الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(88) صفة الصلاة- التشهد في الصلاة
|

(88) صفة الصلاة- التشهد في الصلاة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

ولا يزال الحديث موصولًا عن صفة الصلاة: وكنا قد وصلنا إلى الحديث عن التشهُّد في الصلاة.

التشهُّد في الصلاة

وقد كان النبي  يُعلِّم الصحابة الدعاء في التشهُّد، كما يعلمهم السورة من القرآن.

وقد أخرج البخاري ومسلمٌ في صحيحيهما عن ابن مسعود  قال: “كنا إذا صلينا خلف النبي قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلانٍ وفلان، فالتفت إلينا رسول الله فقال: إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها، أصابت كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [1].

المعاني التي تضمَّنها دعاء التشهد

وهذا دعاءٌ عظيمٌ يقوله كل مسلمٍ في كل صلاةٍ يصليها، من فريضة أو نافلةٍ، ويحسن بنا أن نقف مع المعاني التي تضمَّنها هذا الدعاء:

فعندما يقول المصلي: التحيات لله، التحيات: جمع تحيَّة، والتحية: هي التعظيم، فكل لفظٍ يدل على التعظيم فهو تحية، و(أل) مفيدةٌ للعموم، وجُمِعت لاختلاف أنواعها، وأما أفرادها فلا حد لها، فهي تعني كل نوعٍ من أنواع التحيات، فهو لله .

واللام هنا للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحق التحيات على الإطلاق إلا الله ​​​​​​​، ولا أحد يُحيّا على الإطلاق إلا الله .

وأما إذا حيَّا إنسانٌ إنسانًا على سبيل الخصوص فلا بأس به، فلو قلت لإنسان: لك تحياتي، أو: مع التحية، فلا بأس بذلك، يقول الله : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، ولكن التحيات على سبيل العموم والكمال، لا تكون إلا لله .

وقولنا: والصلوات، أي: لله سبحانه، وهو شاملٌ لكل ما يطلق عليه صلاةٌ شرعًا أو لغةً، فالصلوات كلها لله تعالى حقًّا واستحقاقًا، لا أحد يستحقها، وليست حقًّا لأحدٍ سوى الله ، والدعاء أيضًا حقٌ واستحقاقٌ لله سبحانه، كما قال : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، فكل الصلوات فرضها ونفلها لله سبحانه، وكل الأدعية لله .

المقصود بالطيبات

وقولنا: والطيبات.. الطيبات لها معنيان:

  • المعنى الأول: ما يتعلق بالله تعالى.
  • المعنى الثاني: ما يتعلق بأفعال العباد.

أما ما يتعلق بالله تعالى: فلله من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، يقول النبي : إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا [2]، فلا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتصف إلا بالطيب، وهو طيبٌ في كل شيءٍ: في ذاته، وصفاته، وأفعاله.

وله من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب، فإن الطيب لا يليق به إلا الطيب، ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26].

فالله سبحانه له الأوصاف العليا، وله المثل الأعلى، فلا يـمكن أن يكون في أوصافه، أو أفعاله، أو أقواله، ما ليس بطيب، بل كل أفعاله وأقواله وصفاته، كلها طيبة.

وأما ما يصدر من الخلق: فمنه ما هو طيبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، والذي يصعد إلى الله تعالى ويُرفع إلى الله الطيب: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وأما ما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، ولا يصعد إلى السماء.

ثم في قول المصلي: السلام عليك أيها النبي، السلام: اسم مصدر: سَلَّم، بـمعنى: التسليم، كما قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، فمعنى التسليم على الرسول : أننا ندعو له بالسلامة من كل آفةٍ.

كيف ندعو للنبي بالسلامة وقد مات؟

فإن قال قائل: هذا الدعاء يكون في حياته عليه الصلاة والسلام واضحًا، ولكن بعد مـماته.. كيف ندعو له بالسلامة وقد مات؟

فالجواب: ليس الدعاء بالسلامة مقصورًا في حال الحياة، فهناك أهوالٌ يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام عند العبور على الصراط: اللهم سَلِّم.. اللهم سلِّم [3]، فلا ينتهي المرء من المخاوف والآفات بـمـجرَّد موته.

