|

(8) فتاوى الحج 1439هـ

مشاهدة من الموقع

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام الأتـمَّان الأكملان على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوة الإيمان، إخوة الإسلام، حُجَّاج بيت اللّه الحرام، السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

طبتم وطابت أيامكم بكل خيرٍ، وجعلها عامرةً بذكر الله ، اللهم سلِّم الحجاج والمعتمرين في برهم وبحرهم وجوهم يا أكرم الأكرمين، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، واحفظنا من كل شرٍّ ومن كل مكروهٍ.

أيها الإخوة الكرام، نرحب بكم في مستهل حلقة هذا اليوم من برنامج (فتاوى الحج)، مرحبين بضيفنا الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.

السلام عليكم دكتور سعد.

الشيخوعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته، وحياكم اللّه، وحيَّا اللّه الإخوة المستمعين.

المقدم: بارك اللّه فيكم وأثابكم اللّه.

بدايةً، هذا يسأل عن التلبية وسُنِّيَّة التلبية، وهل تلزم مِن عند الميقات؟ وما معناها؟

الشيخالحمد اللّه رب العالمين، وصلى اللّه وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن التلبية هي من شعار الحج، وهي سُنةٌ مؤكدةٌ لمن أحرم بالحج أو العمرة.

وهي تبدأ من حين الإهلال بالنُّسُك، فمِن حين أن يُهِلَّ المُحرِم بالنسك، يشرع له أن يلبي؛ فإن كان قد أهلَّ بعمرةٍ يقول: اللهم لبيك عمرةً، ثم بعد ذلك يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وهكذا أيضًا لو أحرم بالحج، أو أحرم بالحج متمتعًا، فإنه سيحرم بعمرةٍ، أو أحرم بالحج قارنًا، فإنه سيقول: اللهم لبيك عمرةً وحجًّا، ثم يأتي بالتلبية، أو أنه يكون مُفرِدًا، بأن يقول: لبيك حجًّا، ثم يأتي بالتلبية.

فالتلبية تبدأ من حين الإهلال بالنسك، وتستمر -بالنسبة للعمرة- إلى حين أن يبدأ بالطواف، وبالنسبة للحج تستمر التلبية إلى حين أن يرمي جمرة العقبة.

وقد ورد في فضل التلبية عدة أحاديث عن النبي ؛ منها: حديث سهل بن سعدٍ قال: قال رسول اللّه : ما من مسلمٍ يلبي إلا لبَّى مَن عن يمينه وعن شماله مِن حجرٍ أو شجرٍ أو مَدَرٍ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا [1]، وهذا حديثٌ عظيمٌ يدل على أن الملبي يلبي مَن عن يمينه وشـماله من الأشجار والأحجار وكل شيءٍ، وقد كان الصحابة إذا أحرموا بالعمرة أو الحج يكثرون من التلبية، ويرفعون أصواتهم بها، حتى إنهم ما إن يبلغوا الرَّوْحاء إلا وقد بُـحَّت حلوق بعضهم؛ من كثرة التلبية ورفع الصوت بها.

وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: أفضل الحج: العَجُّ والثَّجُّ [2]، والعَجُّ: هو رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ: هو إسالة الدماء بنحر الهدايا.

والتلبية هي شعار الحاج؛ ولهذا ينبغي أن يحرص الحاج عليها، سواءٌ أكان رجلًا أو امرأةً، ولكن الرجل يرفع صوته بالتلبية، وأما المرأة فإنها تلبي بقدر ما تُسمِع رفيقتها، إلا أن تكون بحضرة رجالٍ أجانب، فإنها لا ترفع صوتها عندهم، وإنما تلبي بالقدر الذي لا يكون فيه رفع الصوت عند الرجال، أما لو كانت بحضرة نساءٍ، فإنها كالرجل في هذا.

فالتلبية إذنْ: هي سنةٌ مؤكدةٌ بالنسبة للحاج، وهي شعار الحاج، فينبغي للحاج -وهكذا أيضًا المعتمر- أن يحرص عليها.

