الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(32) أحكام الحوالة- تعريفها وحكمها وشروط صحتها
|

(32) أحكام الحوالة- تعريفها وحكمها وشروط صحتها

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نتناول معكم في هذه الحلقة جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بباب الحوالة، نذكر جملة من هذه الأحكام والمسائل في هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عنها في حلقة قادمة إن شاء الله.

تعريف الحوالة

  • الحوالة في اللغة: مشتقة من التحوُّل، وهو الانتقال من موضع إلى موضع، ومنه قول الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108] أيْ تحوُّلًا وانتقالًا.
  • ومعناها في اصطلاح الفقهاء: نقل الدَّين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
    • والمحيل: هو الناقل للدين الذي عليه إلى غيره، فهو مدينٌ للمحال، ودائنٌ في الوقت نفسه للمحال عليه.
    • والمحال: هو صاحب الحق المنتقل من ذمة المحيل إلى ذمة أخرى، والمحال عليه هو من انتقل الحق بالحوالة من ذمة المحيل إلى ذمته.
    • والمحال به: هو الحق الذي يتحول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.

حكم الحوالة

والأصل في جواز الحوالة السنة والإجماع.

  • أما السنة ففي الصحيحين عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: مطل الغني ظلمٌ، ومن أُتبِع على مليء فليتبع [1]، وفي لفظ في غير الصحيحين: وإذا أُحيل أحدكم على مليء فليحتل [2].
  • وأما الإجماع فقد قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة”.

ومشروعية الحوالة من محاسن الشريعة الإسلامية، ففي الحوالة توسعة للناس، وتسهيلٌ لسبل معاملاتهم، وتسديد ديونهم، وإرفاقٌ بهم.

هل الحوالة بيعٌ أو عقد إرفاق مستقلٌ بنفسه؟

اختلف الفقهاء في ذلك: قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: “قد قيل إنها -أي الحوالة- بيعٌ؛ فإن المحيل يشتري ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه، وجاز تأخير القبض رخصة؛ لأنه موضوعٌ على الرفق فيدخلها خيار المجلس لذلك، والصحيح أنها عقد إرفاقٌ منفردٌ بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت بيعًا لما جازت؛ لأنه بيع دين بدين؛ ولما جاز التفرُّق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه؛ ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين كالبيع؛ ولأن لفظها يُشعر بالتحول لا بالبيع، فعلى هذا -أي على القول بأن الحوالة عقد إرفاقٍ مستقل بنفسه وليست بيعًا- لا يدخلها خيار، وتلزم بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله”.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاءً، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل؛ ولهذا ذكر النبي الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: مطل الغني ظلم، وإذا أُتبِع أحدكم على مليء فليتبع فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل، وبيّن أنه ظالمٌ إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أُحيل على مليء، ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة”.

وبعد عرض كلام هذين الإمامين حول التكييف الفقهي للحوالة يتبيَّن أن القول الصحيح هو أن الحوالة عقد إرفاقٍ مستقلٍ بنفسه وليست بيعًا.

حكم أخذ عوض مقابل الحوالة

وبهذا التأصيل يتبيَّن أن الحوالة من العقود التي يُراد بها الإرفاق والإحسان، وليست من العقود التي يُراد بها المعاوضة؛ ولهذا اشترط الفقهاء لصحة الحوالة اتفاق الدينين المحال به، والمحال عليه، حتى لا تخرج الحوالة عن موضوعها -وهو الإرفاق- إلى طلب الزيادة بها، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان وإيضاح لهذا الشرط.

وإذا تقرر أنه لا يجوز أخذ عوض مقابل الحوالة؛ لكونها من عقود الإرفاق والإحسان، فما الحكم فيما تأخذه البنوك من عمولات مقابل الحوالات البنكية؟

والجواب عن ذلك: إذا كانت البنوك تأخذ العمولة مقابل الحوالة ذاتها، فإن هذا لا يجوز كما سبق، أما إذا كانت تأخذ العمولة مقابل مصاريف وخدمات فعلية حقيقية تقوم بها فلا بأس بذلك.

