الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(50) من أحكام الأذان والإقامة
|

(50) من أحكام الأذان والإقامة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

لازال الحديث موصولًا عن أحكام الأذان والإقامة، وقد تكلمنا سابقًا عن جملة من أحكامهما، ونستكمل الحديث عن بقيتها، فنقول:

حكم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة

من أحكام الأذان والإقامة: أنه يحرم أخذ الأجرة عليهما، ويجوز أخذ الجعالة عليهما، ويجوز كذلك أخذ الرزق من بيت المال.

أما كونه يحرم الأجرة على الأذان والإقامة؛ فلقول النبي لعثمان بن أبي العاص: واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا رواه أحمد والترمذي وقال: “العمل عليه عند أهل العلم” [1].

وقال الإمام مالك: “يُؤجِّر نفسه في سوق الإبل أحب إليَّ من أن يعمل لله بأجرة”.

وأما الجَعَالة فيجوز أخذها على الأذان، كأن يقول جماعة مسجدٍ أو بعضهم: من أذَّن في هذا المسجد فله كذا، فهذا يجوز؛ لأن الجَعَالة أوسع من الإجارة، فليست عقدًا لازمًا، وأما أخذ الرزق من بيت المال، فالمقصود به: العطاء المرتَّب من الدولة للمؤذنين، وهو ما يسمى في الوقت الحاضر بـ: مكافئات المؤذنين، فهذا لا بأس به، ومثله مكافآت الأئمة والخطباء والقضاة ونحوها.

وقد نُقل اتفاق العلماء على ذلك، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في “المغني”: “لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والفقهاء متفقون على الفرق بين الاستئجار على القُرَب، وبين رزق أهلها، فرزق القضاة والمؤذنين والأئمة جائزٌ بلا نزاع، وأما الاستئجار فلا يجوز عند أكثرهم، قال: وما يؤخذ من بيت المال ليس عوضًا وأجرة، بل رزقًا للإعانة على الطاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه رزقٌ للإعانة على الطاعة”.

وقد أجرى السلف الأرزاق من بيت المال للمؤذنين والأئمة والقضاة وغيرهم، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مـمَّا عليه أولها.

حكم أذان الفاسق

وينبغي أن يكون المؤذِّن عدلًا، فإن المؤذن مُؤتَـمنٌ يَأْتِـمنُه الناس على دخول وقت الصلاة، وعلى الإفطار بعد غروب الشمس بالنسبة للصائمين، وقد قال النبي كما في حديث أبي هريرة : الإمام ضامنٌ، والمؤذن مُؤتَـمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين [2]، أخرجه أبو داود بسندٍ حسن.

واختلف العلماء: هل يصح الأذان من الفاسق أو لا يصح؟

على قولين مشهورين:

  • المشهور من مذهب الحنابلة: أنه لا يصح الأذان من الفاسق.
  • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصح الأذان من الفاسق؛ لأنه تصح صلاته، ومن صحَّت صلاته في نفسه؛ صحَّت إمامته، وصحَّ أذانه من باب أولى.

وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-، ولكن هذا محمولٌ على ما إذا وقع الأذان من الفاسق بصفةٍ عارضة، وأما أن يُنصَّب الفاسق مؤذنًا راتبًا، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “تنصيب الفاسق مؤذنًا لا ينبغي، قولًا واحدًا”.

حكم التلحين واللحن في الأذان

وينبغي للمؤذن أن يتجنَّب التلحين في الأذان، أي: التطريب به على وجهٍ يشبه الغناء ونحوه.

وقد سمع ابن عمر رجلًا يُطرِّب في أذانه، فقال: “لو كان عمر حيًّا لفك لحييك” ولأن التطريب ينافي الخشوع والوقار، وينحو به إلى الغِنَاء.

ويُكرَه ما فيه غلظةٌ وفظاظةٌ، أو تكلُّفٌ وزيادة.

قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: “إذِّن أذانًا سَـمْحًا وإلا فاعتزلنا”.

وأما اللحن في الأذان: فإن كان لحنًا يُـحِيل المعنى؛ فلا يصح معه الأذان؛ وذلك كأن يـمد همزة الله، فيقول: آلله أكبر، فهنا حوَّله من كونه خبرًا إلى استفهام، وهذا اللحن يُـحِيل المعنى، فلا يصح معه الأذان.