المقدمنعم، بارك اللّه فيكم، نسأل اللّه أن يتقبل من الحجاج حجهم.

أول اتصالٍ في هذه الحلقة، الجوهرة من أبها، تفضلي.

المتصلةالسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نعم.

المتصلة: لدي ثلاثة أسئلةٍ:

السؤال الأول: شيخي، أريد أن أسألك: ما هي الأفضلية، أنا الآن في المرحلة الثانية من ختم القرآن، التي هي المرحلة التثبيتيَّة، وتدخل علينا -إن شاء اللّه- عشر ذي الحجة، فما أدري ما الأفضل: أن أبقى على المرحلة التثبيتيَّة في ختم القرآن، أو أن أختم القرآن الكريم نظرًا، واضحٌ؟

السؤال الثاني: شيخي، انتشرت ظاهرةٌ حاليًّا: كثرة السؤال بوجه اللّه، أيضًا قول: “عليك وجه اللّه”، يعني: انتشرت بشكلٍ كبيرٍ، فأنا مثلًا أتعرض لمثل هذا، يعني: أحدٌ يسألني بوجه اللّه، وأنا لا أستطيع أن أفعل هذا الشيء، أو أني أرى هذا الشيء ليس صحيحًا أن أسأله أنا، هل آثـم إذا لم أنفِّذ السؤال بوجه اللّه؟

سؤالي الثالث: في الحج أيضًا أثناء رمي الجمرات، أحيانًا الزوج أو الأخ أو الأب يرفض مثلًا أن بنته تخرج معه ترمي الجمار؛ خوفًا عليها، مع أن البنت لديها القدرة على رمي الجمار، هل تأثم؟

الشيخبالنسبة لسؤالها الأول: فالذي أنصح به أن ترتب وقتها، وأن تجعل جزءًا من الوقت لمعاهدة الحفظ وتثبيت المحفوظ، وتجعل جزءًا آخر للتلاوة والتدبُّر؛ فإن التلاوة هي من الأعمال الصالحة العظيمة، ومن قرأ حرفًا من كتاب اللّه فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، وتلاوة القرآن هي من أجلِّ وأفضل الأعمال الصالحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ما من أيامٍ العمل فيهنَّ أحب إلى اللّه من هذه الأيام العشر قالوا: يا رسول اللّه، ولا الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: ولا الجهاد في سبيل اللّه، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثـم لم يرجع من ذلك بشيءٍ [3].

ويدخل في الأعمال الصالحة: تلاوة القرآن؛ فإنها عملٌ صالحٌ عظيمٌ، والله تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ۝ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30]، فأثنى اللّه تعالى على الذين يتلون كتابه.

ويقول سبحانه: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]، مع أن تلاوة القرآن تدخل في الشأن، لكن اللّه تعالى خصَّها؛ لشرفها وعظيم مكانتها ومنزلتها، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا، فبيَّن الله تعالى فضل تلاوة القرآن، وأن الله سبحانه مطلعٌ على أعمال العباد جميعًا، على جميع أعمالهم وشؤونهم، لكنه خصَّ من ذلك تلاوة القرآن؛ وذلك ليبين عظيم فضلها، ومحبة اللّه لها، وعنايته جلَّ وعلا بـها.

ولذلك: فأنصح الأخت الكريـمة، وأيضًا الإخوة المستمعين، بأن يحرصوا على الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، خاصةً في هذه العشر المباركة التي نحن مقبلون عليها، التي هي أفضل أيام السنة على الإطلاق، عشر ذي الحجة، وينبغي أن يجعل الإنسان من وقته نصيبًا لتلاوة القرآن كل يومٍ، لا يليق بالمسلم أن يـمر عليه يومٌ وما قرأ فيه شيئًا من كتاب الله .

ينبغي لك -أخي المسلم ويا أختي المسلمة- أن تجعل من وقتك نصيبًا لتلاوة كتاب اللّه ، واحرص على أن يكون هذا بصفةٍ مستمرةٍ، وأن تجعل هذا من أعمالك اليومية التي تداوم وتحافظ عليها.

