الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(36) أحكام الصلح- تتمة أقسام الصلح من الصلح على إنكار
|

(36) أحكام الصلح- تتمة أقسام الصلح من الصلح على إنكار

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة عن جملة من أحكام الصلح، وذكرنا أن الصلح ينقسم إلى قسمين: صلحٌ على إقرار، وصلحٌ على إنكار.

تتمة أقسام الصلح

وأن الصلح على إقرار ينقسم إلى قسمين كذلك: أن يُصالح عن الحق بجنسه، وأن يُصالح عن الحق بغير جنسه.

وكنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة عن الصلح عن الحق بجنسه، ووعدنا باستكمال الحديث عن النوع الآخر وعن القسم الآخر، وأيضًا عن الصلح على إنكار، فنقول وبالله التوفيق:

المصالحة عن الحق بغير جنسه

النوع الثاني من نوعي الصلح على إقرار: أن يُصالح عن الحق بغير جنسه، كما لو اعترف له بدينٍ أو عينٍ، ثم تصالحا على أن يأخذ عن ذلك عوضًا من غير جنسه، فإن صالحه عن نقدٍ بنقدٍ آخر فهذا صرفٌ تجري عليه أحكام الصرف، وإن صالح عن النقد بغير نقد اعتُبِر ذلك بيعًا تجري عليه أحكام البيع، وإن صالح عنه بمنفعة كسكنى داره اعتبر ذلك إجارة تجري عليه أحكام الإجارة.

هذا ما يتعلق بالنوع الثاني وهو المصالحة عن الحق بغير جنسه.

القسم الثاني: الصلح على إنكار

وأما القسم الثاني من أقسام الصلح وهو: الصلح على إنكار.

فمعناه: أن يدّعي شخصٌ على آخر بدينٍ له في ذمته، أو بعين له عنده، فيسكت المدّعى عليه، وهو يجهل المدّعَى به، ثم يصالح المدّعي عن دعواه بمالٍ.

ونوضح هذا بالمثال، فنقول: هذا رجلٌ ادعى على آخر بأنه يطلبه عشرة آلاف ريال مثلًا دينًا في ذمته، فقال له المدّعى عليه: أنا لا أعرف أن لك عندي حقًّا، فأراد المدّعي أن يرفع أمره للمحكمة، فقال المدّعى عليه: أنا أعطيك ثلاثة آلاف ريال صلحًا قطعًا للخصومة التي بيني وبينك؛ ولأنه لا يريد الذهاب للمحكمة لمقاضاة المدّعي، أو أنه يخشى أن تُطلب منه اليمين عند مقاضاة خصمه، فيريد بهذا الصلح الافتداء ليمينه.

حكم الصلح على إنكار

فهذا النوع من الصلح يسميه الفقهاء الصلح على إنكار، وهو صحيحٌ في قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة.

وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه لا يصح الصلح على إنكار.

ولكن القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم هو قول الجمهور، وهو أنه يصح هذا النوع من الصلح؛ وذلك لعموم قول النبي : الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا [1].

والصلح على إنكار يكون في حق المدّعي في حكم البيع؛ لأنه يعتقده عوضًا عن ماله، وأما في حق المدّعى عليه فهو إبراءٌ عن الدعوى؛ لأنه قد دفع المال افتداءً ليمينه، ولإزالة الضرر عنه، ولقطع الخصومة، ولصيانة نفسه عن التبذُّل والمخاصمات؛ لأن ذوي النفوس الشريفة يأنفون من ذلك، ويصعب عليهم، فيدفعون المال للإبراء من ذلك.

حكم الصلح على إنكار إن كان أحد المتصالحين كاذبًا

وإذا كان أحد المتصالحين في الصلح على إنكار كاذبًا، كأن يكذب المدعي فيدعي شيئًا يعلم أنه ليس له، أو يكذب المدّعى عليه المنكر في إنكار ما ادُّعي عليه به، وهو يعلم أنه عليه، ويعلم بكذب نفسه في إنكاره، فإن الصلح باطلٌ في حقّ الكاذب منهما باطنًا، ومعنى قولنا باطنًا، أيْ فيما بينه وبين الله ​​​​​​​، وإن كان هذا الصلح فيما يظهر للناس صحيح.