ومثله: أن يـمد الباء في: أكبر، فيقول: أكبار، وأكبار معناه في اللغة العربية: الطبل، فهذا أيضًا لحنٌ يُـحِيل المعنى، ولا يصح معه الأذان.

أما إذا كان اللحن لا يُـحِيل المعنى، فيصح معه الأذان مع الكراهة، كأن يفتح الهاء في لفظ الجلالة، فيقول: اللهَ أكبر، فهذا لحنٌ، لكنه لا يُـحِيل المعنى، ومثَّل بعض الفقهاء لهذا أيضًا بـما إذا قلب الهمزة واوًا في قوله: أكبر، فبدل أن يقول: اللهُ أكبر، يقول: الله وكبـر، فبدَّل الهمزة واوًا، فلا يعتبر لحنًا مُـحِيلًا للمعنى، ويصح معه الأذان؛ لأن قلب الهمزة واوًا في مثل هذا الموضع لغةٌ عند بعض العرب، والله تعالى أعلم.

السُّنة إقامةُ مَن أذَّن

والسنة أن يُقيم من أذَّنَ، فقد كان مؤذنو النبي هم الذين يتولون الإقامة، وجاء في حديث زياد بن الحارث الصُّدَائي قال: “أمرني رسول الله أن أذِّن في صلاة الفجر، فأذَّنْت، فأراد بلالٌ أن يقيم، فقال رسول الله : إن أخا صُدَاء قد أَذَّن، ومن أذَّنَ فهو يُقيم [3]، أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي وأحمد، وقال الترمذي: “إن ما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد بن القطَّان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديثه” .

وضعَّف هذا الحديث أيضًا البغوي والبيهقي وسفيان وغيرهم.

ولكن يغني عن هذا الحديث الضعيف ما ذكرناه من أن هدي مؤذِّنـِي النبي ؛ كبلال، وأبي محذورة، وأبي جُحَيفة، وابن أم مكتوم ، أن من أذَّن فهو يقيم.

ولو سُبِق المؤذن بالأذان، فأراد المؤذن أن يقيم، قال الإمام أحمد: “لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، لكان أولى” وقد روى عبدالعزيز بن رفيع، قال: “رأيت رجلًا أذَّن قبل أبي محذورة، فجاء أبو محذورة، فأذَّن ثم أقام” أخرجه البيهقي، وقال: “إسناده صحيح”.

وقال المرداوي في “الإنصاف”: “متى جاء وقد أُذِّن قبله استُحِب له أن يعيده” أي: أن يعيد الأذان؛ لكي يقيم.

ولكن هذا محمولٌ -والله تعالى أعلم- على ما إذا افتأت أحدٌ على المؤذن، فسبقه وأذَّن قبله، وهو لَـم يتأخَّر، أو تأخَّر تأخُّرًا يسيرًا، فيستحب للمؤذن الراتب في هذه الحال، أن يعيد الأذان إذا أراد أن يقيم، أما إذا كان تأخُّر المؤذن الراتب كثيرًا، وقد سُبِق للأذان، فالظاهر أنه لا يستحب له إعادة الأذان في هذه الحال، والله تعالى أعلم.

اشتراط النية في الأذان

ومن أحكام الأذان: أنه يُشترط له النية؛ وبناءً على هذا: لا يكفي الأذان عن طريق شريطٍ مُسجَّلٍ ونحوه؛ لافتقاده إلى شرط النية؛ ولهذا ينبغي ألا يكتفى بالأذان عن طريق المسجِّل في الأماكن العامة، كالمطارات والمستشفيات ونحوها، بل ينبغي أن يتولَّى الأذان فيها أحد الناس؛ لأن من شروط صحة الأذان: النية، وهذا غير حاصلٍ إذا كان الأذان عن طريق مُسجِّلٍ ونحوه.

أيها الإخوة، هذا ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 531، والترمذي: 209، وأحمد: 16270
2 رواه أبو داود: 517، والترمذي: 207، وأحمد: 7169.
3 رواه أبو داود: 514، والترمذي: 199، وابن ماجه: 717، وأحمد: 17537، والبيهقي في السنن الكبرى: 1869.

مواد ذات صلة