|

(2) فتاوى الحج 1439هـ

مشاهدة من الموقع

بسم اللّـه الرحمن الرحيم

الحمد للّـه رب العالمين، وصلى اللّـه وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحبتنا المستمعين الكرام، السلام عليكم ورحمة اللّـه وبركاته.

أسعد اللّـه أوقاتكم كلها بكل خيرٍ، أهلًا ومرحبًا بكم -أيها الإخوة الكرام- في هذه الحلقة الجديدة من البرنامج اليومي المباشر (فتاوى الحج)، الذي يستمر معنا -بـمشيئة اللّـه تعالى- حتى اليوم الثامن من شهر ذي الحجة 1439هـ.

فحياكم اللّـه أحبتنا المستمعين الكرام.

أهلًا ومرحبًا بكم أيها الإخوة الكرام.

كما نرحب أيضًا بالضيف الكريم لهذه الحلقة، فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.

دكتور سعد، السلام عليكم ورحمة اللّـه.

الشيخوعليكم السلام ورحمة اللّـه وبركاته، وحياكم اللّـه، وحيا اللّـه الإخوة المستمعين.

المقدمأهلًا ومرحبًا بكم شيخنا، وحياكم اللّـه أيضًا مستمعينا الكرام، من كان لديه سؤالٌ يريد طرحه على فضيلة الشيخ، فأهلًا ومرحبًا بكم.

شيخنا حفظك اللّه، لعلنا نبدأ هذه الحلقة اليوم، يعني يـمكن ما يكاد أحدٌ يسلم من الدَّين؛ إما يكون دين أقساطٍ، أو دين قرضٍ حسنٍ، مُعجَّلٍ أو مؤجَّلٍ، المهم: كل إنسانٍ تقريبًا في ذمته شيءٌ من الدين، يعني: في غالب الناس.

ولا شك أن مسألة الدَّين لها ارتباطٌ بفرض الحج، يعني: كون الحج يكون مفروضًا على المسلم، فلو بيَّنتُم لنا -يا شيخ- ارتباط الدَّين بالحج: هل من كان عليه دينٌ يجب عليه أن يحج؟ فهل هناك فرقٌ بين الأقساط والحالِّ؟ لو فصلتم في هذا شيخنا اللّـه يحفظك.

الشيخالحمد للّـه رب العالمين، وصلى اللّـه وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن اللّـه فرض الحج على المستطيع، فقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

ومن كان عليه ديونٌ: فإن كانت هذه الديون حالَّةً فيجب عليه أن يسدِّدها، ولا يجوز له أن يـماطل وأن يؤخر سدادها؛ لقول النبي : مَطْل الغني ظلمٌ [1]، وإذا كان عاجزًا عن سداد هذه الديون، وتوفَّر لديه مبلغٌ ماليٌّ، ويريد أن يحج به، فإن الدَّين مقدَّمٌ على الحج؛ لأن الدين واجبٌ سداده، بينما الحج لا يجب إلا على المستطيع، فلو افترضنا أن رجلًا عنده خمسة آلاف ريالٍ يستطيع أن يحج بـها في حملةٍ من الحملات، لكن عليه دينٌ حالٌّ بـمبلغ خمسة آلاف ريالٍ، فنقول: ليس لك أن تحج حتى تسدد هذا الدين، فإذا سددت هذا الدين؛ إن تيسر لك أن تحج فالحمد للّـه، وإن لـم يتيسر فأنت غير مستطيعٍ.

وكون الإنسان يحج وعليه دينٌ حالٌّ، معنى ذلك: أنه حجَّ بـمال غيره؛ لأن هذا المال الذي حجَّ به هو في حقيقة الأمر مستحَقٌّ للدائن؛ ولذلك إذا علم الدائن الذي يطالب فلانًا بالدين، ويعتذر بأنه ليس عنده شيءٌ، إذا علم بأنه قد حجَّ يجد الدائن في نفسه، ويقول: كيف يقول: إنني عاجزٌ عن سداد الدين، وها أنا أراه قد حجَّ، والحج يتطلب مالًا، ويتطلب نفقاتٍ.