نقول للأخت الكريمة إذنْ: ينبغي أن تحرصي على معاهدة ما حفظتِ من القرآن وتثبيته، وأن يكون لك وقتٌ للتلاوة والتدبُّر.

المقدمنعم بارك اللّه فيك، لها سؤال ثانٍ وثالثٌ، لكن نتوقَّف لنستقبل اتصالًا من أبي عبدالملك من تبوك، حياك اللّه.

المتصلالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل.

المتصل: السؤال الأول، اللّه يبارك فيك يا أخ خالد وشيخنا الفاضل، السؤال يا شيخ: أن البعض عنده قيمة الحَمْلة، وعليه دَينٌ حالٌّ، لكن الدين الحال هذا كبيرٌ شيخنا، يعني: مئة ألفٍ، أو أكثر من مئة ألفٍ، يقول: هل هذا مؤثِّرٌ، ويلزم أن نستأذن من صاحب الدين؟

المقدم: طيب، السؤال الثاني.

المتصل: السؤال الثاني: البعض يريد أن يحج عن غيره، ويريد أن يعتمر عن نفسه، ويسأل: ما هي الصيغة، يقول: هل أنوي عن نفسي فقط العمرة، ثم أنوي الحج؟ يريد توضيحًا لهذه المسألة؟

السؤال الثالث بارك الله فيكم شيخنا: في هذه الأيام العشر، البعض اعتاد أنه يسهر بالليل؛ ليقرأ كتبًا ويطلب علمًا، هذا برنامجٌ يوميٌّ عنده، يقول: هل الأفضل في هذه العشر أن يترك هذا، ويستغل أغلب الليل للنوم، ليتفرغ لأعمال النهار، يجعل جميع أعماله في الليل التي يؤديها تكون في النهار لفضيلة العمل في هذه الأيام؟

المقدمجزاك اللّه خيرًا يا أبا عبدالملك، بارك اللّه فيك.

نعود لأسئلة الأخت الجوهرة من أبها، سؤالها الثاني: عن ظاهرة السؤال بوجه اللّه، عليك وجه اللّه، كيف تتعامل مع هذه الأسئلة أو الطلبات؟

الشيخأولًا: ينبغي ألا يَسأل الإنسان الآخرين بوجه اللّه تعالى، بل حتى لا يسأل الآخرين مطلقًا إلا عند وجود الضرورة أو الحاجة الملحَّة، لكن عند وجود الحاجة أو الضرورة لا يَسألهم باللّه ؛ حتى لا يحرجهم، ومع ذلك لو سألهم بوجه اللّه تعالى، أو قال: أسألك باللّه، لا تلزمه إجابتهم، ولكنها تستحب استحبابًا مؤكدًا، إذا كان الإنسان قادرًا على أن يحقق رغبة هذا السائل؛ لقول النبي : من سألكم باللّه فأجيبوه [4]، فإن تيسر أن يُـجيبَه فهذا حسنٌ، ولكن إجابته ليست واجبةً على المسؤول.

والسؤال بوجه اللّه عمومًا، حتى بالنسبة للإنسان في دعائه لربه ، يقول النبي : لا يُسأل بوجه اللّه إلا الجنة [5]؛ لأن السؤال بوجه اللّه أمرٌ عظيمٌ، فينبغي ألا يُسأل بوجه اللّه إلا شيءٌ عظيمٌ، وهو سؤال اللّه الجنة؛ ولهذا فينبغي أن يعظِّم المسلم سؤاله بوجه اللّه سبحانه، إذا كان في حق نفسه لا يجوز له أن يسأل بوجه اللّه إلا الجنة، فكيف إذا كان في مخاطبته للآخرين؟!

ولهذا نقول: إن من قيل له: أسألك باللّه، وأسألك بوجه اللّه، إن تيسَّر أن يجيب سؤال السائل فهذا حسنٌ، ويدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: من سألكم باللّه فأجيبوه، وإن لـم يتيسر، أو كان على الإنسان حرجٌ؛ فإنه لا يلزمه ولا يجب عليه أن يجيب سؤال هذا السائل.

