الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(19) نواقض الوضوء- مس العورة
|

(19) نواقض الوضوء- مس العورة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

تكلمنا في الحلقة السابقة عن جملةٍ من نواقض الوضوء، ووعدنا باستكمال الحديث عنها في هذه الحلقة، فنقول:

رابعًا: مسُّ الذَّكر

من نواقض الوضوء: مسُّ الذَّكر، وقد اختلف العلماء في كونه ناقضًا للوضوء على أقوال:

  • القول الأول: أن مس الذَّكر لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب الحنفية.
  • القول الثاني: أن مس الذَّكر ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
  • القول الثالث: أنّ مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بشهوةٍ، ولا ينقض الوضوء إذا كان بدون شهوة، وهذا القول هو روايةٌ عن مالك.
  • القول الرابع: أنه يستحب الوضوء من مس الذكر ولا يجب، وهو روايةٌ عن أحمد.

وسبب الخلاف في هذه المسألة: هو الخلاف في الجمع بين الأحاديث الواردة فيها: 

ففي حديث بُسْرَة بنت صفوان رضي الله عنها: أنّ النبي قال: من مسَّ ذَكَرَه فليتوضأ [1]، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، وقد صححه أحمد وابن معين والترمذي وابن حبان وابن خزيـمة، وقال البخاري: هو أصح شيءٍ في الباب [2].

وفي حديث طَلْق بن علي: “أنّ رجلًا سأل رسول الله يـمس ذَكَره وهو في الصلاة، وفي لفظٍ: بعدما يتوضأ؟ فقال رسول الله : هل هو إلا بَضْعَةٌ منك؟! أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد [3]

وهذا الحديث ضعَّفه بعض العلماء كالدارقطني، والبيهقي، وصححه آخرون، قال الطحاوي: “إسناده مستقيمٌ غير مضطرب” [4]، بل قال ابن المديني: “هو أثبت من حديث بُسْرَة” [5]؛ والأقرب أن هذا الحديث صحيحٌ بـمجموع شواهده.

وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذين الحديثين:

  • فمنهم من أخذ بحديث طَلْق بن علي، فقالوا: إنّ مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا.
  • ومنهم من أخذ بحديث بُسْرة، فقال: إنّ مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا.
  • ومنهم من رأى أن حديث بسرة يدل على مشروعية الوضوء من مس الذكر، وحديث طَلْق بن علي يدل على أنه مستحبٌ وليس بواجب.
  • ومنهم من حمل حديث بُسْرة على المس بشهوة، وحديث طَلْق بن علي على المس بغير شهوة.

وهذا القول الأخير هو الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، فيُحمل حديث بُسْرة: من مسَّ ذَكَره فليتوضأ على المس بشهوة، ويحمل حديث طَلْق بن علي: هل هو إلا بَضْعَةٌ منك على المس بغير شهوة.

ومـمَّا يدل لهذا قوله في حديث طَلْق بن علي: هل هو إلا بَضْعَةٌ منك ففيه إشارة إلى أنه إذا كان المس بدون شهوة، كما لو مسست أي بضعةٍ أخرى من بدنك، فإن هذا المس ليس بناقضٍ للوضوء.

ومـمَّا يدل لهذا أيضًا: أنّ هذا الحديث صدر جوابًا لمن سأله: عن الرجل يـمس ذكره في الصلاة، ولا يتصوَّر وقوع المس بشهوةٍ في الصلاة.

ويدل لهذا أيضًا: أن العلة الظاهرة لكون مس الذكر ناقضًا للوضوء هو احتمال خروج شيءٍ من الإنسان وهو لا يشعر، كالمذي مثلًا، فإن الإنسان قد لا يشعر بخروجه، فأُقيمت هذه المظنَّة مقام الحقيقة، وهذا إنـما يكون في مس الذكر بشهوة، وأما بدون شهوةٍ فتنتفي هذه العلة، والله تعالى أعلم.

حكم مس الذكر من وراء حائل

بقي أن أنبِّه إلى أنّ كلام العلماء السابق إنـما هو في مس الذكر مباشرةً بدون حائل، أما مسه من وراء حائل، كمسه من فوق الثوب أو السراويل مثلًا، فلا ينقض الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن حقيقة المس الملامسة بدون حائل، والمس من وراء حائل لا يُسمّى مسًّا.

ويدل لهذا حديث أبي هريرة : أنّ رسول الله قال: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس بينهما شيء، فليتوضأ أخرجه النسائي بسندٍ صحيح [6].

