الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(124) أوقات النهي عن الصلاة- بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس
|

(124) أوقات النهي عن الصلاة- بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس

مشاهدة من الموقع

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

تتمة أوقات النهي عن الصلاة

كان الحديث في الحلقة السابقة عن أوقات النهي عن الصلاة، وقد ذكرنا أنها خمسة أوقات.

وتحدثنا عن الوقت الأول منها، والذي يبتدأ منها من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الوقت الثاني الذي يبتدئ من طلوع الشمس حتى قيد رمح، وابتدأنا الحديث عن:

ثالثًا: حين يقوم قائم الظهيرة

الوقت الثالث: الذي يكون قُبَيل الزوال، حين يقوم قائم الظهيرة. فأقول وبالله التوفيق:

حكم صلاة الجمعة وقت الزوال

ذهب بعض العلماء إلى استثناء يوم الجمعة، فقالوا: يوم الجمعة ليس فيه وقت نـهيٍ عند منتصف النهار، حين يقوم قائم الظهيرة، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام الشافعي، والقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، والأوزاعي، وهو قولٌ في مذهب الحنابلة.

وقد اختار هذا القول جمعٌ من المـحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهم الله تعالى.

واستدل أصحاب هذا القول لاستثناء يوم الجمعة من النهي عن الصلاة عند منتصف النهار، بـما جاء في (صحيح البخاري) عن سلمان الفارسي  قال: قال رسول الله : لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة، ويتطهَّر ما استطاع من طُهْرٍ، ويدَّهن من دهنه، أو يَـمَسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرِّق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى [1].

ووجه الدلالة: أن النبي استحبَّ التبكير للجمعة، ورغَّب في صلاة النافلة إلى خروج الإمام لصلاة الجمعة، وقد كان النبي لا يخرج للجمعة إلا بعد الزوال، كما جاء في (صحيح البخاري) عن أنسٍ : “أن النبي كان يصلي الجمعة حين تـميل الشمس” [2]، وكما جاء في (صحيح مسلمٍ) عن سلمة بن الأكوع  قال: “كنا نُـجمِّع مع رسول الله إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّع الفيء” [3].

فدل ذلك على أن هذا الوقت أعني منتصف النهار يوم الجمعة ليس بوقت نـهي؛ إذ لو كان وقت نـهيٍ؛ لَمَا أجاز النبي ، بل رغَّب في صلاة النافلة إلى خروج الإمام.

قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله: “النهي عن الصلاة عند استواء الشمس صحيحٌ، إلا أنه خُصَّ منه يوم الجمعة بـما رُوي من العمل المستفيض في المدينة في زمن عمر وغيره، من الصلاة يوم الجمعة حتى يخرج عمر، وبـما روي في ذلك مـمَّا يعضِّد العمل المذكور.

قال: والعمل في مثل ذلك لا يكون إلا توقيفًا”.

وقد انتصر الإمام ابن القيم رحمه الله لهذا القول في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) وأسوق لك كلامه حول هذه المسألة، قال رحمه الله في خصائص يوم الجمعة:

“الحادية عشرة -أي: من خصائص يوم الجمعة-: أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال، عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولـم يكن اعتماده على حديث ليثٍ، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي : “أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تُسجَّر إلا يوم الجمعة” [4].

أي: لَـم يكن اعتماده على هذا الحديث لضعفه، وإنـما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام.

وفي الحديث الصحيح: لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهرٍ، ويدَّهِن من دهنه، أو يـمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرِّق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى [5]، رواه البخاري.

فندبه إلى صلاة ما كُتِب له، ولـم يـمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام؛ ولهذا قال غير واحدٍ من السلف، منهم عمر بن الخطاب ، وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: “خروج الإمام يـمنع الصلاة، وخطبته تـمنع الكلام” فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام، لا انتصاف النهار”.

قال: “وأيضًا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يـمكنه أن يخرج ويتخطَّى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يُشرَع له ذلك”.

قال: “وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود: هو مرسلٌ؛ لأن أبا الخليل لَـم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عملٌ وعضده قياسٌ أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، عُمِل به”، ثم ذكر رحمه الله شواهد أخرى، ثم قال: “وإذا انضمَّت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة، قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة، والصلاة إلى خروج الإمام، قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعي موجودٌ في الأحاديث الصحيحة، وهو: أن النبي رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء؛ وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أُبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء، وطاوس والحسن ومكحول”.

رابعًا: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس

ويدل لذلك: ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري : أن النبي قال: لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس [6].

ولِمَا جاء في الصحيحين عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “أن النبي نـهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب” [7] ولِمَا جاء في (صحيح مسلمٍ) من حديث عمرو بن عَبَسة ، وفيه: أن النبي قال: فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودةٌ محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقْصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس [8].

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “النهي عن الصلاة بعد العصر مُتعلقٌ بفعلها، فمن لَـم يصلِّ العصر أبيح له التنفُّل وإن صلى غيره، ومن صلى فليس له التنفُّل وإن صلى وحده، لا نعلم في ذلك خلافًا عند من منع الصلاة بعد العصر، ولو جمع بين الظهر والعصر جمع تقديمٍ، ابتدأ وقت النهي في حقِّه بعد الفراغ منهما”.

خامسًا: حين تشرع الشمس في الغروب حتى تغرب

من أوقات النهي عن الصلاة: من حين شروع الشمس في الغروب إلى تكامله، وذلك: أن قرص الشمس إذا دنا من الغروب يبدو ظاهرًا كبيرًا، فإذا بدا أوله يغيب، فهذا هو وقت النهي المقصود هنا، حتى يتكامل غروبه.

ويدل لذلك: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : إذا طلع حاجب الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس، فأخروا الصلاة حتى تغيب [9].

وفي (صحيح مسلمٍ) من حديث عمرو بن عبسة : أن النبي قال: ثم أقْصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنـها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار [10].

وقال بعض أهل العلم: إن هذا الوقت مقابلٌ لوقت طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، فكذلك ينبغي أن يكون هذا الوقت بقدر ما يبقى على غروبـها قيد رمح، وسبق تقدير هذا بنحو عشر دقائق، وعليه فيكون هذا الوقت إذا بقي على غروبـها عشر دقائق حتى تغرب.

ويدل لذلك: ما جاء في (صحيح مسلمٍ) عن عقبة بن عامرٍ  قال: “ثلاث ساعات كان رسول الله ينهانا أن نصلي فيهنَّ، أو أن نقبر فيهنَّ موتانا -وذكر منها-: حين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب” [11]، ومعنى تَضيَّف، أي: تـميل.

هذه هي أوقات النهي على سبيل التفصيل، وسنلقي الضوء لاحقًا إن شاء الله على أبرز الأحكام المتعلقة بـها؛ فإلى الملتقى في ذلك الحين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 5 رواه البخاري: 883.
2 رواه البخاري: 904.
3 رواه مسلم: 860.
4 رواه أبو داود: 1083.
6 رواه البخاري: 1864، ومسلم: 827.
7 رواه البخاري: 581، ومسلم: 826.
8, 10 رواه مسلم: 832.
9 رواه البخاري: 583، ومسلم: 829.
11 رواه مسلم: 831.

مواد ذات صلة