إلا إذا استأذن هذا المدين من الدائن في الحج، بأن يقول له مثلًا: يا فلان، أنا أريد أن أحج، فأريد منك أن تأذن لي في الحج، وسأسدد لك الدين بعد الحج إن شاء اللّـه تعالى، فإذا أذن له فلا بأس، أما إذا لـم يأذن له فليس له أن يحج وعليه ديونٌ حالَّةٌ لـم يسددها، ولكنه مع ذلك لو حجَّ فحجه صحيحٌ؛ لأنه حجٌّ مكتمل الأركان والشروط والواجبات، لكنه يأثم بـمماطلة الدائن في سداد دينه.

إذنْ: من كان عليه دَينٌ حالٌّ فالواجب عليه أن يقدم سداد الدين الحال على الحج، أو يستأذن من الدائن.

أما إذا كان الدين مؤجَّلًا أو مُقسَّطًا فإن هذا لا يـمنع من الحج؛ لأن هذا المدين لـم يجب عليه أن يسدد الدين في الحال، فبإمكانه أن يحجَّ بـهذا المال الذي في يده، وإذا حلَّ موعد سداد الدين ربـما أن اللّـه تعالى ييسر له رزقًا يسدد به هذا الدين، خاصةً في الديون المقسَّطة.

وكثيرٌ من الناس الآن لا تخلوا أحوالهم من ديونٍ مُقسَّطةٍ، وربـما تستمر الديون سنين طويلةً، تصل الأقساط أحيانًا إلى عشرين سنةً، وربـما تصل إلى ثلاثين سنةً، فهذه الأقساط لا تعيق الإنسان، ولا تؤثر عليه، ولا تـمنع من الحج، إنـما الكلام في الدين الحالِّ، الدين الحال: هو الذي يجب أن يسدده، وليس له أن يحج إلا بعد أن يستأذن من الدائن.

المقدممعنا الأخ محمد.

المتصلالسلام عليكم.

المقدمعليكم السلام ورحمة اللّـه، حياك اللّـه أخي محمد.

المتصلاللّـه يجزيكم خيرًا، ويجمعنا وإياكم في الفردوس الأعلى، إن شاء اللّـه تعالى يا ربِّ العالمين.

يا شيخ، عندي ثلاثة أسئلةٍ:

السؤال الأول: صديقٌ لي حجَّ العام الماضي، وما كان لابسًا لباس الإحرام عند الميقات، نوى ومرَّ من عند الميقات، ونوى الحج إفرادًا لكن ما كان لابسًا، والحملة قالوا له: إنه يدفع نفقةً لستة مساكين، إطعام ستة مساكين في الحرم، وهذا يُكفِّر لباس الإحرام، طبعًا هو لبس الإحرام في مكة؟

السؤال الثاني: صديقي نفسه -للأسف!- ما كان عنده مبيتٌ في مِنًى، كان ساكنًا بالعزيزية، فكانوا يذهبون إلى مِنًى بحدود ساعتين، ثلاثٍ تقريبًا، جزء من الليل، ويرجعون لمبيتهم في العزيزية، فهل حجه صحيحٌ، أو يترتب عليه أشياء أخرى؟

السؤال الثالث: عزمت على الحج -إن شاء اللّـه- أنا وزوجتي هذه السنة، ولكن ربما يأتيها العذر الشرعي صراحةً وقت الحج، ولا أخفيكم سرًّا، لا تستطيع أن تأخذ الأدوية لأسباب صحيةٍ، فما هو الحل في هذا الموضوع؟ جزاكم اللّـه كل خيرٍ.

المقدم: طيب، شكرًا لك، الله يعطيك العافية.

شيخ سعد الله يحفظ، أخونا محمدٌ يقول: إن صديقه حج العام الماضي، ودخل مكة بدون أن يلبس ملابس الإحرام، مع أنه نوى، وذكروا له في الحملة أن يطعم ستة مساكين، هل هذا الحل صحيحٌ؟

الشيخمن لبس مخيطًا، أحرم ولبس المخيط، فإن الواجب عليه أن يدفع فديةً؛ كما قال اللّـه : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، وفسرها النبي  بأن الصيام: صيام ثلاثة أيامٍ، وفسر الصدقة بأنـها: إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، وفسر النسك بأنه: ذبح شاةٍ في الحرم [2].

فهو مُـخيَّـرٌ بين هذه الأمور الثلاثة بسبب لبسه للمخيط، لكن لو غطَّى رأسه فتكون عليه فديتان، وليست فديةً واحدةً، تكون عليه بدل صيام ثلاثة أيامٍ ستةُ أيامٍ، وبدل إطعام ستة مساكين إطعامُ اثني عشر مسكينًا، وبدل ذبح شاةٍ ذبحُ شاتين، وهو مُـخيَّـرٌ بين هذه الأمور الثلاثة.