وفي لفظٍ للبيهقي: من أفضى بيده إلى فرجه، وليس دونـها حجابٌ، فقد وجب الوضوء للصلاة [7].

حكم مس المرأة لفرجها

وقد ذكر الفقهاء أنّ المرأة في هذا الحكم كالرجل، إذا مست فرجها انتقض وضوؤها، ويجري في هذا الحكم الخلاف السابق، وقد بوَّب البيهقي رحمه الله في (السنن الكبرى) على هذه المسألة فقال: باب الوضوء من مس المرأة فرجها، ثم ساق بسنده عدة أحاديث، ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنّ رسول الله قال: أيـما رجلٍ مسَّ فرجه فليتوضأ، وأيـما امرأةٍ مسَّت فرجها فلتتوضأ [8].

حكم المس بغير الكف

وهذا الحكم خاصٌ بالمس بالكف، وأما المس بغير الكف فلا ينقض الوضوء؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا قد قيَّدت المس باليد، كما في حديث أبي هريرة: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس بينهما شيءٌ، فليتوضأ [9]، واليد عند الإطلاق إنـما يراد بـها الكف، كما في قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] أي: أكفَّهُما.

حكم مس المرأة ذكر صبيها

ويتفرَّع عن هذه المسألة مسألةٌ أخرى يكثر السؤال عنها، وهي: إذا مسَّت المرأة ذكر صَبيِّها أثناء تنظيفه مثلًا، فهل ينتقض وضوؤها؟ يجري على هذه المسألة الخلاف السابق، وعلى القول الذي رجَّحناه، وهو: أن مس الذكر إنـما ينقض الوضوء إذا بشهوة، نقول: إنّ المرأة لا ينتقض وضوؤها بـمسِّ ذكر صبيِّها؛ لأنه مسٌّ بدون شهوة، والله تعالى أعلم.

حكم مسُّ الرجل المرأة

ومـمَّا اختلف في كونه ناقضًا للوضوء: مسُّ الرجل المرأة.

فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: أنه ناقضٌ للوضوء مطلقًا، وهو مذهب الشافعية.
  • القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وروايةٌ عن أحمد.

وسبب الخلاف في هذه المسألة: هو الخلاف في المراد بقول الله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، في الآية الكريـمة: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] فمن قال: إنّ مس المرأة ناقضٌ للوضوء مطلقًا ولو بدون شهوة، حمل الآية على ظاهرها، قالوا: وقد جاء في قراءةٍ سبعية: أَوْ لمسْتُمُ النِّسَاءَ كما في قراءة حمزة والكسائي [10]، قالوا: ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود وابن عمر: أن المس ما دون الجِمَاع [11].

وأما من قال: إنّ مس المرأة بشهوةٍ ينقض الوضوء، فقد استدل بظاهر الآية الكريـمة، وحمل اللمس هنا على المس بشهوة؛ لأن الشهوة مظنة الحدث، فتُحمَل الآية الكريـمة عليه، وهؤلاء قد قيَّدوا المس بالمس بشهوة.

ومن العلماء من قال: إنّ مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، قالوا: والمراد بالملامسة في هذه الآية الكريـمة الجِمَاع، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، [12]، وهو الذي قد دعا له النبي  بأن يعلمه الله التأويل، فتفسيره مقدمٌ على غيره.

وأرجح هذه الأقوال -والله تعالى أعلم- هو القول الأخير: وهو أنّ مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أما وجوب الوضوء من مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحدٍ من الصحابة، ولا روى أحدٌ عن النبي أنه أمر المسلمين أن يتوضؤوا من ذلك، فلـمَّا لـم ينقل عنه أنه أمر أحدًا من المسلمين بالوضوء منه، مع عموم البلوى به، عُلِم أن ذلك غير واجب” [13].

أيها الإخوة، نكتفي بـهذا القدر في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 181، والترمذي: 82، وابن ماجه: 479، وأحمد: 27293، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
2 التلخيص الحبير: 1/ 340.
3 رواه أبو داود: 182، والترمذي: 85، وابن ماجه: 483، والنسائي: 160، وأحمد: 16286.
4 شرح معاني الآثار: 1/76.
5 التلخيص الحبير: 1/ 347.
6 رواه النسائي: 445.
7 رواه البيهقي في الكبرى: 630.
8 رواه البيهقي في الكبرى: 626.
9 سبق تخريجه.
10 حجة القراءات: ص: 204.
11, 12 تفسير الماوردي: 1/ 491، وتفسير السمعاني: 1/ 431.
13 مجموع الفتاوى: 21/ 236.

مواد ذات صلة