه من زكاة مالك.

الصنف السابع: رقيق المزكِّي

قال:

ولا إلى الرقيق.

يعني: لا يجوز أن يدفع السيد زكاته لرقيقه؛ لأن الرقيق وما مَلَك مِلكٌ لسيده؛ فكأنه دفع الزكاة لنفسه.

حكم إعطاء الزكاة للعمال

لو كان عند إنسانٍ عمالٌ مسلمون يعملون، فهل يجوز أن يعطيهم من زكاته؟ نعم، إذا كانوا فقراء مستحِقِّين للزكاة؛ فيجوز، لكن نشترط شرطين، يجوز إعطاؤهم ما داموا مستحِقِّين للزكاة، أو نقول: يجوز إعطاء العمال من الزكاة بثلاثة شروطٍ:

  • الشرط الأول: أن يكونوا أحد الأصناف الثمانية؛ إما فقراء، أو مساكين، أو غارمين..
  • الشرط الثاني: ألا يربط بين الزكاة وبين أجرة العمل، فلا يجعل الزكاة مقابل العمل، إنما تكون قدرًا زائدًا عن العمل.
  • الشرط الثالث: ألا يُلحِق الزكاة بالمِنَّة والأذى.

فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة؛ فلا بأس.

ألا يُلحِق الزكاة بالمنة والأذى، وهذا وإن كان شرطًا في جميع أنواع البذل والإنفاق؛ إلا أننا نذكره هنا؛ لأنه يغلب على كثيرٍ ممن عندهم عمالٌ أنهم إذا أعطوهم من الزكاة ثم رأوا تقصيرهم في العمل؛ بدءوا يمتنون عليهم بالزكاة، والمِنَّة تُبطل أجر الزكاة، وتبطل أجر الصدقة، وتبطل أجر المعروف؛ كما قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة:264].

ما معنى المِنَّة؟ نعم، يعدد فضائله المعروفة عليه: ألم أفعل معك كذا؟! وأعطيتك كذا، يبدأ يذَكِّره بفضائله ومعروفه عليه، فهذه المنة تُبطل الأجر تمامًا؛ كما قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ.

ما معنى صَفْوَانٍ؟ الحجر الأملس، عَلَيْهِ تُرَابٌ يعني: حجرٌ أملس عليه ترابٌ، فَأَصَابَهُ وَابِلٌ يعني: نزل عليه مطرٌ غزيرٌ، وَابِلٌ: مطرٌ غزيرٌ، فَتَرَكَهُ صَلْدًا يعني: أملس لا شيء عليه، أرأيت حجرًا أملس عليه ترابٌ، ثم نزل مطرٌ غزيرٌ، هل سيبقى شيءٌ من هذا التراب الذي على الحجر؟ ما يبقى منه شيءٌ، يُذهبه هذا المطر الغزير؛ هكذا أيضًا المنة، إذا لحقت الصدقة أو الزكاة أو المعروف؛ تبطله تمامًا، وتذهب بالأجر، والإنسان الذي سوف يعطي هذا الفقير مالًا ويجرح كرامته بالمنة والأذى، فلا حاجة لهذه الصدقة، لا حاجة لها؛ ولهذا قال الله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263]، لا تُعطِه إذا كنت ستجرح كرامته بالمَنِّ والأذى، وإنما قل قولًا معروفًا، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى.

فالشريعة الإسلامية عندما حثت على الإحسان للفقراء والمساكين؛ حفظت كرامتهم، ولا بد لمن يعطِي سواءٌ الزكاة أو الصدقة أو حتى يبذل المعروف، لا بد من حفظ كرامة هذا المحتاج، لا بد من أن تحفظ كرامته، وإلا إذا جُرِحت كرامته بالمن والأذى؛ بَطَل أجرك وثوابك، بل قال النبي : ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ..، وذكر منهم: المَنَّان [5]، وهو كثير المن، كلما دفع شيئًا؛ امتَنَّ على الآخرين، فهذا يبطل أجره وثوابه في الدنيا والآخرة، وهذا الفقير يحقد عليه، وأيضًا يبطل أجره وثوابه عند الله ؛ ولهذا إذا فعلت معروفًا من صدقةٍ أو زكاةٍ أو أي معروفٍ؛ فينبغي لك أن تنساه؛ لهذا قال : لا حسد يعني: لا غِبطَة إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلَكَته في الحق.. [6]، لاحِظ التعبير النبوي: هَلَكَتِه، ما قال: على إنفاقه، كأنه أهلكه، كأنه قطع صلته بهذه الصدقة، قطع صلته بها، ما عاد له صلةٌ بها، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، كأنه مالٌ هلك؛ ولهذا يقول بعض أهل العلم: إذا تصدقت على فقيرٍ، ثم رأيت أن سلامك عليه يؤذيه؛ فلا تسلم عليه؛ حفظًا لكرامته، بل حتى قال أهل العلم: إذا تصدقت على فقيرٍ؛ فلا تقل له: ادعُ لي، لا تطلب منه الدعاء، لماذا؟ لأنك أيضًا لا تريد الجزاء ولا الشكور إلا من الله ​​​​​​​، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:9]، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها إذا بعثت خادمها بالصدقة؛ تقول: “انظر إلى ما يقولون لنا فادع لهم بمثله، فإذا قالوا: بارك الله فيكم، فقل: وفيكم بارك”.