فإذنْ: هذا هو الواجب عليه، فإن كان قد دفع هذه الفدية، وإلا فعليه أن يبادر بدفعها.

المقدمسؤاله الثاني يا شيخ يقول: أن صاحبه نفسه يقول: ساكن في العزيزية، وإذا أمسى ذهب إلى مِنًى وبقي فيها ثلاث أو أربع ساعاتٍ، ثم عاد؟

الشيخالواجب هو البيتوتة في مِنًـى ليالي التشريق أكثر من نصف الليل، ولا يلزمه البقاء في مِنًـى نـهارًا، فلو أنه بقي مثلًا في العزيزية أو في غيرها، فإذا كان في الليل أتى وبقي أكثر من نصف الليل، فهذا لا بأس به، لكن هو قال: ساعتين أو ثلاثًا، لا تكفي، لا بد أن يبقى أكثر من نصف الليل، وطريقة حساب نصف الليل: أن يحسب الفترة الزمنية ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويقسمها على اثنين، فيخرج له منتصف الليل، فلا بد أن يبقى في مِنًـى بـمقدار منتصف الليل، إما في أول الليل أو في آخره أو بينهما، المهم أنه يـمكث في مِنًـى أكثر من نصف الليل.

المذيع: سنؤجِّل السؤال الثالث؛ لنأخذ معنا إسراء من الدمَّام، تفضلي يا إسراء.

المتصلةالسلام عليكم ورحمة اللّـه وبركاته، عندي سؤالان بإذن اللّـه:

السؤال الأول: بالنسبة للعذر الشرعي، بالنسبة للشيخ سعد اللّـه يجزيك الجنة، ويعطيك العافية، استفدنا منك كثيرًا في برنامج (فقه العبادات) بالنسبة للعذر الشرعي، لكن أشكل علينا بعض الأشياء بالنسبة لمدة الحيض، ذكرت في البرنامج يا شيخ: أن مدة الحيض لا تُقدَّر بفترةٍ معلومةٍ.

الشيخيعني: أكثر مدة الحيض؟

المتصلةنعم، أكثر مدة الحيض، ذكرت يا شيخ: أن يكون العبرة بالحيض؛ متى ما انقطع الحيض ينتهي، لكن التي يكون عندها العذر الشرعي -يا شيخ- أكثر من شهرٍ، هل الحيض يكون أكثر من شهرٍ، كيف حكم.. هذه سيشكل عليها: هل تكمل خمسة عشر يومًا، أو تغتسل وتصلي وعليها دمٌ ينزل، أو كيف يكون، أشكل علينا كثيرًا هذا الشيء؟

السؤال الثاني لإحدى الأخوات: بالنسبة لصلاة الاستخارة، تقول: إنـها تستخير في اليوم عدة مراتٍ، ولا يظهر لها شيءٌ، يعني: في الاستخارة، ماذا تفعل في هذا الشيء؟

سأرجع للسؤال الأول: أريد التوضيح بالنسبة لأحكام الطواف بالنسبة للحاجَّة التي كان عندها العذر الشرعي يطول، كيف تفعل في الطواف، يكون عندها أكثر من خمسة عشر يومًا، بعض العلماء يذكرون أن خمسة عشر يومًا وتغتسل، يكون عليها الدم وتطوف أو تسعى، طيب كيف؟ أريد أستفسر عن مدة الحيض؟

المقدمتسمعين الإجابة إن شاء الله.

شيخنا، بالنسبة للسؤال الثالث لمحمدٍ، أيضًا كذلك يقول: إنه سيحج هو وزوجته، يقول: أخشى أن يأتيها العذر الشرعي أثناء مدة الحج، ربما فصَّلتم في هذا في حلقة الأمس، لكن لو بينتم له بشيءٍ موجزٍ شيخ سعد اللّـه يحفظك؟

الشيخنعم، المرأة إذا أتاها الحيض في الحج، فإنـها تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت، كما أرشد إلى ذلك النبي [3].