المقدمنعم، بارك اللّه فيكم، سؤالها الثالث والأخير، تقول: إنها تريد أن ترمي الجمرات، ولكن والدها أو زوجها أو أخوها يرفض؛ خوفًا عليها؟

الشيخما دامت قادرةً على أن ترمي بنفسها، فيجب عليها أن ترمي بنفسها؛ لأنها مخاطبةٌ بواجبات الحج، ومنها الرمي، وإنما الذي يوكِّل هو الكبير أو المريض الذي لا يستطيع الرمي، أو يشق عليه الرمي مشقةً كبيرةً، وأما إذا كانت المرأة شابَّةً أو قادرةً بنفسها؛ فإن الواجب أن تذهب بنفسها، ولا يجوز أن توكل غيرها في الرمي.

وعند بعض الناس جهلٌ في هذه المسألة، وربما تساهلٌ من آخرين؛ وذلك بأن يطلبوا من النساء أن يوكِّلنَ، وهذا غير صحيحٍ، النساء كالرجال، مطلوبٌ منهن أن يباشرن العبادة بأنفسهن، إلا أن تكون كبيرةً، أو أن تكون مريضةً، أو أن تكون حاملًا؛ فلها أن توكل، أما إذا لم تكن كذلك فالواجب أن تباشر الرمي بنفسها، وما قد تجده من مشقةٍ في الذهاب للجمرات وفي الرمي هي مأجورةٌ عليه إن شاء اللّه.

ولهذا جعل النبي الحجَّ والعمرة جهادًا بالنسبة للنساء؛ لمَّا قالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ -يعني: النساء- قال النبي : عليكن جهادٌ لا قتال فيه: الحج والعمرة [6]، فاعتبره النبي جهادًا بالنسبة للنساء، وهذا يدل على أنه لا بد من مشقةٍ، واللّه تعالى ذكر آيات الحج في سورة البقرة بعد آيات الجهاد، فهو نوعٌ من الجهاد.

فالمرأة مطلوبٌ منها أن تباشر أعمال الحج بنفسها، ليس لها أن توكل في الجمرات إلا عند العجز أو عند وجود المشقة الكبيرة، وننصح أولياء الأمور بألا يوقعوا نساءهم في الحرج؛ فإن بعض أولياء أمور الفتيات، وبعض الأزواج، يُلح على المرأة بأن توكِّل، مع أنها قادرةٌ على أن ترمي بنفسها، هذا من الجهل، وهذا العمل لا يجوز، بل المطلوب من المرأة أن تذهب وتباشر الرمي بنفسها، خاصةً في هذه السنوات التي أصبح الرمي فيها ليس شاقًّا كما كان في سنواتٍ مضت؛ وذلك مع وجود مشروع توسعة الجمرات، فلم يعد الزحام الذي كان موجودًا فيما مضى موجودًا الآن، وبإمكان المرأة أن تباشر الرمي بنفسها من غير أن يلحقها الحرج الكبير أو المشقة الكبيرة.

فأقول للأخت الكريمة: ما دمتِ قادرةً على الرمي فيلزمك أن تباشري الرمي بنفسك.

المقدمنعم، بارك اللّه فيكم، سنعود -إن شاء اللّه- لأسئلة أبي عبدالملك من تبوك، ولكن بعد أن نأخذ هذا الاتصال، ونستقبل من الأخت صالحة من القصيم، تفضلي، نعم.

المتصلةالسلام عليكم.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي بالسؤال.

المتصلةما هي أفضل الأعمال في هذه العشر؟

المقدمهناك سؤالٌ آخر؟

المتصلة: شكرًا.

المقدمحياكم الله.

