الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(85) صفة الصلاة- القيام من السجود وجلسة الاستراحة
|

(85) صفة الصلاة- القيام من السجود وجلسة الاستراحة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث عن صفة الصلاة، وقد تكلمنا في الحلقة السابقة عن المسائل والأحكام المتعلقة بالجلسة بين السجدتين، ونقول بعد ذلك:

صفة النهوض للقيام

ثم يسجد المصلي السجدة الثانية كالأولى، وهذه السجدة واجبةٌ بالإجماع، ثم إذا قضى السجدة الثانية؛ نـهض للقيام مكبِّـرًا.

واختلف العلماء في صفة النهوض المسنونة: هل ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، ولا يعتمد على الأرض، أو أنه يعتمد بيديه على الأرض في النهوض؟

قولان للعلماء:

وقد ورد في ذلك حديث أبي هريرة : “أن النبي  كان ينهض على صدور قدميه” [1]، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “رواه سعيد بن منصورٍ بسندٍ ضعيفٍ”.

وورد أيضًا حديث وائل بن حجر  قال: “رأيت رسول الله إذا نـهض رفع يديه قبل ركبتيه” [2]، أخرجه أبو داود، والترمذي، النسائي، وابن ماجه، وإسناده ضعيفٌ كذلك.

وقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه لهذه المسألة فقال: “بابٌ: كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟” ثم ساق بسنده عن مالك بن الحويرث  في صفة صلاة النبي ، قال: “وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض ثم قام” [3].

وبالنظر إلى ما ورد في هذه المسألة من الأحاديث: نجد أن ما روي في الاعتماد على الركبتين، والنهوض على صدور القدمين، ضعيفٌ من جهة الإسناد، كما في حديث أبي هريرة، وحديث وائل بن حجر، وقد سبق القول بأنـهما ضعيفان، وأما ما ورد في الاعتماد باليدين على الأرض عند النهوض فصحيح، فهو في (صحيح البخاري).

وبـهذا يتبيَّـن أن القول الراجح في هذه المسألة -والله أعلم-: هو أن الأفضل للمصلي عند النهوض للركعة الثانية أن يعتمد بيديه على الأرض، وهذا هو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله.

قال البيهقي: “وروينا عن ابن عمر أنه كان يعتمد على يديه إذا نـهض، وكذلك كان يفعله الحسن، وغير واحدٍ من التابعين”.

حكم جلسة الاستراحة

جاء في (صحيح البخاري) عن مالك بن الحويرث الليثي : “أنه رأى النبي يصلي، فإذا كان في وترٍ من صلاته، لَـم ينهض حتى يستوي قاعدًا” [4].

وهذا القعود هو الذي يسمى: جلسة الاستراحة، وهي جلسةٌ خفيفةٌ يجلسها المصلي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى قبل النهوض إلى الركعة الثانية، وكذلك بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة قبل النهوض إلى الركعة الرابعة، أي: أنه يجلسها قبل نـهوضه للركعة الثانية، وللركعة الرابعة.

وقد اختلف العلماء فيها: هل هي من سنن الصلاة يستحب لكل أحدٍ أن يفعلها، أو أنَّـها ليست من السنن؟

وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: أن جلسة الاستراحة سنةٌ مطلقًا، وإليه ذهب الشافعي، وهو روايةٌ عن أحمد.
    وقد استدلَّ أصحاب هذا القول بحديث مالك بن الحويرث السابق ذكره، وهو في (صحيح البخاري)، واستدلوا كذلك بحديث أبي حُميد الساعدي  في صفة صلاة النبي ، وجاء فيها: “ثم أهوى ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم ثَنَـى رجله، وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظمٍ في موضعه ثم نـهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك” [5]، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيحٍ. 
  • والقول الثاني: أن جلسة الاستراحة ليست بسنةٍ مطلقًا، وإليه ذهب أكثر العلماء، وقد روي هذا القول عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة.
    قال ابن القيم رحمه الله في بيان وجهة هذا القول: “سائر من وصف صلاته لَـم يذكر هذه الجلسة، وإنـما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته ، ومـجرَّد فعله لها لا يدل على أنَّـها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنَّـها سنةٌ يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّر أنه فعلها للحاجة لَـم يدل على كونـها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في المسألة”.
  • القول الثالث: التفصيل، فإن كان المصلي محتاجًا للجلوس، لكبر سنٍّ، أو مرضٍ أو غيره، فتكون هذه الجلسة سنةً في حقه، وإن كان ليس محتاجًا إليها، فلا تكون سنة.