فمعنى ذلك: أنـها إذا مرَّت بالميقات تغتسل وتحرم، وتفعل كما تفعل غير الحائض تـمامًا، لكنها تؤجل العمرة إذا كانت متمتعةً، تؤجل العمرة حتى تطهر، وكذلك أيضًا في الحج تؤجل طواف الإفاضة حتى تطهر، لكن إذا طافت طواف الإفاضة، ثم أتاها الحيض بعد ذلك فإن هذا لا يضر، يسقط عنها طواف الوداع، طواف الوداع يسقط عن الحائض.

ولذلك: من كان معه نساءٌ في الحج ننصحه بأن يبادر إلى تطويفهن يوم العيد؛ لأنه لو نزل من المرأة حيضٌ وهي لـم تطف طواف الإفاضة فإنـها تنتظر حتى تطهر، وربـما يشق ذلك الانتظار عليها وعلى مَحرمها.

المقدم: نعم، أحسن الله إليكم.

تقول إسراء: تحدثتم في برنامجكم -اللّـه يحفظكم، وفعلًا كان برنامجًا نافعًا، نفع اللّـه به، الذي هو (فقه العبادات)- تحدثتم أنه ليس هناك مدةٌ أكثر، لـما يتعلق بـمدة الحيض، لكن تسأل لمن امتد معها مثلًا لشهرٍ أو شهرين، ماذا تفعل؟

الشيخأولًا: ما ذكر في البرنامج كان في برنامج (فقه العبادات)، وكان تسجيله قبل ثلاثة عشر عامًا تقريبًا أو يزيد، وهذا هو رأي بعض أهل العلم، ولكن من خلال التعامل مع استفتاءات المستفتين، وبخاصةٍ من الأخوات النساء في هذه المسائل، ظهر لي أن قول الجمهور أقرب؛ لأن القول بإطلاق المدة قولٌ مشكِلٌ؛ فبعض النساء قد يستمر معها الدم عشرين يومًا، أو ربـما اثنين وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، فكيف نعتبر هذه حائضًا؟ معنى ذلك: أنـها تبقى ثُلثَي حياتـها حائضًا، وتكون مـمنوعةً من الصلاة ومن الصيام، وكذلك من المعاشرة الزوجية، ومن أمورٍ أخرى، وهذا لا شك أن فيه ضررًا عظيمًا عليها، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة؛ ولذلك ذهب أكثر أهل العلم -وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، قالوا: لأن اللّـه قال في حقِّ الآيسة والصغيرة: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]، فأقام اللّـه تعالى الشهر مقام الحيضة، والشهر يكون فيه طهرٌ، وفيه حيضٌ، ومعنى ذلك: أن الحيض لا يزيد على منتصف الشهر، يعني: أقصى ما يصل إليه الحيض منتصف الشهر، وأقصى ما يصل إليه الطهر كذلك؛ ولهذا فالشهر يقوم مقام الحيضة.

وعلى ذلك فالقول الأظهر: أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، ومـما يؤيد ذلك: الرأي الطبي؛ فإن الأطباء يقولون: إن الدم الذي يزيد على عشرة أيامٍ بالنسبة للمرأة لا يعتبر دمًا طبيعيًّا، ولا يعتبر حيضًا، إلا في أحوالٍ نادرةٍ أو قليلةٍ، وهذه الأحوال النادرة أو القليلة يـمكن أن تستوعبها الخمسة الأيام، فنضيف خمسة أيامٍ إلى عشرةٍ، فيكون خمسة عشر يومًا.

لكن الدم إذا زاد على خمسة عشر يومًا لا يعتبر دمًا طبيعيًّا، ولا يعتبر حيضًا، هذا هو الذي ظهر لي وترجح عندي في هذه المسألة: أن أكثر مدة الحيض: خمسة عشر يومًا، وهو قول جماهير الفقهاء، وهو أيضًا ضابطٌ جيدٌ بالنسبة للمرأة، يقال لها: إذا استمر الدم معك إلى خمسة عشر يومًا فهو حيضٌ، وإن زاد على ذلك فيعتبر دم استحاضةٍ.

المقدماللّـه يجزيكم خيرًا شيخ سعد، ونفع بكم.