فانظروا إلى هذه المعاني العظيمة، والقيم العالية، وكيف أن الشريعة الإسلامية تحفظ كرامة هؤلاء الفقراء والمحتاجين؛ لأن بعض الناس قد يُبتلى بالفقر، وقد يبتلى بالحاجة، وقد يبتلى بالمسكنة، فينبغي لأخيه المسلم أن يساعده، وإذا ساعده يساعده مساعدةً يحفظ معها كرامته، ولا يساعده مساعدةً يجرح بها مشاعره، فالمِنَّة والأذى يُبطلان الأجر ويُذهبانه تمامًا؛ كما أن المطر الغزير إذا نزل على الحجر الأملس وعليه ترابٌ؛ أذهب هذا التراب، ولم يُبقِ له أي أثرٍ.

الصنف الثامن: الكافر

نعود لعبارة المؤلف رحمه الله قال:

ولا إلى كافرٍ.

واستثنينا من ذلك: المؤلفة قلوبهم، فالزكاة لا تدفع للكفار، إلا أن يكونوا من المؤلفة قلوبهم.

قال:

فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم.

صدقة التطوع يجوز دفعها إلى الكافر، ويجوز دفعها إلى الولد وإلى الزوجين، وإلى كل من ذُكر؛ لأن بابها واسعٌ، بل قال النبي : دينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ تصدقت به على مسكينٍ، ودينارٌ أعتقت به رقبةً، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها عند الله أجرًا: الذي أنفقته على أهلك [7]، أخرجه مسلمٌ في “صحيحه”.

فينبغي للإنسان أن يبدأ بأهله، وأن يحتسب الأجر عند الله ، فالأقربون أولى بالمعروف، بعض الناس يتصدق على الأباعد وينسى الأقارب، وأيضًا يقول : واعلم أنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله؛ إلا أُجِرتَ عليها، حتى ما تجعله في فِي امرأتك [8]، حتى النفقة على الزوجة، النفقة على الأولاد، النفقة على الوالدين، إذا احتسبت الأجر فيها؛ فإنها صدقةٌ تُؤجر وتثاب عليها عند الله ​​​​​​​.

حكم النية عند دفع الزكاة

قال:

ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنيَّةٍ.

لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات [9]”، فلا بد من النية.

وعلى ذلك: لو أن رجلًا دفع الزكاة عن والده بغير إذنه، هل يجزئ؟ لا يجزئ؛ لأن والده صاحب المال، لم يأذن بهذا، ولكن لو أنه لما دفع الزكاة عنه أخبره بذلك فأجازه، قال: يا أبتي أنا دفعت عنك الزكاة بالأمس، فقال: جزاك الله خيرًا، ودعا له، فاختلف العلماء هل تجزئ أو لا تجزئ؟ والقول الراجح: أنها تجزئ، ما دام قد أجازه فتجزئ؛ كما أن ذلك من تصرفات الفضولي في البيع والشراء، أيضًا تصح تصرفات الفضولي؛ إذا أجازه المالك؛ فلو أن رجلًا صديقًا لك يعرف أنك تحب أن تبيع سيارته، ثم رأى الفرصة سانحةً في أن رجلًا يريد أن يشتري هذه السيارة، فقمت أنت وبعتها عليه، وأنت لا تملكها، ولمَّا علم صديقك بذلك؛ قال: جزاك الله خيرًا، قد أحسنت إليَّ، فهل يصح هذا البيع؟ نعم، إذا أجاز هذا البيع المالك؛ صح، وهذا ما يسميه الفقهاء بـ”تصرفات الفضولي”، وهكذا أيضًا في باب الزكاة هنا: ما دام أن صاحب المال أجاز دفع الزكاة؛ فإن ذلك يجزئ في أرجح أقوال أهل العلم.

قال:

إلا أن يأخذها الإمام قهرًا.

