الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(37) أحكام الصلح- ضع وتعجل
|

(37) أحكام الصلح- ضع وتعجل

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة والتي قبلها عن جُملة من أحكام ومسائل الصلح، ونستكمل الحديث في هذه الحلقة عن أبرز ما تبقى من مسائل الصلح.

مسألة: ضع وتعجَّل

ولعلنا نخصص هذه الحلقة للحديث عن مسألة مهمة يكثر السؤال عنها، ولها صلة بالواقع، وهي مسألة: المصالحة عن الدين المؤجَّل ببعضه حالًّا، وهي ما تُعرف بمسألة: ضع وتعجَّل.

وصورتها: أن يتفق الدائن والمدين على إسقاط حصة من الدين، بشرط أن يعجّل المدين الباقي.

ونقل الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتابه “الاستذكار” عن سفيان بن عيينة رحمه الله أنه قال: “تفسير عجّل لي، وأضع عنك: إذا كان لي عليك ألف درهمٍ إلى أجل فقلت: أعطني من حقي الذي عندك تسعمائة ولك مائة”.

ونوضح هذه المسألة بمثالٍ آخر: هذا زيدٌ يطلب محمدًا عشرة آلاف ريال دينًا إلى سنة، ثم إن زيدًا أتى لمحمد وقال له: أريد منك أن تعجّل لي سداد الدين الذي لي في ذمتك الآن، وسوف أسقط لك منه ألف ريال، فما حكم هذا العمل؟

سبق أن ذكرنا في حلقات سابقة أنه لا تجوز الزيادة في الدين مقابل زيادة الأجل، ومسألتنا هذه على العكس من ذلك، فهي إسقاطٌ لبعض الدين نظير إسقاط الأجل أو بعضه.

حكم مسألة: ضع وتعجل

وللفقهاء في حكمها قولان مشهوران:

  • القول الأول: أنه لا يجوز التعامل بمسألة “ضح وتعجل”؛ وقد روي هذا القول عن عدد من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر والمقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنهم، وروي كذلك عن عدد من التابعين منهم الحسن البصري، وسعيد بن مسيب وسالم بن عبدالله بن عمر وحماد بن أبي سليمان، وروي هذا القول كذلك عن سفيان الثوري وعن إسحاق بن راهويه وعن الشعبي رحمهم الله تعالى جميعًا، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وهو المشهور من مذهب الشافعية والصحيح من مذهب الحنابلة.
  • والقول الثاني في المسألة: هو جواز التعامل بمسألة “ضع وتعجّل”؛ وقد روي هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن إبراهيم النخعي وأبي ثور وابن سيرين، وزفر بن الهذيل من الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة.

وبعد أن ذكرنا خلاف العلماء في هذه المسألة ننتقل إلى الكلام عمّن استدل به أصحاب كل قول، ثم الموازنة بينها والترجيح.

أدلة القول الأول:

فنقول: استدل الجمهور لقولهم بعدم جواز مسألة “ضع وتعجّل” بما جاء في سنن البيهقي عن المقداد بن الأسود قال: “أسلفتُ رجلًا مائة دينار، ثم خرج سهمي في بعثٍ بعثه رسول الله ، فقلت له: عجّل لي تسعين دينارًا، وأحطُّ عشرة دنانير، فقال: نعم، فذكرت ذلك لرسول الله  فقال: أكلت ربا يا مقداد وأطعمته[1]؛ ولكن هذا الحديث ضعيفٌ من جهة الإسناد، قال عنه البيهقي بعدما أخرجه في سننه: “إسناده ضعيف”، وكذا قال ابن القيم رحمهم الله تعالى.

وسبب ضعفه أنه روي من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، قال عنه يحيى بن معين: “ليس بشيء”، وقال أبو حاتم: “ضعيفٌ”، وقال عنه البخاري: “مضطرب الحديث”.

واستدل الجمهور كذلك لقولهم بعدم جواز مسألة “ضع وتعجل” من جهة المعنى بأنه إذا تعجّل البعض، وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقطه، فهو كما لو باع الأجل بالقدر الذي يزيده إذا حلّ عليه الدين، فهو كما لو قال: زدني في الدين، وأزيدك في المدة.

قالوا: فأيُّ فرقٍ بين أن تقول: حطّ من الأجل، وأحطُّ لك من الدين، أو تقول: زد في الأجل، وأزيد لك في الدين؟

وحاصل هذا الاستدلال هو قياس وضع بعض الدين مع إسقاط بعض الأجل، على زيادة الدين في مقابلة زيادة الأجل.