طيب الآن لو مثلًا امرأةٌ أحرمت يوم ثـمانيةٍ، وسيبقى معها خمسة عشر يومًا، الذي هو الحيض مثلًا، وجاءها الحيض يوم ثـمانيةٍ، أو يوم سبعةٍ، فماذا تفعل بالنسبة للطواف؟

الشيخنعم، هذه من الأمور المشكلة؛ ولهذا لـما قيل للنبي : إن صفية قد حاضت، قال: أحابستنا هي؟ [4]، هذا دليلٌ على أن المرأة تحبس مَحرمها؛ ولذلك في مثل هذه الأحوال:

  • إما أن يَنتظِر معها مَحرمها، إن أمكن.
  • أو أن يذهب معها إلى بلدها إذا كان قريبًا، خاصةً لمن كانوا داخل المملكة، تذهب وهي حائضٌ، ولا تكون قد تحلَّلت التحلل الكامل، فإذا طهرت رجعت وأتت بطواف الإفاضة، وهذا أيضًا خيارٌ آخر.
  • وهناك خيارٌ ثالثٌ، وهو: أنـها تأخذ إما عقاقير أو إبرًا ترفع الحيض، فإذا طهرت اغتسلت، ثم أتت بطواف الإفاضة، وهذا يذكر كثيرٌ من الأطباء أنه لا يضرُّ المرأة إذا كان مرةً واحدةً؛ إنـما يضرُّها إذا تكرَّر، أما مرةً واحدةً فلا يُلحِق بـها الضرر، فهذا أيضًا من الحلول.

المقدمبارك اللّـه فيكم شيخنا، أيضًا في السؤال الثاني تسأل تقول: إن إحدى الأخوات تصلي صلاة الاستخارة، ثم تبقى يومًا أو يومين لـم يتبيَّـن لها شيءٌ، يعني: ما الذي تختاره من هذين الأمرين؟

الشيخصلاة الاستخارة: كان النبي يعلمها الصحابة ؛ كما قال جابرٌ : “كان رسول اللّـه يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن” [5]، وهذا في “الصحيحين”، “كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن”، وهذا يدل على أهمية الاستخارة، وأن الإنسان ينبغي أن يكثر منها في الأمور التي يتردد فيها أن يستخير ربه .

قال جابر : “كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاقدُرْه لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، ويسمِّي حاجته.

هذه هي صفة الاستخارة، ولا بأس أن يكررها الإنسان، لكن علامة الاستخارة ليست -كما يعتقد بعض الناس- انشراح الصدر لأحد الأمرين؛ إنـما علامة الاستخارة: هي أن يتيسر له أحد الأمرين، ولا يتيسر الأمر الآخر؛ لأن مسألة الارتياح النفسي قد يكون سببه ما في ذهنه من معلوماتٍ عن الأمرين، فيكون ذهنه عن هذا الأمر أخذ عنه صورةً سلبيةً، وعن الأمر الآخر صورةً إيجابيةً، فلذلك يرتاح نفسيًّا لأحد الأمرين، ولا يرتاح للأمر الآخر، هذا ليس دليلًا على الاستخارة، ليست هذه علامة الاستخارة، إنـما نقول: اجتهد، استشر من تثق فيه، واستخر ربك ، ثم أقدم على أحد الأمرين، فإن كان خيرًا فسيُيسِّره اللّـه ، وإن لم يكن خيرًا فسيصرفك اللّـه عنه، هذه هي علامة الاستخارة.

المقدمبارك اللّـه فيكم شيخنا، معنا يوسف.

المتصلالسلام عليكم ورحمة اللّـه وبركاته شيخنا.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصلأقول لك: اللّـه يبارك فيكم جميعًا يا رب، بالنسبة للمستدين، من عليه دينٌ، لكنه لعَّابٌ مـماطلٌ، وجاء عليه الحج وفي نيته أن يحج، وهو مـماطل في الدين، فكيف يكون الحكم، والمال معه، يعني: يستطيع أن يحج مع شركةٍ من الشركات؟

المقدميعني: لا هو مُسدِّدٌ الدين، ولا هو بحاجٍّ؟

المتصللا، هو سيحج، لكن…، حجه لن يكلفه شيءٌ، يكون سائقًا مع شركةٍ أو كذا، ولكنه -اللّـه يهديه- مـماطلٌ في دَينه، هذاك الشخص الأول، هل يكون حَجَّ بـمال غيره، أو يكون ماذا؟

الشيخلماذا لا يسدد الدين؟ ما السبب؟

المتصلقلت لك: أنه -اللّـه يهديه- متهاونٌ في هذا الأمر.

الشيخطيب، لو قيل: سدِّد الدَّين ثم حُجَّ، ما يقبل؟

المتصليقول: طيب، طيب، فيما بعد، طيب، ولكن لا يسدد.

