الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(52) ما يشرع عند الأذان والإقامة
|

(52) ما يشرع عند الأذان والإقامة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

حديثنا معكم في هذه الحلقة عن ما يُشَرع أن يُقال عند الأذان وبعده:

ما يُشَرع أن يُقال عند الأذان وبعده

  • أولًا: يشرع أن يقول السامع كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلتين، وهي: حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح، فيقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله.

ويدل لذلك: ما جاء في “صحيح مسلم” عن عمر بن الخطاب  قال: قال رسول الله : إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة [1].

والحكمة من استحباب متابعة المؤذن: أن ينال المستمع مثل أجر المؤذِّن، ويدل لذلك ما جاء في “سنن أبي داود” بسندٍ حسن عن عبدالله بن عمروٍ : أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال النبي : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه [2].

وأما عند قول المؤذن: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فالمشروع هو قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والحكمة من ذلك -والله أعلم-: هي أن المؤذن لـمَّا قال: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فقد دعاك إلى حضور الصلاة، فاستعنت بالله عز وجل؛ وذلك بتبـرئك من حولك وقوتك إلى الله عز وجل، ذي القوة والحول.

قال ابن القيم رحمه الله: “كلمات الأذان ذكرٌ، فسُنَّ للسامع أن يقولها، وكلمة الحيعلة دعاءٌ إلى الصلاة لمن سمعه، فسُنَّ للسامع أن يستعين على هذه الدعوة بكلمة الإعانة، وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله”.

  • ثانيًا: يشرع أن يقول بعد قول المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله، يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبـمحمدٍ رسولًا.

ففي “صحيح مسلم” عن سعد بن أبي وقاص : أن رسول الله قال: من قال حين يسمع المؤذن -جاء في رواية الترمذي: يتشهد-: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبـمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه [3].

  • ثالثًا: يشرع أن يصلي على النبي بعد فراغه من إجابة المؤذن.

لحديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ [4].

قال ابن القيم رحمه الله: “وأكمل ما يُصلَّى عليه به، هي الصلاة الإبراهيمية، كما علّم أمته أن يصلوا عليه، فلا صلاة عليه أكمل منها”.

  • رابعًا: يشرع أن يقول بعد صلاته على النبي : اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.

ففي (صحيح البخاري) عن جابرٍ بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة أخرجه البخاري في صحيحه بـهذا اللفظ [5].

وجاء في رواية النسائي وابن خزيـمة: وابعثه المقام المـحمود بالتعريف [6].

قال ابن القيم رحمه الله: “والصحيح ما في رواية البخاري: وابعثه مقامًا محمودًا أي: بالتنكير، وليس بالتعريف المقام المـحمود؛ وذلك لوجوه:

  • أحدها: اتفاق أكثر الرواة عليه.
  • الثاني: موافقته للفظ القرآن، يعني بذلك قول الله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].
  • الثالث: أن لفظ التنكير فيه مقصودٌ به التعظيم.
  • الرابع: أن دخول الألف واللام يعينه ويخصُّه بـمقامٍ مُعيَّـن، وحذفها يقتضي إطلاقًا وتعددًا، ومقاماته المـحمودة  في الموقف متعدِّدة، كما دلَّت عليه الأحاديث، فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف.
  • الخامس: أن النبي  كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديـمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا، كما يحافظ على معانيه، ومنه قوله ، وقد بدأ بالصفا، قال: أبدأ بـما بدأ الله به [7].

والحاصل: أن المـحفوظ من الرواية: وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته وليس: المقام المـحمود الذي وعدته.

وأما زيادة: إنك لا تخلف الميعاد فقد جاءت عند البيهقي، ولكنها روايةٌ شاذَّةٌ غير محفوظة عند أكثر المـحدثين [8]، ووقع عند البيهقي أيضًا: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة.. إلى آخر الدعاء، وهي كذلك روايةٌ شاذَّةٌ غير محفوظة [9].

وجاء عند ابن السُّنِّـي بعد قوله: آتي محمدًا الوسيلة والفضيلة زيادة: والدرجة الرفيعة وهذه الزيادة مُدرَجَةٌ من بعض النُّسَّاخ، وقد صرَّح الحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي رحمهما الله أنَّـها ليست في شيءٍ من طرق الحديث [10].

والحاصل: أن المـحفوظ الثابت من الذكر الذي يقال بعد الأذان: أن يصلي على النبي ، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.

  • ثم بعد ذلك وهو الأمر الحامس: يدعو لنفسه بـما يحضره من خيري الدنيا والآخرة.

وتقدم قول النبي : قل كما يقول المؤذن، ثم سَلْ تُعْطَه [11]؛ فالدعاء بعد إجابة المؤذن من أعظم مواطن الإجابة، وهكذا الدعاء ما بين الأذان والإقامة عمومًا، حريٌ بالإجابة، فقد صح عن النبي أنه قال: الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والبيهقي بإسنادٍ صحيح [12].

حكم الترديد عند سماع الإقامة

هل يشرع أن يقول سامع الإقامة مثلما يقول المقيم، أو أن ذلك خاصٌ بالأذان؟

اختلف العلماء في ذلك:

  • فمنهم من قال: يُشرَع إجابة المقيم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة؛ لعموم قول النبي : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول [13]، قالوا: والإقامة تسمى أذانًا، بدليل قوله : بين كل أذانين صلاة [14].
  • والقول الثاني في المسألة: أن الإجابة خاصةٌ بالأذان، فيقول سامعه مثلما يقول المؤذِّن، وأما الإقامة فلا يُشرع ذلك فيها، وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم؛ لأن النبي كان يصلي بأصحابه في اليوم والليلة خمس مرات، وتُقَام الصلاة بحضرته خمس مرات، ولـم ينقل عنه  ولو مرةً واحدة، ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه أجاب المقيم.

وأما حديث: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول [15]، فقد جاء تفسيره في الحديث الآخر: إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر.. [16] إلى آخر الحديث، وقد سبق ذكره بتمامه، وليس على صفة الإقامة، وإنـما ورد على صفة الأذان، فجاء مُفسَّرًا على صفة الأذان.

وحينئذٍ نقول: القول الراجح: أن الإجابة إنـما تكون للمؤذن، ولا تكون للمقيم.

وورد عند أبي داود: أن بلالًا قام، فلـمَّا بلغ: قد قامت الصلاة، قال النبي : أقامها الله وأدامها [17] ولكن هذه الرواية ضعيفةٌ غير ثابتةٍ عند أهل العلم، وحينئذٍ فلا يشرع أن يقال ذلك.

أيها الإخوة المستمعون هذا ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 385.
2 رواه أبو داود: 524، وابن حبان: 1695.
3 رواه مسلم: 386.
4, 13 رواه مسلم: 384.
5 رواه البخاري: 614.
6 رواه النسائي: 680، وابن حبان: 1689.
7 رواه مسلم: 1218.
8, 9 رواه البيهقي في السنن الكبرى: 1933.
10 رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة: 95.
11, 15, 16 سبق تخريجه.
12 رواه أبو داود: 521، والترمذي: 212، وأحمد: 12200، والبيهقي في الدعوات الكبير: 61.
14 رواه البخاري: 624، ومسلم: 838.
17 رواه أبو داود: 528.

مواد ذات صلة