المقدمشيخ بارك اللّه فيكم، من أسئلة أبي عبدالملك، يقول: البعض لديه قيمة الحَمْلة، ولكن عليه دينٌ حالٌّ، نحو مئة ألفٍ أو غيره، فبماذا يبدأ؟

الشيخيبدأ بسداد الدَّيْن، حتى وإن كان دينًا كبيرًا، ما دام أن هذا الدين حالٌّ في ذمته، ومطالبٌ بسداده الآن، فهو في الحقيقة مستحَقٌ للدائن، يعني: ما بيده من المال مستحقٌ للدائن، إذا كان مثلًا عنده خمسة آلاف رياٍل، هي في الحقيقة مستحَقَّةٌ للدائن، فكيف يحج بـمال غيره؟! ولهذا ليس له أن يحج إلا أن يستأذن من الدائن، يذهب للدائن ويقول: أنا سأحج إن شاء اللّه، عندي مبلغ يسيرٌ، وبعد الحج سأسدد لك الدين، ويُطيِّب خاطره ويستأذن منه، فإن أذن له فلا بأس، أما إذا لم يأذن له فليس له أن يحج وهو مطالبٌ بـهذا الدين.

المقدمشيخ بارك اللّه فيكم، أيضًا له سؤالٌ آخر يقول: هو يريد أن يحج مثلًا عن غيره، ولكن يريد أيضًا أن يعتمر هو بنفسه، فبعد العمرة سوف يؤدي الحج عن الآخرين، يعني: عمرةً مختلفةً عن الحج، يسأل عن النية كيف تكون، والتلفظ بها؟

الشيخلا بأس بـهذا، يجعل مثلًا العمرة عن نفسه، والحج عن غيره، أو العكس: يجعل العمرة عن غيره والحج عن نفسه، هذا لا بأس به، ويكون متمتعًا، وعندما يريد أن يعتمر عن غيره يقول: اللهم لبيك عمرةً عن فلانٍ، وإذا نوى الحج عن غيره يقول: اللهم لبيك حجًّا عن فلانٍ.

المقدمنعم، بارك الله فيكم، أيضًا سؤاله الثالث والأخير، يقول: إنه في أيام العشر اعتاد أن يسهر في الليل ويقرأ من الكتب العلمية والدينية وما إلى ذلك، يقول: في هذه الأيام بماذا تنصحونني؛ حيث إن أفضل أيام العشر في نـهارها؟

الشيخأيام العشر فاضلةٌ في ليلها ونـهارها، فليلها ونـهارها سواءٌ، ولكن المفاضلة التي ذكرها بعض أهل العلم؛ كابن تيمية وغيره: أن ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، هذا باعتبار المفاضلة بينهما، وإلا فإن عشر ذي الحجة وقتها فاضلٌ، ليلها ونـهارها، لا فرق بين ليلها ونـهارها، بل إن اللّه تعالى قال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:2]، فأقسم اللّه تعالى بالليالي.

وعلى هذا فنقول للأخ الكريم: يستوي الليل والنهار في هذا من جهة الفضل ومن جهة الثواب، والمهم أن ترتب وقتك وتستفيد منه، تحافظ أولًا على الفرائض، ثم تستكثر من النوافل.

المقدمنعم، بارك اللّه فيكم، نعود إلى اتصال الأخت صالحة من القصيم، التي سألت: ما هي أفضل الأعمال في هذه العشر المباركة؟

الشيخالنبي يقول: ما من أيامٍ العمل فيهنَّ أحبُّ إلى اللّه من هذه الأيام العشر قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لـم يرجع من ذلك بشيءٍ [7]، أخرجه البخاري في “صحيحه”.

وهنا أطلق النبي ، قال: ما من أيامٍ العمل، ولـم يخصَّ ذلك بعملٍ صالحٍ معيَّـنٍ؛ فهو يشمل جميع الأعمال الصالحة، لكن من أفضل الأعمال التي تُعمل في هذه العشر المباركة الحج والعمرة، يجب ذلك في حق من لـم يأت بالفريضة، ومن أتى بـها فيستحب له، كذلك أيضًا صيام الأيام التسعة الأولى أو ما تيسر منها، من هذه العشر المباركة؛ فإن الصيام أجره عظيمٌ، وثوابه جزيلٌ، وجزاؤه خاصٌّ من عند الله تعالى؛ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به [8].