وهذا القول فيه جمعٌ بين الأدلة، فيحمل جلوس النبي هذه الجلسة على أنه كان محتاجًا إليها، فإن مالك بن الحويرث أحد الواصفين لجلوس النبي هذه الجلسة، إنـما قَدِم في السنة التاسعة من الهجرة، في آخر حياة النبي ، بعدما أسنَّ.

وكان عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يصلي الليل جالسًا، كما جاء في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: “لـمَّا بدَّن رسول الله وثَقُل، كان أكثر صلاته جالسًا” [6].

قالوا: ومـما يدل لذلك: أن كل فعلٍ من أفعال الصلاة له ذكرٌ وفيه ذكر، وهذه الجلسة ليس لها ذكرٌ، وليس فيها ذكر، فدل ذلك على أنَّـها ليست على سبيل التعبُّد مطلقًا.

وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم:

فإن كان المصلي محتاجًا لجلسة الاستراحة جلس، وتكون مشروعةً في حقه، أما إذا لَـم يكن محتاجًا إليها، فلا يجلس، ولا تكون مشروعةً في حقه.

وقد اختار هذا القول الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه (المغني) قال: “وفي هذا جمعٌ بين الأخبار، وتوسُّطٌ بين القولين”.

هل يجلس المأموم جلسة الاستراحة إذا كان الإمام لا يجلسها؟

إذا كان الإمام لا يجلس جلسة الاستراحة، وكان المأموم يرى أنّ هذا الجلوس سنة، فهل الأفضل في حق المأموم متابعة الإمام، وترك هذه الجلسة، أو أن الأفضل أن يجلس المأموم جلسة الاستراحة، وأن يطبق ما يعتقد أنه سنة، ولو كان في ذلك مخالفةٌ لإمامه؟

نقول: بل متابعة الإمام في هذه الحال أفضل؛ لأنه إذا كان المأموم يترك الواجب، ويفعل الزائد، من أجل متابعة الإمام؛ فترك ما يعتقد أنه مستحبٌ وليس بواجبٍ من باب أولى، ووجه كون المأموم يترك الواجب، ويفعل الزائد، من أجل متابعة الإمام: أنه لو أدرك الإمام في الركعة الثانية، فإنه سوف يتشهَّد في أول ركعةٍ بالنسبة له، فيأتي بتشهدٍ زائدٍ من أجل متابعة الإمام، وسوف يترك التشهُّد الأول إذا قام الإمام للركعة الرابعة، من أجل متابعة الإمام.

بل إن المأموم قد يترك الركن من أجل متابعة الإمام، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: إنـما جعل الإمام ليؤتـمَّ به، فإذا كبَّـر فكبِّـروا، وإذا ركع فاركعوا -إلى قوله-: وإذا صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا [7]، ومعلومٌ أن المصلي إذا صلى قاعدًا، فسيترك ركن القيام، وسيترك ركن الركوع، فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الركوع، وكل هذا من أجل متابعة الإمام.

فإذا كان المأموم قد يترك الركن، وقد يترك الواجب؛ لأجل متابعة إمامه، فكيف لا يترك أمرًا مستحبًا، بل هو مختلفٌ في استحبابه؟!

فإن قال قائل: هذه الجلسة يسيرة، ولا يحصل بـها تخلفٌ كثيرٌ عن الإمام؟

فالجواب: أن النبي قال: إنـما جعل الإمام ليؤتـمَّ به، فإذا كبَّـر فكبِّـروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا [8]، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخَّر عن الإمام ولو يسيرًا، بل يبادر بالمتابعة، فلا يوافق الإمام، ولا يسابقه، ولا يتأخر عنه، وهذه هي حقيقة الائتمام.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يوفقنا لِمَا يحب ويرضى من القول والعمل، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة بإذن الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 288.
2 رواه أبو داود: 838، والترمذي: 268، وابن ماجه: 882، والنسائي: 1089.
3 رواه البخاري: 824.
4 رواه البخاري: 823.
5 رواه أبو داود: 730، والترمذي: 304، وابن ماجه: 1061، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
6 رواه مسلم: 732.
7 رواه مسلم: 411.
8 رواه البخاري: 378، ومسلم: 411.

مواد ذات صلة