الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(87) صفة الصلاة- تتمة شرح ما يُقال في التشهد
|

(87) صفة الصلاة- تتمة شرح ما يُقال في التشهد

مشاهدة من الموقع

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الإخوة المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يزال الحديث عن صفة الصلاة:

تتمة شرح ما يُقال في التشهد

وكان آخر ما تكلمنا عنه في الحلقة السابقة شرح ما يقال في التشهد: وقد وصلنا إلى قول المصلي: “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”.

فعندما يقول: السلام علينا، فالمراد بذلك: جميع الأمة، جميع أمة محمدٍ ، فيكون المعنى: كما أننا دعونا لنبينا محمدٍ عليه الصلاة والسلام بالسلام، ندعو أيضًا لأنفسنا بالسلام؛ لأننا أتباعه.

“وعلى عباد الله الصالحين” وهذا تعميمٌ بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض، حيٍّ أو ميِّتٍ، من الآدميين، والملائكة، وغيرهم.

“وعباد الله” هم الذين تعبَّدوا لله تعالى، أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي، وأفضل وصفٍ يتصف به الإنسان هو أن يكون عبدًا لله؛ ولهذا ذكر الله تعالى وصف رسوله بالعبودية في أعلى مقاماته، ففي الإسراء يقول : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1]، وفي المعراج يقول: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، والإسراء والمعراج من أفضل ما يكون من المقامات لرسول الله .

ووصفه بذلك في مقام الدفاع عنه، فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، ووصفه بذلك في مقام التنزيل عليه، فقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1]؛ فأشرف وصفٍ للإنسان هو أن يكون عبدًا لله تعالى.

“وعباد الله الصالحون” وهم الذين خلصت وصلحت سرائرهم وظواهرهم، وصلاح السرائر يكون بإخلاص العبادة لله تعالى، وإصلاح الظواهر يكون بـمتابعة الرسول .

ثم يقول: “أشهد أن لا إله إلا الله”:

والشهادة: هي الخبر القاطع، فهي أبلغ من مـجرَّد الخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قطع، كأنـما يُشاهد الإنسان بعينيه ما شهد به.

ويحسن التنبيه هنا: إلى أن بعض الناس ينطقها: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، بتشديد: أنَّ، وهذا خطأ من حيث اللغة العربية؛ لأن (أنَّ) لا تكون بـمثل هذا التركيب، والتي تكون بمثل هذا التركيب: (أنْ) المخففة من الثقيلة، فيكون النطق الصحيح إذًا: أشهد أنْ لا إله إلا الله.

و: لا إله إلا الله، هي كلمة التوحيد التي بعث الله بـها جميع الرسل، كما قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

ومعنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بِـحَقٍ إلا الله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: العابد له ومُرْسله، أرسله ، وجعله واسطةً بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه.

ثم بعد ذلك يصلي على النبي  إن كان في التشهُّد الأخير.

هل تُشرع الصلاة على النبي في التشهد الأول؟

اختلف العلماء في ذلك:

  • فذهب بعضهم إلى أنَّـها لا تُشرع، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
  • وقال آخرون: بل تشرع الصلاة على النبي  في التشهد الأول، وقال بـهذا الإمام الشافعي رحمه الله.

أما من قال: إنـها لا تُشرع، فقد استدل بحديث ابن مسعودٍ : أن النبي كان يجلس في الركعتين الأوليين، كأنه على الرضْف -وهي الحجارة المـُحمَاة- حتى يقوم [1].

وأما من قال: بأن الصلاة على النبي تُشرع في التشهد الأول، فقد استدل بعموم الأحاديث الواردة في مشروعية الصلاة على النبي في التشهد، ولـم يرد فيها تخصيص تشهد دون تشهد، فهي تشمل التشهد الأول والأخير جميعًا.

ومن ذلك: ما جاء في الصحيحين عن كعب بن عُجْرَة قال: خرج علينا النبي ، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد [2]، ولـم يقل عليه الصلاة والسلام: قولوا ذلك في التشهد الأخير.