أدلة القول الثاني:

وأما أصحاب القول الثاني وهم القائلون بجواز مسألة “ضع وتعجّل” فقد استدلوا لقولهم بدليل من الأثر، وبدليلٍ من النظر.

أما الدليل من الأثر: فهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما أراد رسول الله أن يُخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديونٌ لم تحل، فقال رسول الله  لهم: ضعوا وتعجّلوا[2]، وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في “شرح مشكل الآثار”، وأخرجه البيهقي في “السنن الكبرى”، والدارقطني في “سننه”، والحاكم في “المستدرك”.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “هذا الحديث على شرط السنن، وقد ضعّفه البيهقي، وإسناده ثقات، وإنما ضعِّف بمسلم بن خالد وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعي، واحتج به”.

وقد صحح هذا الحديث أبو عبدالله الحاكم، وقد ذكر له البيهقي شاهدًا في “السنن الكبرى”، فلعله يتقوى به، لا سيما وأن مسلم بن خالد إنما ضُعِّف لكونه سيئ الحفظ، وإلا فهو ثقةٌ في نفسه.

وهذا الحديث ظاهر الدلالة في جواز مسألة “ضع وتعجّل” إذ أن النبي  أمر يهود بني النضير بأن يضعوا من الديون التي لهم في ذمم الناس ويتعجلوها.

وقد استدل أصحاب هذا القول من جهة المعنى والنظر، بأن هذه المسألة -أيْ مسألة “ضع وتعجل”- إنما هي في الحقيقة ضد الربا صورة ومعنى؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في الأجل والدين؛ وذلك إضرارٌ محضٌ بالغريم، وهذه المسألة تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجّله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع على تحريمه، فإن ضرره لاحقٌ بالمدين، ونفعه مختصٌ بربّ الدين.

قالوا: ولأن مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعةٌ إلى أعظم الضرر، وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفًا مؤلفة، فتشتغل الذمّة بغير فائدة، أما في الوضع والتعجيل فتتخلّص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له.

قالوا: ولأن الشارع له تطلُّعٌ إلى براءة الذمم من الديون، وقد سمى الغريم أسيرًا، ففي براءة ذمته تخليصٌ له من الأسر، وهذا ضد الربا الذي يتضمن شغلها بالزيادة مع الصبر.

القول الراجح

وبعد هذا العرض لأدلة القولين في المسألة، يظهر -والله تعالى أعلم- أن القول الراجح فيها هو القول الثاني، وهو جواز المصالحة على الدين المؤجّل ببعضه حالًّا، وقد اختار هذا القول جمعٌ من المحققين من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.

ووجه رجحان هذا القول هو قوّة أدلته؛ فإن حديث ابن عباس رضي الله عنهما في أمر النبي  ليهود بني النضير في وضع شيءٍ من ديونهم نظير تعجيلها، حديثٌ ثابت كما سبق بيان ذلك.

وما علّل به أصحاب هذا القول من جهة المعنى وجيه.

وأما ما استدل به أصحاب القول الأول لقولهم بعدم جواز مسألة “ضع وتعجل” فهي ترجع إلى حديث المقداد وإلى القياس:

أما حديث المقداد فما أصرحه من دليلٍ لو كان صحيحًا، ولكنه حديثٌ ضعيفٌ كما سبق فلا يصح الاستدلال به على عدم جواز مسألة “ضع وتعجل”.

وأما القياس فمحصّله قياس وضع بعض الدين مع إسقاط بعض الأجل، على زيادة الدين في مقابلة زيادة الأجل، وهو قياسٌ مع الفارق؛ لأن الربا في الأصل هو الزيادة، فهو يتضمن الزيادة في مقابلة الأجل، أما إسقاط بعض الدين مقابل إسقاط بعض الأجل فإن الزيادة منتفية هنا.

قال ابن القيم رحمه الله: “الذين حرّموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تُربي، وإما أن تقضي، وبين قوله: عجّل لي، وأهب لك مائة؛ فأين أحدهما من الآخر؟! فلا نص في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح”.

ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وإلى لقاء في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البيهقي في السنن الكبرى: 11141.
2 رواه الحاكم في المستدرك: 2325، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: 4277، والدارقطني: 2980، والبيهقي في السنن الكبرى: 11137.

مواد ذات صلة