المقدملكن الحج لن يكلفه شيئًا.

المتصل: الحج لا يكلفه شيئًا كثيرًا؛ لأنه غالبًا يكون مع حملةٍ، مع كذا، وكان سائقًا فيها، أو يعمل لديها، المهم: حجه يسيرٌ جدًّا.

الشيخهذه الصورة تختلف عن الصورة التي ذكرناها في مقدمة الحلقة؛ في مقدمة الحلقة الكلام عمَّن يكلفه الحج مالًا، فنقول: إن هذا المال مستحَقٌّ للدائن؛ فليس لك أن تحج بـمال غيرك.

أما هذه الصورة التي ذكرها الأخ السائل، يقول: إن هذا الحاج لن يحج بـماله، سيحج مع غيره، سيحج مع شركةٍ، أو يحج مع حملةٍ مـجانًا، أو شبه مـجانٍ، فهذا لا بأس أن يحج، ولا علاقة لهذه المسألة بالدَّين؛ لأنه لن يحج بـمال غيره، إنـما سيحج مـجانًا أو شبه مـجانٍ، فهذا لا بأس بأن يحج، وحجه عملٌ صالحٌ من أعظم وأفضل الأعمال، لكن ننصحه بأن يبادر بسداد الدين الذي في ذمته، فإنه لا يحل له أن يـماطل في سداده، وقد قال عليه الصلاة والسلام: مَطْل الغنيِّ ظلمٌ [6]، وإذا كان ظلمًا فإنه يأثـم به، وكل يومٍ يـمر عليه وهو مـماطلٌ في سداد الدين، يلحقه به الإثـم.

المقدمشيخ سعد، من كان غير مستطيعٍ للحج، ولكن تـهيَّأت له حملةٌ مـجانية، وهل هنا يكون مستطيعًا ويأثـم بتأخير الحج؟

الشيخلا يجب الحج عليه، لكن يجوز له الحج، أما كونه يجب عليه الحج؛ لأنه في حقيقة الأمر غير مستطيعٍ، حتى ولو تـهيأت له حملةٌ مـجانيةٌ؛ لأن هذه الحملة المـجانية في حقيقة أمرها أنـها هبةٌ من القائمين على هذه الحملة لهذا الشخص، والإنسان لا يلزمه أن يقبل الهبة، ولا يلزمه أن يكون تحت منَّة غيره، لكن ذلك جائزٌ في حقه.

ولهذا ذكر الفقهاء في مسألة: ما إذا لـم يجد ماءً يتوضأ به، لكنه وجد من يهب له الماء، قال: هذا الماء هبةٌ مني لك، يقول الفقهاء: إنه لا يلزمه أن يقبل هذا الماء، وله أن يعدل إلى التيمُّم؛ لأنه لا يلزم أن يكون الإنسان تحت منَّة غيره؛ لأن هذا الذي وهب له هذا الشيء، قد يـمتنُّ عليه به يومًا من الأيام.

فانظر إلى عظمة هذه الشريعة! وكيف تبني العزَّة في نفوس المسلمين، فالإنسان إذا وُهِب له الشيء، يجوز له أن يقبله، لكن لا يجب عليه أن يقبله، قد يكون بعض الناس عنده عزة نفسٍ، لا يقبل مثل هذه الهبة، أو أنه يعرف أن الواهب يـمتنُّ عليه به، فلا يلزمه أن يقبل هذه الهبة.

وعلى ذلك نقول في حق من تيسر له أن يحج مع حملةٍ مـجانًا: إنه يجوز له أن يحج، وتبرأ ذمَّته بـهذا الحج، وهو مأجورٌ عليه إن شاء اللّـه، لكنه لا يجب عليه أن يحج ما دام لا يستطيع أن يحج بـماله.

المقدملكن الأفضل -يا شيخ- لمن لـم يكن مستطيعًا، وتـهيأت له حملةٌ مـجانيةٌ مثل هذه: هل الأفضل له أن يبادر ويقضي فريضته، أو أن ينتظر حتى يرزقه اللّـه ويحج؟

الشيخهذا فيه تفصيلٌ؛ إذا كانت الحملة التي وَهَبَت له هذه الحجة لن تـمتنَّ عليه بذلك، ولن يلحقه ضررٌ، فالأفضل أن يقبل هذه الهبة، وأن يحج، وهو عملٌ صالحٌ، أما إذا كان سيلحقه الضرر من قبول هذه الهبة، فربـما أنه لو انتظر وحج بـماله لكان أفضل.