كذلك أيضًا: الصلاة، يحافظ أولًا على الفرائض، ثم يستكثر من النوافل؛ فإن الصلاة أحب العمل إلى الله تعالى.

كذلك أيضًا: الذكر، بجمع أنواعه، وأشرف الذكر تلاوة القرآن، وأيضًا التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والحوقلة، وأيضًا الصلاة على النبي .

وكذلك أيضًا: الصدقات والبذل والإنفاق في وجوه الخير والقُرَب، هذه كلها من الأعمال الصالحة وأعمال الخير، والأعمال الصالحة مجالاتها واسعةٌ ولا تنحصر.

المقدمنعم، بارك اللّه فيكم، نستقبل اتصالًا آخر، معنا الأخ أحمد من الرياض.

المتصلالسلام عليكم.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المتصل: يا شيخ، لو سمحت، عندي سؤالان:

الأول: بخصوص التحلُّل: يكون بعد رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة، يعني: هل لا بد أن أرمي جمرة العقبة أول يومٍ، وأطوف طواف الإفاضة، أو يمكن أن أؤجِّل طواف الإفاضة مع طواف الوداع؟

السؤال الثاني: أنا مُحرمٌ من الرياض، وسأنزل في جدة، يعني: سوف أذهب إلى الميقات لأُحرِم، وسوف أنزل جدة، هل أدخل حدود الحرم، أو أذهب مع طريق غير المسلمين؟

المقدمكم ستقعد في جدة يعني؟

المتصلسأقعد يومًا واحدًا تقريبًا.

المقدميعني: ستخرج من الرياض مُحرمًا، وتنزل في جدة يومًا واحدًا وأنت محرمٌ، وبعد ذلك تدخل إلى مكة؟

المتصلبعد ذلك أدخل إلى مكة.

المقدمطيب.

المقدم: يا شيخ، جزاك الله خيرًا، سؤاله الأخير: عن إحرامه من الرياض، ثم التوجه إلى جدة؟

الشيخنعم الواجب أن تُهِلَّ بالنسك وأنت في الطائرة، عند محاذاة الميقات، وتلبس ملابس الإحرام وأنت في البيت أو في المطار، بعدما تغتسل وتتنظف، لكن لا تنوِ، فإذا حاذيت الميقات، والعادة أن المسؤولين في الطائرة ينبهون على وقت محاذاة الميقات، يقولون: نحن الآن نـمر بـمحاذاة الميقات، فهنا تحرم، إذا كنت مفردًا تقول: لبيك حجًّا، وإذا كنت قارنًا تقول: لبيك عمرةً وحجًّا، وإذا كنت متمتعًا تقول: لبيك عمرةً.

بعد هذا إذا أردت أن تبقى في جدة لا بأس، لكن تبقى على إحرامك، ثم بعد ذلك تذهب إلى مكة بإحرامك، إذا كنت متمتعًا تأتي بعمرةٍ وتتحلل، ثم تُحرِم بالحج في اليوم الثامن، وإذا كنت قارنًا أو مفرِدًا فإنك تستمر على إحرامك، ويستحب لك أن تأتي بطواف القدوم، وإن شئت قدَّمت سعي الحج بعد طواف القدوم، وإن شئت أخَّرت السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة.

المقدمسؤاله الأول -يا شيخ بارك اللّه فيكم- يبدو أنه عن: متى يكون التحلُّل الأول؟ وكيف يكون؟

الشيخالتحلُّل الأول يكون بفعل اثنين من ثلاثةٍ، وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف، وهنا يلاحظ أن الذبح غير داخلٍ فيها.

إذنْ يكون التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثةٍ: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف.

المقدمدون ترتيبٍ يا شيخ؟

الشيخبدون ترتيبٍ، الأفضل طبعًا هو الترتيب، لكن لا يجب الترتيب، إذا فعل اثنين منها حلَّ له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام، ما عدا وطء الزوجة وما يتعلق به؛ فإنه لا يحل حتى يحل التحلل الكامل.

وعلى هذا نقول للأخ الكريم: إذا رميت جمرة العقبة، وحلقت رأسك أو قصرت، فإنك تتحلل التحلل الأول.

