الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(56) أحكام السبق- المسابقة على الخيل والإبل والسهام
|

(56) أحكام السبق- المسابقة على الخيل والإبل والسهام

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

نرحب بكم في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج، والتي نستكمل فيها الحديث عن أحكام السبق.

 كنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة عن جُمْلةٍ من مسائله وأحكامه، فذكرنا تعريف السبق، وذكرنا أنواع المسابقات والمغالبات، ووعدنا بأن نتكلم في هذه الحلقة عن المسابقات التجارية، ضوابطها وأحكامها.

ولكن قبل أن ندخل في أحكام المسابقات التجارية نستكمل الحديث عن مسألة كنا قد تكلمنا عنها في الحلقة السابقة ولم نستكمل الحديث عنها، وهي: المسابقة على الخيل والإبل والسهام بعوض.

حكم المسابقة على الخيل والإبل والسهام بعوض:

سبق القول بأن العلماء قد اتفقوا على جواز المسابقة على الخيل والإبل والسهام بعوضٍ وبدون عوض، ولكن إذا كان العوض من المتسابقين فإن بعض أهل العلم يشترط إدخال محللٍ ثالث بينهما لا يُخرج شيئًا، فإن سبقهما أخذ سبقهما، وإن سبقاه أحرزا سبقهما ولم يغرم المحلل شيئًا.

وإن سبق المحلل مع أحدهما اشترك هو والسابق في سبقه.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “والقول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة فلا يُحفظ عن أحدٍ منهم قط أنه اشترط المحلل، ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه”.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل”.

وقد بسط الإمام ابن القيم رحمه الله القول في هذه المسألة في كتابه القيّم “الفروسية” وقد نصر القول بعدم اشتراط المحلل؛ وبعد ذلك نعود للكلام عن المسابقات التجارية، فنقول:

المسابقات التجارية:

إن المسابقات التجارية قد كثرت في الوقت الحاضر وتنوعت، بل وتفنن القائمون عليها في طرحها، وينبغي للقائمين على تلك المسابقات أن يتفقهوا في أحكامها الشرعية حتى لا يقعوا في الميسر الذي حرمه الله ​​​​​​​، وقرنه بالخمر والأنصاب والأزلام.

ونقول مثل هذا الكلام لمن يرغب في الدخول في تلك المسابقات، وينبغي للجميع أن يسألوا أهل العلم عمّا يُشكل عليهم من أحكامها، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

الضابط في تحديد الميسر في المسابقات التجارية:

وبعد ذلك نقول: إن الضابط في تحديد الميسر في المسابقات التجارية هو: أن كل مسابقة تجارية يدخل فيها الإنسان ويبذل فيها عوضًا وهو مترددٌ بين الربح أو الخسارة، فإنها تدخل في الميسر، وبناءً على ذلك فإن المسابقات التي لا يستطيع الراغب في الاشتراك فيها من الدخول فيها إلا بعد دفعه مبلغًا من المال، سواء كان هذا المال قليلًا أو كثيرًا فإنها محرّمةٌ شرعًا، وتدخل تحت دائرة الميسر.

الصور الممنوعة شرعًا للمسابقات التجارية:

صورة شراء قسائم أو كوبونات معينة:

ومن صور ذلك في الوقت الحاضر ما تفعله بعض المحلات التجارية من إقامة مسابقات تجارية، وتشترط للدخول فيها شراء قسائم أو كوبونات معينة، فإن هذا يدخل تحت قاعدة الميسر؛ وذلك لأن المشتري لذلك الكوبون أو القسيمة إما أن يربح بالفوز بإحدى جوائز المسابقة، وإما أن يخسر قيمة الكوبون في حالة عدم الفوز، ولا يقال: إن قيمة شراء الكوبون أو القسيمة زهيدة، فإنها وإن كانت زهيدة بالنسبة للمتسابق الواحد إلا أنها كبيرةٌ بالنسبة لمجموع المتسابقين.

والواقع أن تلك المحلات التجارية تربح في الغالب أضعاف أضعاف ما ترصده لتلك المسابقات من جوائز.

وبعض المحلات التجارية تمنح تلك الكوبونات أو القسائم بدون مقابل، ولكنها لا تعطي ذلك الكوبون أو القسيمة إلا لمن يشتري من المحل بمبلغٍ معيَّن، يعتبرونه الحد الأدنى للدخول في تلك المسابقة، وهذا يعني في حقيقة الأمر أن لهذا الكوبون أو القسيمة قيمةً تُدفع ضمن فاتورة الشراء، ولذلك فإن هذه الصورة محرّمة كذلك لدخولها تحت دائرة الميسر.

صورة الاتصال الهاتفي عن طريق رقم معين:

ومن صور ذلك أيضًا: المسابقات التي يُشترط للدخول فيها الاتصال الهاتفي عن طريق رقمٍ معيَّن، تكون قيمته مكلفة نسبيًّا، فهذا ضربٌ من ضروب الميسر؛ لأن هذا المتصل إما أن يربح إحدى جوائز تلك المسابقة، وإما أن يخسر قيمة ذلك الاتصال.

المشاركة في بعض الألعاب التي تعتمد على الحظ

ومن صور ذلك أيضًا: ما يوجد في بعض محلات ألعاب الحاسب والإلكترونيات، حيث يُعرض فيها بعض الألعاب التي تعتمد على الحظ، ويُشترط للدخول فيها دفع مبلغٍ ماليٍ معيَّن، وهذا الذي يدخل في تلك الألعاب قد يربح أضعاف قيمتها، وقد يخسر أضعاف ما دفع، وهذا هو حقيقة القمار المحرّم شرعًا.

وبالجملة فإن جميع الألعاب التي يُرصد للفوز فيها جوائز معينة، ويُشترط للدخول فيها بذل مبلغٍ من المال ولو كان يسيرًا، فإنها تدخل تحت دائرة الميسر المحرّم شرعًا.

المال المبذول في لعب البلّوت والشطرنج والنرد ونحوهما

ومن ذلك أيضًا: ما يُبذل من مالٍ في لعب ورق البلّوت والشطرنج والنرد ونحو ذلك من الألعاب، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي  قال: من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده في لحم خنزيرٍ ودمه [1].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “اللعب بالنرد حرامٌ، وإن لم يكن بعوضٍ عند جماهير العلماء، وإن كان بعوضٍ فهو حرامٌ بالإجماع، وبالجملة فإن كل مسابقة أو مغالبة أو لعبة يبذل فيها الإنسان مالًا قد يربح بسبب ذلك مالًا كثيرًا وقد لا يربح، أي أنه في حقيقة الأمر قد خسر ببذله لذلك المال؛ فإن هذا يدخل تحت دائرة الميسر”.

هذه بعض الصور الممنوعة شرعًا للمسابقات التجارية، ولكن ماذا عن الصور المباحة شرعًا من تلك المسابقات، وما الضابط فيها؟

هذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

فإلى ذلك الحين أستودعكم الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 2260.

مواد ذات صلة