المقدمأبو عبدالملك معنا، تفضل.

المتصلالسلام عليكم ورحمة اللّـه وبركاته.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله.

المتصل: الآن البعض يضع رقم جوَّاله إعلانًا لمن يريد أن يحج عنه، وهذا ربـما ديدنه كل عامٍ، يعني: يضع مبلغًا معيَّـنًا، سأحج بـمبلغ كذا، ما هذا الفعل شيخنا؟ هل هو محمودٌ، أو الأفضل للإنسان تركه؟

المسألة الثانية شيخنا: أيضًا البعض يحج عن غيره، طبعًا يأخذ مقابل هذا الحج، ويحج عن غيره، لكنه يرتكب شيخنا بعض المـحظورات، فربَّـما هذا الشخص الذي وكَّله لا يعلم بذلك، فربـما يلبس المخيط من أجل الدخول، ومثل هذه الأمور، توجيهكم يا شيخ بارك اللّـه فيك؟

المقدمطيب، تسمع الجواب -إن شاء اللّـه- بعد ذلك.

شيخنا، البعض ربما ينوي فعلًا، يعني تكون نيته خالصةً، يريد أن يذهب إلى حج بيت اللّـه الحرام، لكن ليس لديه مالٌ، فيطلب مثلًا من أحدٍ أن يحج عن أحد أقاربه بـمبلغٍ من المال، وبعضهم يأخذه تكسُّبًا، توجيهكم في هذا يا شيخ؟

الشيخالنيابة في الحج ثابتةٌ، قد وردت بـها الأدلة، ولكن لا يجوز للإنسان أن يحج عن غيره بقصد المال والتجارة، فالحج عبادةٌ، وليس الحج مجالًا للتجارة، ولا مجال للتكسُّب والربح؛ ولهذا عند أهل العلم قاعدةٌ ذكرها أبو العباس ابن تيمية رحمه اللّـه، قال: “إن كان أخذ ليحج، فلا بأس، أما إن حج ليأخذ، فما له في الآخرة من خلاقٍ”.

فالذي يحج لأجل المال هذا لا يجوز، أما إذا أخذ المال لأجل الاستعانة بذلك على الحج، فهذا لا بأس به.

وأما الذي يجعل إعلانًا لمن يرغب في أن يعطيه حجَّةً، هذا لا ينبغي؛ لأن هذا يظهر أن مقصوده المال، وإذا أراد المال يبحث عن مجالاتٍ أخرى غير العبادة، يبحث عن تجارةٍ، يبحث عن مـجالاتٍ أخرى من مـجالات الرزق، أما أن يأتي لعبادةٍ عظيمةٍ، وهي عبادة الحج، ويجعلها مـجالًا للتكسب، ومـجالًا للربح والتجارة بـهذه الطريقة، هذا لا يجوز هذا العمل، لكن من حجَّ عن غيره وأخذ مالًا لأجل أن يستعين به في حجه، هذا لا بأس به، لكن لا يجعل مقصوده الأساسي هو المال، وإنـما يجعل مقصوده أن يحج، وأن يذهب لتلك البقاع الفاضلة، وتلك المشاعر، ويكسب أجورًا، وهناك أمورٌ يكون أجرها للنائب؛ مثل مثلًا: أجر الصلاة، وأجر الدعاء، ونحو ذلك، هذه تكون للنائب، فبعض الناس ينوب عن غيره لأجل أن يكسب الأجور المترتبة على هذه الأعمال، فإذا كان بـهذه النية فلا بأس، أما أن يجعل مقصوده المال، ولولا المال ما حجَّ عن غيره، فهذا لا ينبغي.

المقدمطيب، هو أيضًا يقول: بعضهم ربـما يرتكب..، النائب هذا يرتكب بعض المـحظورات، وما يدري عنها المنوب عنه؟

الشيخإذا ارتكب محظوراتٍ فهو الذي يتحمَّلها في ماله؛ لأنه قد أخذ أجرةً من الشخص الذي طلب منه النيابة، فهو الذي يتحمَّل دفع الفدية، وعليه أن يلتزم بدفع الفدية، وأن يكون أمينًا في ذلك.

