logo
الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(50) أحكام المزارعة والمساقاة

(50) أحكام المزارعة والمساقاة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ونرحب بكم في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج، الذي نسأل الله ​​​​​​​ أن ينفع به المستمع والمتحدث، وأن يبارك فيه.

أيها الإخوة المستمعون: نتحدث معكم في هذه الحلقة عن أحكام المزارعة والمساقاة.

علاقة الناس بالمساقاة والمزارعة

فنقول: المساقاة والمزارعة هي من جملة الأعمال التي يزاولها الناس من قديم الزمان لحاجتهم إليها، فقد يكون في ملك إنسان شجرٌ لا يستطيع القيام عليه واستثماره، أو تكون له أرضٌ زراعية لا يستطيع العمل عليها واستغلالها، وعند آخر القدرة على العمل، لكنه لا يملك الأرض التي يزرع عليها، أو الشجر الذي يغرسه، ففي المزارعة والمساقاة مصلحةٌ للطرفين؛ ولذلك فقد أباحتها شريعة الإسلام التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد.

تعريف المساقاة والمزارعة

ولكن ما معنى المساقاة والمزارعة؟

نقول: المساقاة: هي دفع شجرٍ مغروسٍ أو شجرٍ غير مغروسٍ مع أرضٍ إلى من يغرسه فيها، ويقوم بسقيه، وما يحتاج إليه حتى يُثمر، ويكون للعامل جزءٌ مشاعٌ من ثمر ذلك الشجر والباقي لمالكه.

وبعض الفقهاء يسمّي دفع الأرض والشجر لمن يغرسه بجزءٍ معلوم من الشجر، أو من الشجر والثمر يسميه: “مغارسة” أو “مناصبة”.

وأما المزارعة: فهي دفع أرضٍ لمن يزرعها، أو دفع أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعه فيها ويقوم عليه بجزءٍ مشاعٍ منه والباقي لمالك الأرض.

حكم المساقاة والمزارعة

والأصل في جواز المساقاة والمزارعة السنة والإجماع.

أما السنة فقد جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: “عامَل النبي أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرع” [1]، وفي رواية لمسلم: “أن النبي دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها على أن يُعملوها من أموالهم، ولهم شطر ثمرها” [2].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “وفي قصة خيبر دليلٌ على جواز المساقاة والمزارعة بجزءٍ من الغلّة من ثمرٍ أو زرع، فإنه عامل أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته، ولم يُنسخ ألبتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل هو من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء”.

وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وهذا عمل به الخلفاء الراشدون مدة خلافتهم، واشتهر ذلك، ولم ينكره منكر فكان إجماعًا”.

شرط صحة المساقاة والمزارعة

يُشترط لصحة المساقاة تقدير نصيب العامل بجزءٍ معلومٍ مشاع من الثمرة، كالثلث والربع، ونحو ذلك، سواء قلّ الجزء المشروط أو كثر، فلو شرط أصواعًا معلومة من الثمرة لم تصح؛ لأنه قد لا يحصل له إلا ذلك، فيختص به من شُرِط له دون الآخر.

وكذا لو شرط للعامل دراهم معيّنة لم يصح ذلك؛ لأنه قد لا يحصل له من الغلّة ما يساويها.

وكذا لو شرط لأحدهما ثمرة شجرة معينة، أو أشجار معينة لم تصح المساقاة؛ لأنه قد لا يحصل من الشجر غير تلك المعيّنة، فيختص بالغلّة أحدهما دون الآخر، وقد لا تحمل تلك الشجرة، أو الأشجار المعينة، فيُحرم المشروط له من الغلّة، ويحصل الغرر والضرر.

والحاصل: أن هذه المسائل التي يكون التقدير فيها مبنيًا على الجهالة والغرر أنها لا تجوز؛ ولذلك لا بد أن يكون تقدير العامل أو المالك بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ من الثمرة، كالنصف أو الثلث مثلًا.

وما قلناه في المساقاة يشمل المزارعة، فلا بد من تقديرها للعامل، أو لصاحب الأرض بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ منها، كثلث ما يخرج من الأرض أو ربعه، ونحو ذلك.

حكم المساقاة والمزارعة المبنية على الجهالة والغرر

ولا يصح أن يكون التقدير مبنيًا على الجهالة والغرر؛ وعلى هذا يُحمل ما ورد من النهي عن المزارعة أو كراء الأرض، قال الإمام البخاري في صحيحه: باب ما يُكره من الشروط في المزارعة، ثم ساق بسنده عن رافع بن خديج قال: “كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يُكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم تُخرِج ذه، فنهاهم النبي [3].

وفي صحيح مسلم عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورِق، فقال: “لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي على الماذِيَانات -أي مسايل المياه- وأقبال الجداول -أيْ أوائلها ورؤوسها- وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراءٌ إلا هذا، فلذلك زجر عنه ، فأما شيءٌ معلومٌ مضمونٌ فلا بأس به” [4].

هل المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة؟

اختلف الفقهاء في المساقاة والمزارعة، هل هما من العقود اللازمة التي لا يجوز فسخها إلا برضا الطرف الآخر، أو أنهما من العقود الجائزة التي يجوز فسخها ولو من غير رضا الطرف الآخر؟

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: “الصحيح أن المساقاة والمزارعة عقدان لازمان لدخولهما في الأمر بالوفاء بالعقود والعهود؛ ولكون المقصود منهما الكسب والعِوض، وليسا من عقود التبرُّعات، أو من عقود الوكالات، حتى يُفسح لأحدهما في فسخها”.

فضل الغرس والزرع

وما دام أن الحديث عن المغارسة والمزارعة، فلعل من المناسب أن نختم الحديث بذكر بعض ما ورد في فضل الغرس والزرع، فنقول: جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ما من مسلمٍ يغرس غرسًا إلا كان ما أُكِل منه له صدقة، وما سُرِق منه له صدقة، وما أكل السبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير منه فهو له صدقة، ولا يرزؤه -أيْ ينقصه- ويأخذ منه أحدٌ إلا كان له صدقة [5]، وفي الصحيحين عن أنس  قال: قال رسول الله : ما من مسلمٍ يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمة إلا كان له به صدقة [6].

وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنهما: أن النبي  دخل على أمّ مبشّر الأنصارية في نخلٍ لها، فقال لها النبي : من غرس هذا النخل، أمسلمٌ أم كافر؟ فقالت: بل مسلم، فقال النبي : لا يغرس مسلمٌ غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسانٌ ولا دابة ولا شيءٌ إلا كانت له صدقة [7].

قال النووي رحمه الله: “في هذه الأحاديث فضيلة الغرْس، وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك مستمرٌ ما دام الغرس والزرع، وما تولّد منه ما دام موجودًا إلى يوم القيامة.

قال: وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها، فقيل: التجارة، وقيل: الصنعة باليد، وقيل: الزراعة، وهو الصحيح”.

ونسأل الله ​​​​​​​ للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2328، ومسلم: 1551.
^2 رواه مسلم: 1551.
^3 رواه البخاري: 2332.
^4 رواه مسلم: 1547.
^5, ^7 رواه مسلم: 1552.
^6 رواه البخاري: 2320، ومسلم: 1553.
zh