الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(78) صفة الصلاة- القراءة في الفاتحة وما بعدها
|

(78) صفة الصلاة- القراءة في الفاتحة وما بعدها

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث موصولًا عن صفة الصلاة، وكنا قد وصلنا في الحلقة السابقة إلى قراءة الفاتحة، وذكرنا أنها ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بقراءتها، ونقول بعد ذلك:

حكم الوقوف على كل آية في قراءة الفاتحة

إنّ السنة أن يقف القارئ عند كل آيةٍ، فيقف عند قراءة سورة الفاتحة سبع مرات، قال الله ​​​​​​​: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، وقد كان النبي  يُقطِّع قراءته، فيقف عند كل آية.

وبـهذا يُعلم أن ما يفعله بعض الناس من وصل آيات الفاتحة، وقراءتـها كلها في نفسين أو ثلاثة، أن هذا خلاف السنة، وإن كان جائزًا؛ لأن الوقوف عند رأس كل آية أمرٌ مستحبٌ وليس بواجب، لكن ينبغي الاقتداء بالنبي  في هذا، والوقوف عند رأس كل آية.

حكم التأمين بعد قراءة الفاتحة

ثم بعد الفراغ من قراءة سورة الفاتحة، السنة أن يقول: آمين، ويجهر بـها في الصلاة الجهرية، سواءٌ كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، ويكون تأمين الإمام والمأموم في وقتٍ واحدٍ، بعد قول الإمام: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

لقول النبي : إذا قال الإمام: وَلا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين [1].

وأما قول النبي : إذا أمَّنَ الإمام فأمِّنوا [2] فالمراد: إذا شرع في التأمين، فأمِّنوا؛ لتكونوا معه.

ومعنى: آمين، أي: اللهم استجب يا رب؛ والتأمين بعد قراءة الفاتحة إنـما يكون بعد دعاءٍ عظيمٍ، وهو سؤال العبد ربَّه أن يهديه الصراط المستقيم.

قال ابن القيم رحمه الله: “ومن هنا علم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فوق كل ضرورة، وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية؟ فإن المـجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تـهاونًا وكسلًا، مثل ما نريده، أو أكثر منه، أو دونه، وما لا نقدر عليه مـمَّا نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نـهتدي لتفاصيله، فأمرٌ يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامَّة، فمن كملت له هذه الأمور، كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام”.

القراءة بعد الفاتحة

والسنة: أن تكون القراءة بعد الفاتحة من المفصَّل غالبًا، والمفصل: من سورة (ق) إلى سورة الناس، وسـمِّي مفصلًا لكثرة فواصله؛ لأن سوره قصيرة.

وطوال المفصَّل من سورة (ق) إلى سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1]، وأوساطه من: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ إلى سورة الضحى، وقصاره: من سورة الضحى إلى سورة الناس.

والسنة أن يقرأ في صلاة الصبح من طوال المفصل؛ لأن الله ​​​​​​​ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر، فقال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، والمراد بـ: قُرْآنَ الْفَجْرِ: صلاة الفجر، وسميت قرآنًا؛ لأن السنة تطويل القراءة فيها، فعبَّـر عن الصلاة بالقرآن، إشارةً إلى أنه ينبغي أن يكون القرآن مستوعبًا لأكثرها؛ ولهذا بقيت صلاة الصبح على ركعتين لَـم تُزَد، بينما الظهر والعصر والعشاء زِيْدَت.

والسنة في المغرب أن تكون القراءة من قصار المفصَّل غالبًا، أي: من سورة الضحى إلى سورة الناس، والسنة في صلاة الظهر والعصر والعشاء أن تكون القراءة فيها غالبًا من أوساط المفصل، أي: من سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ إلى سورة الضحى.

ويدل لذلك السنة الواردة عن النبي ، فإن الغالب من فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو ما ذُكِر، وقد أرشد النبي معاذ بن جبل  أن يقرأ في صلاة العشاء بـ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]؛ فدل ذلك على أن السنة أن تكون القراءة غالبًا في صلاة العشاء من أوساط المفصَّل.

قول ابن القيم في بيان هدي النبي

قال ابن القيم رحمه الله في بيان هدي النبي : “فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورةٍ غيرها، وكان يطيلها تارةً، ويخففها لعارضٍ من سفرٍ أو غيره، ويتوسَّط فيها غالبًا، وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة (ق)، وصلاها بالروم، وصلاها بـ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، وصلاها بـ: إِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة:1] في الركعتين كليهما، وصلاها بالمعوذتين، وكان في السفر، وصلاها فافتتح بسورة المؤمنون، حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون أخذته سعلةٌ فركع.

وكان يصليها يوم الجمعة بـ: الـم ۝تَنزِيلُ.. [السجدة:1-2]، وسورة: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ [الإنسان:1] كاملتين”.

قال: “وإنـما كان يقرأ هاتين السورتين –أي في فجر الجمعة-، لِمَا اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار؛ وذلك مـمَّا كان ويكون في يوم الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المـجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق)، (اقْتَرَبَتِ)، و: (سَبِّحِ)، (والغاشية).

وأما الظهر فكان يطيل قراءتـها أحيانًا، حتى قال أبو سعيدٍ : “كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله في الركعة الأولى” [3].

وكان يقرأ فيها تارةً بقدر: الـم ۝تَنزِيلُ.. [السجدة:1-2]، وتارةً بـ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وتارة بـ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1]، وتارةً بـ: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1].

وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت.

وأما المغرب فإنه صلاها مرةً بالأعراف، فرّقها في الركعتين، ومرةً بالطور، ومرةً بالمرسلات، وكان هدي النبي  أنه يقرأ فيها غالبًا بقصار المفصَّل، لكن لَـم يكن عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك، بل كان أحيانًا يقرأ من غير قصار المفصَّل.

ولهذا: أنكر زيد بن ثابت على مروان بن الحكم لـمَّا رآه يلتزم القراءة من قصار المفصَّل دائمًا”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصَّل دائمًا، فهو فعل مروان بن الحكم؛ ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت ، وقال: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وقد رأيت رسول الله يقرأ فيها بالأعراف؟

وأما العشاء فقرأ فيها بـ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1] ووقَّت لمعاذ  فيها بـ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، ونحوها، وأنكر على معاذٍ  قراءته فيها بالبقرة بعدما صلى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها لهم بعدما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ بـهم البقرة؛ ولهذا قال له: أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟! [4].

قال: فتعلق النقَّارون بـهذه الكلمة، ولـم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها.

القراءة في صلاة الجمعة

وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي الجمعة والمنافقون كاملتين، وسورة سبِّح والغاشية.

قال: وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين، فلَـم يفعله قط، وهو مخالفٌ لهديه الذي كان يحافظ عليه”.

وقد ذكر رحمه الله أن في الجمعة سنَّتين:

  • الأولى: أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية: سورة (المنافقون).
  • الثانية: أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة سبِّح، وفي الركعة الثانية بسورة الغاشية.
  • وهناك سنةٌ ثالثة ورد ذكرها في (صحيح مسلم): وهي أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة الغاشية [5].

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، وللحديث صِلةٌ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 782، ومسلم: 415.
2 رواه البخاري: 780، ومسلم: 410.
3 رواه مسلم: 454.
4 رواه البخاري: 705، ومسلم: 465.
5 رواه مسلم: 878.

مواد ذات صلة