المقدمعبر (تويتر) شيخ سعد، هذا أحد الإخوة اسـمه (عبُّودي الفلَّاج)، يقول: نريد تفصيلًا لحج التمتُّع، وما يشرع فعله في المسجد النبوي، طبعًا يـمكن تفصيل حج التمتع، ليس هذا وقته، لكن هل هناك عملٌ في المسجد النبوي مرتبطٌ بالحج؟

الشيخليس هناك عملٌ في المسجد النبوي مرتبطٌ بالحج، وإنـما الذي يرتبط بالحج: أن يحرم من أحد المواقيت، وميقات أهل المدينة هو ذو الحُليفة، أو ما يسمى بأبيار عليٍّ، وليس المسجد النبوي، وإنـما هو ذو الحُليفة، فإذا كان في المدينة يحرم من ذي الحُليفة، أو من أبيار عليٍّ، وليس من مسجد النبي .

المقدمبارك اللّـه فيكم، أيضًا عبر (تويتر) سائلٌ يقول: رجلٌ طاف ثم دخل في السعي، لكنه أحس بألـمٍ شديدٍ فترك السعي وذهب إلى البيت، وبعد أربعة أيامٍ رجع وسعى فقط، فهل تصح عمرته؟

الشيخنعم، لا بأس، عمرته صحيحةٌ؛ لأنه لا تشترط الموالاة بين الطواف والسعي، هو قد طاف، ثم السعي لـم يكمله، ثم أعاده بعد ذلك، وحلق أو قصَّر، فعمرته صحيحةٌ، والحمد للّـه.

المقدمأيضًا هذا أخونا سائلٌ عبر (تويتر) كذلك يقول: لمن حج متمتعًا، هل يجوز له بعد العمرة أن يتحلل مدةً بسيطةً، مثلًا نصف ساعةٍ ونحوها، ثم يحرم للحج بدون أن ينزع لباس الإحرام؟

الشيخنعم، يجوز ذلك؛ لأن التحلُّل إنـما يكون بالنيَّة، وهذا يحصل لمن يأتي إلى مكة متأخرًا؛ كأن يأتي في اليوم الثامن، ويأتي بعمرة، ثم يبقى له مثل هذه المدة التي ذكرها الأخ السائل، نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين، ثم بعد ذلك يحرم بالحج، هذا من حيث الحكم يجوز، لكن الأفضل في حق من أتى متأخرًا؛ كأن أتى في اليوم الثامن أن يُحرِم قارنًا..، هذا هو الأفضل؛ لأن التمتُّع قد فات وقته.

التمتع معناه: أن يحرم بالعمرة ثم يتحلَّل منها، ويتمتع بفعل محظورات الإحرام التي كان مـمنوعًا منها وقت الإحرام، ثم بعد ذلك إذا أتى اليوم الثامن أحرم بالحج، فيستفيد بـهذا التحلل، ويتمتع بفعل تلك الأمور التي كانت مـحظورةً عليه في الإحرام، فإذا أتى اليوم الثامن فلا معنًى للتمتع حينئذٍ، فالأفضل في حقه أن يكون قارنًا، ولكن مع ذلك لو أراد التمتع فلا شيء يـمنع من هذا، يأتي بالعمرة، ثم يتحلل منها ولو بالنية، ثم بعد ذلك يحرم بالحج.

المقدمبارك اللّـه فيكم شيخنا، بـهذه الإجابة نصل -أيها الإخوة- إلى ختام هذه الحلقة التي قد تفضل فيها بالإجابة عن أسئلتكم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.

جزاكم اللّـه خيرًا دكتور سعد، وبارك اللّـه فيكم.

الشيخبارك اللّـه فيكم، وشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المقدمشكرًا لكم أيضًا أنتم مستمعينا الكرام، نسأل اللّـه أن يفقهنا وإياكم في دينه، وأن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بـما علمنا، وأن يزيدينا وإياكم علمًا وهدىً وتوفيقًا وسدادًا، إنه سـميعٌ مجيب الدعاء، وأن يبارك لنا ولكم في أوقاتنا وأعمالنا وأعمارنا.

نلتقيكم غدًا إن شاء اللّـه تعالى، حتى ذلك الحين نستودعكم اللّـه، والسلام عليكم ورحمة اللّـه وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2287، ومسلم: 1564.
2 رواه البخاري: 6708، ومسلم: 1201.
3 رواه البخاري: 305، ومسلم: 1211.
4 رواه البخاري: 1757، ومسلم: 1211.
5 رواه البخاري: 6382.
6 سبق تخريجه.