وسؤاله عن تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أعمال النسك، نقول: لا بأس بـهذا، ويكفي عن الوداع، فيمكن ألا تطوف طواف الإفاضة، تؤخره إلى آخر أعمال الحج، ثم بعد ذلك تطوف طوافًا واحدًا، سبعة أشواطٍ، تنوي به طواف الإفاضة، ويكفي عن الوداع.

المقدمطواف الوداع، هل هو ركنٌ، أو واجبٌ، ومن يسقط عنه؟

الشيخطواف الوداع واجبٌ وليس ركنًا، لكنه إنما يجب على غير أهل مكة؛ لقول النبي : لا يَنفِرَنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت [9]، وأما أهل مكة فليس عليهم طواف وداعٍ.

المقدمآخر اتصالٍ في هذه الحلقة، أم محمدٍ من جدة، تفضلي.

المتصلةالسلام عليكم.

المقدموعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نعم.

المتصلة: يا شيخ، أنا أريد أن أحج أنا وزوجي، وأتينا بعمرةٍ في بداية شوالٍ، هل حجنا تمتُّعٌ، وهل يجوز لزوجي أن يحرم من مكة، وما هي الأيام التي نصوم في الحج، من أجل ما نستطيع الحج؟

الشيخأنتم مقيمون في مكة؟

المتصلةلا، في جدة.

الشيخطيب، أتيتم بعمرةٍ في شوالٍ، ثم رجعتم إلى جدة؟

المتصل: نعم.

الشيخوتريدون الآن الإحرام بالحج؟

المتصلنعم.

الشيخنعم، طيب، ما دمتم رجعتم إلى جدة، فقد انقطع التمتُّع في حقِّكم؛ فإن الإنسان إذا أتى بعمرةٍ في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، انقطع تمتعه، وعلى ذلك: فإذا أحرمتم بالحج ستكونون مُفرِدين، وليس عليكم هديٌ؛ لأن المفرِد ليس عليه هديٌ، إنما الهدي على المتمتع والقارن.

المقدميعني: ما عليهم صيامٌ كما سألت؟

الشيخوليس عليه، قلنا: ما عليهم هدي، معنى ذلك: لا هديٌ ولا ما يترتب على عدم الاستطاعة على الهدي، وهو فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، فليس عليكم لا هديٌ ولا صيامٌ، والحمد للّه.

المقدمجزاك اللّه خيرًا يا شيخ سعد.

الشيخبارك اللّه فيكم، وشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المقدمأيها الإخوة والأخوات، إلى هنا نأتي إلى ختام حلقة هذا اليوم من برنامج (فتاوى الحج)، مع ضيفنا الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.

نسأل اللّه أن ينفعنا بما سمعنا.

أرجو لكم دائمًا وأبدًا أوقاتًا طيبةً وعامرةً بذكر اللّه ، كما أسأل اللّه العلي القدير أن يُسلِّم الحُجَّاج والمعتمرين دائمًا وأبدًا في برهم وبحرهم وجوهم، وأن يعودوا سالمين غانمين، وأن يحفظ بلادنا من كل شرٍّ ومن كل مكروهٍ، وأن ينصر جنودنا المرابطين في الحد الجنوبي، وأن يعيدهم سالمين منتصرين غانمين يا رب العالمين، وأن يوفقنا للعمل الصالح في أيام العشر، إنه على كل شيءٍ قديرٌ.

نلقاكم في لقاءٍ مقبلٍ بإذن اللّه تعالى، إن كان في العمر بقيةٌ بإذنه .

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 828، وابن ماجه: 2921.
2 رواه الترمذي: 827، وابن ماجه: 2896.
3 رواه البخاري: 969.
4 رواه أبو داود: 1672، وأبو داود: 5109، وأحمد: 5365، بنحوه.
5 رواه أبو داود: 1671.
6 رواه ابن ماجه: 2901، وأحمد: 25322، بنحوه.
7 سبق تخريجه.
8 رواه مسلم: 1151.
9 رواه مسلم: 1327.