وقال بعض أهل العلم: إن السلام عليه يشمل كذلك السلام على شرعه وسنته، وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين، كما قال العلماء في قول الله سبحانه: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، قالوا: الرد إليه يكون في حياته، ويكون إلى سنته بعد وفاته.

وعندما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي، هو دعاءٌ تدعو بأن الله تعالى يُسلِّمُه، فهو خبرٌ بـمعنى الدعاء، وهذا خطابٌ للنبي ، وهو ليس كخطاب الناس بعضهم بعضًا؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت الصلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصح فيها شيءٌ من كلام الآدميين، ولأنه لو كان كذلك لجهر به الصحابة، حتى يسمع النبي ، ولرد عليه الصلاة والسلام كما كان كذلك عند ملاقاتـهم إياه.

ولكن هذا هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه القيِّم (اقتضاء الصراط المستقيم)، قال: “لقوة استحضارك للرسول عليه الصلاة والسلام حين السلام عليه، كأنه أمامك تخاطبه، ولهذا كان الصحابة  يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلدٍ، وهو في بلدٍ آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلدٍ غير بلده، وفي عصرٍ غير عصره”.

وأما ما جاء في (صحيح البخاري) عن ابن مسعودٍ : “أنَّـهم كانوا يقولون بعد وفاة النبي : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته”، فهذا اجتهادٌ منه ، وهو من اجتهاداته التي خالفه فيها من هو أعلم منه، ومنهم عمر بن الخطاب ، فإنه خطب الناس على منبر رسول الله ، وعلم الناس التشهُّد، وعلمهم أن يقولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”، كما روى ذلك الإمام مالكٌ في (الموطأ) بسندٍ صحيح، وقال ذلك عمر بـمحضرٍ من الصحابة ، وأقروه على ذلك.

ثم إن النبي علمه أمته، حتى إنه كان يعلم ابن مسعود وكفُّه بين كفَّيْه، من أجل أن يستحضر هذا اللفظ، وكان يعلمهم إياه، كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو عليه الصلاة والسلام يعلم بأنه سوف يـموت، ولـم يقل: بعد موتي قولوا: السلام على النبي، بل علمهم التشهُّد كما يعلمهم السورة من القرآن بلفظها.

وعندما نقول: أيها النبي، هذا منادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبي.

ورحمة الله: الرحمة معطوفة على السلام، والمعنى: ورحمة الله عليك، والرحمة إذا قرنت بالمغفرة أو بالسلام، فالمراد بـها ما يحصل به المطلوب، ويكون المراد بالمغفرة والسلام ما يزول به المرهوب، وأما إن أُفرِدت الرحمة، شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت للنبي بالسلام، دعوت له بالرحمة، ليزول عنه المرهوب، ويحصل له المطلوب.

وإنـما بدئ بالسلام قبل الرحمة، لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، فالتخلية: السلامة من النقائص، والتحلية: ذكر الأوصاف الكاملة، فنبدأ بطلب السلامة أولًا، ثم بطلب الرحمة.

وبركاته: جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت، وأصلها من بركة الماء، وهي: مجتمع الماء الكثير الثابت، والبركة: هي النماء والزيادة في كل شيءٍ من الخير.

والبركات التي للنبي كثيرةٌ في حياته وبعد مـماته:

أما في حياته: ففي عمله، وفي طعامه، وكسوته، وأهله، وغير ذلك.

وأما البركة بعد موته: فبكثرة أتباعه عليه الصلاة والسلام، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل عملٍ صالحٍ يفعله أتباعه، فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة.

أيها الإخوة! ونستكمل شرح هذا الدعاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 831، ومسلم: 402.
2 رواه مسلم:1015.
3 رواه البخاري: 806، ومسلم: 182.

مواد ذات صلة