أي: فتجزئ، متى يأخذها الإمام قهرًا؟ يأخذها الإمام قهرًا عندما يأبى أن يدفع الزكاة، فهنا يتدخل ولي الأمر، يتدخل الإمام ويأخذ الزكاة منه بالقوة، وله أن يعزره في هذه الحال، بل قال النبي في حق من أخر الزكاة: إنا آخذوها وشَطْرَ ماله، عَزْمَةٌ من عَزَمَات ربنا [10].

وعلى ذلك: فمن مسؤولية الدولة المسلمة: جباية الزكوات من أرباب الأموال الظاهرة؛ مثل المواشي، ومثل الزروع والثمار، ومثل الشركات التجارية، فهذه تُجبَى من قِبل الإمام، ومن قبل ولي الأمر، وهذا معمولٌ به في المملكة العربية السعودية، وهنا في “مصلحة الزكاة والدخل” تَجبي الزكوات من أرباب الأموال الظاهرة، ترسل سُعَاةً إلى أرباب المواشي وتأخذ منهم الزكوات، وكذلك أيضًا إلى أرباب الزروع والثمار، وكذلك أيضًا الشركات المساهمة، تؤخذ منهم الزكوات، فإن أبَوْا فتؤخذ منهم جبرًا، تؤخذ منهم بالقوة، فإذا أخذت منهم جبرًا ولم يأذن؛ فلا عبرة بإذنه في هذه الحال، وهذا معنى قول المؤلف: “إلا أن يأخذها قهرًا”.

حكم الزكاة إذا دُفعت إلى غير مستحقها

قال:

وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها؛ لم يُجْزِه، إلا لغنيٍّ إذا ظنه فقيرًا.

يعني: إذا اجتهد الإنسان ودفع الزكاة، فتبيَّن أن الذي دفع إليه الزكاة غير مستحقٍّ؛ فإن هذا لا يُجزئه، إلا في حالةٍ واحدةٍ، وهي الغني إذا ظنه فقيرًا؛ لأن الفقر أمرٌ خفيٌّ، قد يدعي الفقر من ليس بفقيرٍ، ولا يُطلب من الإنسان أن يطالب الفقراء بالبينة المثبتة للفقر؛ لأننا لو طالبنا الفقراء بالبينة؛ فلا بد من وثيقةٍ تثبت أنك فقيرٌ، أو لا بد من شهودٍ، فهذا يتعذر على كثيرٍ من الفقراء، ويتسبب في مفسدةٍ، وهي حرمان كثيرٍ من الفقراء من الحق الذي فرضه الله تعالى لهم.

ولهذا قال الفقهاء: إذا دفع الإنسان زكاته لغنيٍّ ظنه فقيرًا؛ أجزأ، وأما غير الفقير وغير المسكين؛ فلا بد من التحري، ولا يستعجل الإنسان ويُفَرِّط ويعطي الزكاة من لا يستحقها؛ فمثلًا: المؤلفة قلوبهم، لا بد أن يتأكد ويتحرَّى: هل هذا من المؤلفة قلوبهم أم لا؟ وهكذا لو كان أيضًا ابن السبيل؛ لا بد أن يتأكد.

أما بالنسبة للفقراء والمساكين: فالفقر من الأمور الخفية التي قد لا يستطيع الإنسان التحقق منها؛ ولهذا فيُكتفى في ذلك بالظاهر.

وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا شرحه في كتاب الزكاة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وإن شاء الله سنكمل شرح هذا الكتاب في دوراتٍ قادمةٍ بإذن الله تُعلَن في حينها.

طيب، بقيت جائزةٌ نضع عليها السؤال الثالث، ونرجو الهدوء يا إخواني.

غدًا ليس هناك درسٌ.

طيب، من الذين يجوز أن يُعطَوا من الزكاة مع كونهم أغنياء؟

نريد أحدًا ما سبق أن أخذ جائزةً في أي درسٍ، نعم تفضل يا أخي، ارفع صوتك.

أربعةٌ، وهم؟ ارفع صوتك، والله ما نسمعك.

نعم، طيب، الغارم لأي شيءٍ؟ لإصلاح ذات البين، بارك الله فيك.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه مسلم: 1072.
^2 رواه البخاري: 3502.
^3 رواه النسائي: 2612.
^4 رواه البخاري: 1466، ومسلم: 1000.
^5 رواه مسلم: 106.
^6 رواه البخاري: 73، ومسلم: 816.
^7 رواه مسلم: 995.
^8 رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628.
^9 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^10 رواه أبو داود: 1575، والنسائي: 2443.
zh