الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(125) أوقات النهي عن الصلاة- الحكمة من النهي
|

(125) أوقات النهي عن الصلاة- الحكمة من النهي

مشاهدة من الموقع

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

الحكمة من النهي عن الصلاة في أوقات النهي

حين يقوم قائم الظهيرة قبيل الزوال

أما حين يقوم قائم الظهيرة قُبَيل الزوال، فقد جاء في (صحيح مسلمٍ) من حديث عمرو بن عبسة : أن النبي قال: «ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودةٌ محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذٍ تُسْجَر جهنَّم» [1]، فأشار إلى الحكمة من النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وهي: أنه وقتٌ تُسْجَر فيه جهنم، أعاذنا الله تعالى منها.

قال النووي رحمه الله: “ومعنى تسجر جهنم، أي: يُوقَد عليها إيقادًا بليغًا”.

عند طلوع الشمس وعند غروبها

وأما عند طلوع الشمس وعند غروبها: فقد جاء في (صحيح مسلمٍ) من حديث عمرو بن عَبَسَة  : أن النبي   قال: «صلِّ الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنـها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنـها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» [2].

وجاء في (صحيح مسلمٍ) أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال: «لا تَحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبـها، فإنـها تطلع بقرني شيطان» [3].

فأشار عليه الصلاة والسلام إلى الحكمة من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبـها: وهي مشابـهة المشركين، فإنـهم يسجدون للشمس عند طلوعها، وعند غروبـها.

قال النووي رحمه الله: “المراد بقرني الشيطان، قيل: حزبه وأتباعه، وقيل: قوَّته وغلبتُه وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحية الرأس، وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. 

قال: ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار، كالساجدين له في الصورة، وحينئذٍ يكون له ولبنيه تسلُّطٌ ظاهرٌ، وتـمكُّنٌ من أن يلبسوا على المصلين صلاتـهم، فكُرِهت الصلاة حينئذٍ صيانةً لها، كما كُرِهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان”.

من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس

وأما النهي عن الصلاة من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وعن الصلاة من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، فمن باب سدِّ الذريعة، فإنه لو أُذِن للإنسان أن يصلي بعد صلاة الصبح لربَّـما استمرت به الحال إلى أن تطلع الشمس عليه وهو يصلي، فيقع في مشابـهة المشركين، وهكذا لو أذن له في الصلاة من بعد صلاة العصر لربَّـما استمرَّت به الحال إلى أن تغرب عليه الشمس وهو يصلي، فيقع في مشابـهة المشركين، لا سيما مـمن له رغبةٌ في الخير، فإنه ربَّـما لقوة محبته للصلاة، ورغبته في الخير استمرَّت به الحال إلى أن يصلي وقت شروقِ الشمس، أو وقت غروبـها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في بيان حكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، قال: “النهي إنـما كان لسدِّ الذريعة، فإن الصلاة ليس في نفسها مفسدةٌ تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب، يقارن الشيطان الشمس، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، فالمصلي حينئذٍ يتشبَّه بـهم في جنس الصلاة، فهو يشبههم في الصورة، فنُهِي عن الصلاة في هذين الوقتين سَدًا للذريعة، حتى ينقطع التشبُّه بالكفار، ولا يتشبَّه بـهم المسلم في شركهم.

قال رحمه الله: والأصل في النهي أنه عند طلوع الشمس وعند غروبـها، ولكن نُـهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وعند صلاة العصر سدًّا للذريعة، فإن المتطوِّع قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب”.

وأشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى حكمةٍ أخرى للنهي عن الصلاة في هذه الأوقات عمومًا، وهي: إجمام النفوس وتنشيطها حتى تُقْبِل بعد وقت المنع بنشاطٍ ورغبةٍ.

قال رحمه الله: “والنهي عن الصلاة في بعض الأوقات فيه مصالح أخر، من إجمام النفوس في بعض الأوقات من ثقل العبادة، كما يحصل الإجمام بالنوم وغيره؛ ولهذا قال معاذٌ: “إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي”، ومن تشويقها وتحبيب الصلاة إليها إذا مُنِعت منها وقتًا، فإنه يكون أنشط وأرغب فيها، فإن العبادة إذا خُصَّت ببعض الأوقات؛ نشطت النفوس لها أعظم مـمَّا تنشط للشيء الدائم، فإن الشيء الدائم تسأَمُ منه النفس، وتَـمَلُّ وتضجر، فإذا نُـهي عنه في بعض الأوقات؛ زال ذلك الملل”. 

هذا بعض ما ظهر من وجوه الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وقد يكون هناك حكمٌ أخرى لَـم تظهر لنا، والمسلم على يقينٍ بأن الشارع لا يأمر بشيءٍ إلا لحكمةٍ، ولا ينهى عن شيءٍ إلا لحكمة، وحكم الله ورسوله هو حكمة الحِكَم، وهو غاية الحِكَم.

ومـمَّا سبق يتبيَّـن أن النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر: أنه أخف من النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبـها؛ لأن النهي عن الصلاة وبعد صلاة العصر من باب سد الذريعة؛ ولِئلا تستمر الحال بالمصلي، فتقع الصلاة منه وقت الطلوع ووقت الغروب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر، أخف من النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبـها؛ ولهذا كان النبي يداوم على الركعتين بعد العصر حتى قبضه الله تعالى”.

أقسام أوقات النهي

وبـهذا يـمكننا تقسيم أوقات النهي عن الصلاة إلى قسمين:

  • الأول: أوقات النهي التي يكون النهي فيها شديدٌ، وهي: وقت طلوع الشمس، ووقت غروبـها، وحين يقوم قائم الظهيرة قُبَيل الزوال.
  • الثاني: أوقات النهي التي يكون النهي فيها أخف، وهي من بعد صلاة الفجر، ومن بعد صلاة العصر. 

وتجتمع أوقات النهي التي النهي فيها شديد بقِصَر أوقاتـها؛ فإن أوقات النهي في كلٍّ منها لا يتجاوز عشر دقائق، كما سبق بيان ذلك، وتجتمع كذلك: في أنه لا يجوز دفن الأموات فيها.

ويدل لذلك: ما جاء في (صحيح مسلمٍ) عن عقبة بن عامرٍ الجهني قال: “ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله  ينهانا أن نصلي فيهنَّ، أو أن نقبر فيهنَّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تـميل الشمس، وحين تَضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب”.

والنهي عن دفن الموتـى إنـما ورد في القسم الأول، وهو: أوقات النهي والتي يكون النهي فيها شديدًا: عند طلوع الشمس، وعند غروبـها، وحين يقوم قائم الظهيرة قُبَيل الزوال.

وأما دفن الموتى في الأوقات التي النهي فيها أخف، وهي: من بعد صلاة الفجر، ومن بعد صلاة العصر، فلم يرد فيه نـهي؛ ولهذا نقول: لا بأس بدفن الموتى بعد صلاة العصر، وبعد صلاة الفجر.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لِمَا يرضيه، وأن يعيننا على طاعته، وأن يرزقنا الفقه في الدين.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 2 رواه مسلم: 832.
3 رواه مسلم: 828.

مواد ذات صلة