والظاهر أن البنوك تأخذ العمولات على الحوالات مقابل ما تقوم به من خدمة، وما تتكبده من مصاريف مقابل الحوالات، بدليل أن البنوك تضع رسمًا ثابتًا للحوالة، لا يزيد بزيادة المبلغ المحول، بل إن بعض البنوك تقوم بتحويل المبلغ المراد مجانًا وبدون مقابل، إذا كان المحوِّل من عملائها، وهذا يؤكد ما قلناه من أن الظاهر هو أن ما تأخذه البنوك من عمولات على الحوالات، إنما هو مقابل خدمة ومصاريف فقط؛ ولهذا تتنازل بعض البنوك عن هذا المقابل إذا كان طالب التحويل عاملًا لها.

وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بفتواها رقم (12416) حيث جاء في الفتوى: أنه يجوز أخذ عمولة مقابل تحويل العمولات، والله تعالى أعلم.

شروط صحة الحوالة

ويُشترط لصحة الحوالة شروط، نذكر منها ما يتيسر في هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عنها في الحلقة القادمة إن شاء الله:

  • الشرط الأول: أن تكون الحوالة على دينٍ مستقرٍ في ذمة المحال عليه بالدين، أما إذا كان الدين غير مستقر فلا تصح الحوالة عليه؛ لأن الدين غير المستقر عرضة للسقوط.
    وبناءً على هذا الشرط لا تصح الحوالة على ثمن مبيعٍ في مدة الخيار.
    ونوضح هذا بمثال: رجلٌ يطلب آخر دينًا فجاءه يتقاضاه دينه، فأحاله -أي هذا المدين- على رجل آخر كان قد اشترى منه سيارة، ولم يسدد له ثمنها، لكن هذا المشتري قد شرط الخيار له لمدة شهر، فهذه الحوالة لا تصح؛ لكونها على دينٍ غير مستقر، فبإمكان المحال عليه -الذي هو مشتري السيارة- أن يفسخ عقد بيع السيارة بمقتضى خيار الشرط، وحينئذٍ يسقط الدين الذي في ذمته.
    ومما ذكره الفقهاء أمثلة على الدين غير المستقر والذي لا تصح الحوالة به: دين الكتابة، والسلَم، والصداق قبل الدخول.
  • الشرط الثاني من شروط صحة الحوالة: اتفاق الدينين المحال به، والمحال عليه في الجنس والصفة وتماثلهما في الوقت وفي القدر؛ وذلك لأن الحوالة تحويلٌ للحق ونقلٌ له، فينتقل على صفته، ويُعتبر تماثلهما في الأمور المذكورة، وهي:
    • الجنس، فيحيل من عليه ذهبٌ بذهب، ويحيل من عليه دراهم بدراهم.
    • والثاني: الصفة، كأن يحيل دراهم مضروبة بدراهم مضروبة، ونقود سعودية مثلًا بنقود سعودية.
    • وأما الثالث: فهو التماثل في الوقت. أيْ في الحلول والتأجيل، فلو كان أحد الدينين حالًا، والآخر مؤجلًا، أو أحدهما يحل بعد شهر والآخر يحل بعد شهرين، لم تصح الحوالة.
    • وأما الرابع: فهو تماثل دينين في المقدار، فلا تصح الحوالة بعشرة آلاف ريال على تسعة آلاف ريالٍ مثلًا؛ لأن الحوالة عقد إرفاقٍ كالقرض، فلو جاز التفاضل فيها لخرجت عن موضوعها وهو الإرفاق إلى طلب الزيادة بها، وهذا لا يجوز كما أنه لا يجوز في القرض، ولكن لو أحال ببعض ما عليه من الدين، أو أحال ببعض ما له من الدين جاز ذلك، ويبقى الزائد بحاله لصاحبه.

ولكن لو تمّت الحوالة، وصحّت بشروطها، ثم تراضيا بعد ذلك على أن يدفع المحال عليه خيرًا من حقه، أو رضي من عليه المؤجّل بتعجيله، أو من له الحالُّ بإنظاره جاز ذلك؛ لأن ذلك يجوز في القرض ففي الحوالة من باب أولى.

هذا هو ما سمح به وقت هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن مسائل وأحكام الحوالة في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2287، ومسلم 1564.
2 رواه أحمد: 9973.

مواد ذات صلة