وبناءً على ذلك: فما يأخذه الكاذب منهما بموجب هذا الصلح حرامٌ عليه؛ لأنه أخذه ظلمًا وعدوانًا، مع علمه بالحق، واعتقاده أنه غير محقٍّ في تصرفه، وقد قال الله ​​​​​​​: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] فعلى المسلم أن يبتعد عن هذا التصرف والاحتيال السيئ، وقد قال النبي : إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار [2].

حكم المُصالحة عن المُنْكِر بغير إذنه

ومن مسائل الصلح على إنكار: أنه لو صالح عن المنكر أجنبيٌ بغير إذنه، صحّ الصلح في ذلك.

ونوضح هذا بمثال: هذا رجلٌ ادّعى على آخر دينًا، فأنكر المدّعى عليه، فأتى أحد الناس وبذل للمدّعي ما ادّعاه، أو بعضه قطعًا للخصومة، وإصلاحًا بين المتنازعين، فإن هذا الصلح صحيحٌ، ولو كان بغير إذن المدّعى عليه؛ لأن هذا الأجنبي الذي بذل المال إنما قصد بذلك إبراء المدّعى عليه، وقطع الخصومة عنه، فهو كما لو قضى عنه دينه، ولكن لا يطالبه بشيءٍ مما دفع؛ لكونه قد تبرّع به فلا يستحق الرجوع عليه به.

حكم الصلح عن الحق المجهول

ويصح الصلح عن الحق المجهول، سواء كان لكلٍ منهما عن الآخر، أو كان لأحدهما، إذا كان هذا المجهول يتعذّر علمه.

ونوضح هذا بالمثال: هذا رجلٌ اشترك مع آخر في مؤسسة مثلًا، ولكلٍ منهما على الآخر ديونٌ، ولا يعرفان مقدار هذه الديون على وجه التحديد، فنقول: يصطلحان صلحًا بعد تحرّي الحق، ثم يحلل كلٌ منهما صاحبه، ومثل ذلك ما لو كان بين رجلين معاملةٌ وحسابٌ قد مضى عليه زمنٌ طويل، ولا علم لكل واحدٍ منهما بما عليه لصاحبه.

والأصل في جواز الصلح عن المجهول حديث أم سلمة رضي الله عنها السابق، وفيه: أن رجلين من الأنصار أتيا النبي  يختصمان إليه في مواريث قد درست بينهما، وليس بينهما بيّنة، فقال رسول الله : إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ وإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها في عنقه يوم القيامة فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله : أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كلٌ منكما صاحبه [3].

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في صفة التحليل: “يقول القابض: إن كان لي عليك حقٌ فأنت منه في حلّ، ويقول الدافع: إن كنت أخذت أكثر من حقك فأنت منه في حلّ”، أو يأتيان بأية عبارة تفيد هذا المعنى، وإنما أمر النبي بأن يحلل كل منهما صاحبه احتياطًا لبراءة الذمة؛ لأن حق المخلوق عظيم، والصلح عن المجهول ربما لا يصل كلٌ منهما به إلى حقه على وجه التحديد، ومع كون حق كلٍ منهما مجهولًا، مع عدم وجود البيّنة، لا يبقى خيارٌ سوى أن يصطلحا صلحًا بعدما يتحريان الحق، ويحلل كلٌ منهما الآخر.

وأما ما يمكن معرفته، أو يعلمه الذي هو عليه ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه.

مثال ذلك: أن يقال لأحد الورثة: نعطيك كذا من المال على أن تخرج من الميراث، قال الإمام أحمد: إن صولحت امرأة من ثمنها، أيْ: الذي تستحقه بالميراث لم يصح، واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من ثمنها لم يتبين لها ما ترك زوجها فهي الريبة كلها.

قال: “وإن ورث قومٌ مالًا ودورًا وغير لك، فقالوا لبعضهم: نُخرجك من الميراث بألف درهمٍ؛ أكره ذلك”.

وإنما لم يصح الصلح في هذه الحال؛ لأن الصلح إنما جاز مع الجهالة للحاجة إليه؛ لإبراء الذمم، ولإزالة المنازعات، فمع إمكان العلم لا حاجة إلى الصلح مع الجهالة؛ فإن الصلح في هذه الحالة ربما يفضي إلى المنازعة والخصومة، فأشبه البيع مع الجهالة.

ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، ونستكمل الكلام عن بقية أحكام الصلح في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 3594.
2 رواه البخاري: 6967.
3 رواه البخاري مختصرا: 2680، وأحمد: 26717.

مواد ذات صلة