وهذا القول الأخير، أعني مشروعية الصلاة على النبي في التشهد الأول، هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وقد اختار هذا القول الوزير بن هبيرة والآجري رحمهما الله تعالى، واختاره من العلماء المعاصرين سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى.

وأما ما استدل به القائلون بعدم مشروعية الصلاة على النبي  في التشهد الأول، من حديث ابن مسعودٍ  أن النبي كان يجلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضْف، أي: على الحجارة المحماة حتى يقوم، فهذا الحديث ضعيفٌ، لا تقوم به حجة، فقد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، من طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعودٍ عن أبيه، وأبو عبيدة لَـم يسمع من أبيه، فيكون هذا الحديث ضعيفًا لانقطاعه.

والحاصل: أن الصلاة على النبي  تشرع في التشهد الأول في أرجح قولي العلماء، كما أنَّـها تشرع في التشهد الأخير.

معاني الصلاة الإبراهيمية

أيها الأخوة المستمعون: نقف مع معاني هذه الصلاة:

فعندما يقول القائل: اللهم صلَّ على محمد، ما معنى قوله: اللهم صل على محمد؟

أحسن ما قيل في ذلك: هو ما قاله أبو العالية رحمه الله: “أنّ صلاة الله على نبيه، هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى”، فمعنى: اللهم صلِّ على محمد: دعاءٌ بالثناء عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين.

وعلى آل محمد، أي: وصلِّ على آل محمد، وآل محمد: هم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص هم كل من ينتمي إلى ذلك الشخص، سواءٌ كان ذلك بنَسَبٍ أم معاهدةٍ أو مُوالاةٍ أو اتباع، كما قال ​​​​​​​: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] فيكون المعنى: آله، وآل محمد، أي: أتباعه على دينه.

كما صليت على آل إبراهيم: هل الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟

قولان للعلماء: والأقرب -والله أعلم- أنَّـها للتعليل، وأنّ هذا من باب التوسل بفعل الله السابق؛ لتحقيق الفعل اللاحق، يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك على آل إبراهيم، فألحق الفضل منك على محمدٍ وآله، والكاف قد ترد للتعليل، كما قال ابن مالك رحمه الله [3]:

شَبِّه بكافٍ وبـها التعليل قد يُعنَـى وزائدًا لتوكيدٍ ورد

فأفاد بقوله: “وبـها التعليل قد *** يُعنَـى”: أنه قد يقصد بـها التعليل.

وكما في قول الله : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ [البقرة:151]، فإنّ الكاف هنا للتعليل، وكما في قوله سبحانه: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة:198] أي: لهدايتكم.

وبارك على محمد، أي: أنزل عليه البركة.

وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم: والمراد هنا بآل إبراهيم، أي: أتباعه على دينه، كما سبق.

فيكون المعنى حينئذٍ: التوسُّل بفعل الله السابق إلى فعله اللاحق، فكأنك تقول: كما أنك يا رب قد تفضَّلت على إبراهيم وآل إبراهيم، وباركت عليهم، فتفضَّل على محمد وآله، وبارك عليهم.

إنك حميدٌ مجيد: حميدٌ: فعيل، بـمعنى: فاعل، وبـمعنى: مفعول، فهو حامدٌ ومحمود، حامدٌ: لعباده وأوليائه الذي قاموا بأمره، ومحمودٌ: يحمد  على ما له من صفات الكمال، وجزيل الإنعام.

وأما المـجيد: فهو فعيل، بـمعنى: فاعل، أي: ذو المـجد، والمـجد: هو العظمة، وكمال السلطان.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 995، والترمذي: 366، والنسائي في السنن الكبرى: 766، وأحمد: 3656.
2 رواه البخاري: 6357، ومسلم: 406.
3 ألفية ابن مالك: ص: 35.