الرئيسية/برامج إذاعية/أحاديث إذاعية/صلاة الاستسقاء آداب وأحكام
|

صلاة الاستسقاء آداب وأحكام

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أحكام صلاة الاستسقاء

صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليه سُنة مؤكدة؛ لأن النبي فعلها، وكذا خلفاؤه الراشدون من بعده.

وقد كان النبي إذا استسقى ما إن ينزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته.

حكم الاستسقاء بالصالحين

وفي عهد عمر بن الخطاب في السنة الثامنة عشرة من الهجرة أصاب الناس قحط شديد، فدعا عمرُ العباسَ بن عبدالمطلب ، وطلب منه أن يستسقي بالناس، وقال: “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا” [1].

ومراده بالتوسل هنا: طلب الدعاء، فقد كان النبي في حياته إذا أصاب الناس قحط طلبوا منه أن يدعو الله تعالى لهم بالسقيا، فيدعو فيسقون، وبعد وفاة النبي طلب الصحابة من العباس أن يستسقي لهم.

وجاء في بعض الروايات: أن العباس لما استسقى بالناس، قال: “اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك؛ لمكاني من نبيك، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث”، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض.

وفي عهد معاوية بن أبي سفيان قحط الناس فخرج معاوية  يستسقي بالناس، فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود؟! فقام يزيد فطلب منه معاوية  أن يستسقي بالناس، فاستسقى ودعا، فثارت سحابة مثل الترس، وهب لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم.

ومن هنا فقد ذكر كثير من أهل العلم: أنه يستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، وعلى هذا كان المسلمون وأئمتهم يستسقون بدعاء الصالحين في حياتهم، بل في تراجم بعض الرواة يوصفون بأنهم يستسقى بهم.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله: “حدثنا رجلان صالحان يستسقى بهما: ابن عجلان، ويزيد بن يزيد بن جابر”.

وقد بوَّب ابن حبان رحمه الله في صحيحه بقوله: “باب ذكر ما يستحب للإمام إذا أراد الاستسقاء أن يستسقي بالصالحين؛ رجاء الدعاء لذلك”.

والمراد أن يطلب من الصالحين أن يستسقوا، وأن يدعوا الله ​​​​​​​ بنزول الغيث؛ لأنهم أقرب إلى إجابة الدعاء.

حكم خروج الشيوخ والعجائز في الاستسقاء

واستحب بعض العلماء خروج الشيوخ والعجائز؛ لأنهم أقرب للإجابة، وكذا الصبيان الذين لا ذنوب عليهم.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ويخرج معه أهل الدين والصلاح والشيوخ؛ لأنه أسرع للإجابة”.

وقد روي أن الناس أصابهم القحط في زمن طارق بن زياد، فخرج بالناس ومعهم الشيوخ والعجائز والصبيان، وأخرج معهم البهائم، وجعلوا يدعون الله تعالى ويتضرعون ويبكون حتى سقوا.

وفي مصنف عبدالرزاق وسنن الدارقطني: “أن سليمان عليه السلام خرج يستسقي فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، قال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم”.

حكم إخراج البهائم في الاستسقاء

وقال باستحباب إخراج البهائم في صلاة الاستسقاء: القاضي أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة.

ويرى بعض أهل العلم: أنه غير مستحب؛ لأن النبي لم يفعله، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك، والله تعالى أعلم.

متى تؤدى صلاة الاستسقاء؟

والسُّنة أن تؤدى صلاة الاستسقاء بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق؛ لأن هذا هدي النبي، فقد أخرج أبو داود رحمه الله في سننه بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي خرج للاستسقاء حين بدا حاجب الشمس”.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع فلا يخاف فواتها، والأولى فعلها في وقت صلاة العيد”.

وبناء على هذا نقول: إن السنة أن تؤدى صلاة الاستسقاء بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق إلى ربع ساعة، ولكن لو أخرت فأديت صلاة الاستسقاء مثلًا في الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة، فلا بأس بذلك، والأمر في هذا واسع، وقد نقل الموفق رحمه الله اتفاق العلماء على ذلك.

صفة صلاة الاستسقاء

وصفة صلاة الاستسقاء كصفة صلاة العيد، فيكبِّر في الأولى ستًا بعد تكبيرة الإحرام، ويكبر في الثانية خمسًا بعد تكبيرة الانتقال، ويجهر بالقراءة في الركعتين، والسنة أن تكون الخطبة واحدة يكثر فيها من الاستغفار.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “يستحب أن يكثر في خطبته من الاستغفار، والصلاة على النبي ، وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار؛ كقول الله تعالى: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [هود:52]، وكقوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح:10-11].

ولأن الاستغفار سبب لنزول الغيث بدليل الآيات السابقة، والمعاصي سبب لانقطاع الغيث، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي.

ويكثر من الدعاء رافعًا يديه.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: “باب رفع الإمام يديه في الاستسقاء”.

ثم ساق بسنده عن أنس بن مالك قال: “كان النبي لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه” [2].

وفي صحيح مسلم عن عبَّاد بن تميم المازني: أنه سمع عمه، وكان من أصحاب النبي يقول: “خرج رسول الله يستسقي فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه ثم صلى ركعتين” [3].

تحويل الرداء عند الاستسقاء

والسُّنة إذا أراد أن يدعو في الخطبة أن يحول رداءه.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: “باب تحويل الرداء في الاستسقاء، ثم ساق بسنده عن عبدالله بن زيد : “أن النبي استسقى فقلب رداءه”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “المعنى قلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه مالك في روايته، ولفظ: وحول رداءه حين استقبل القبلة، ولمسلم: أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه [4]”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “فعُرِف بذلك أن التحويل واقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء”.

وصفة التحويل: أن يجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه.

قال النووي رحمه الله: “والتحويل شرع تفاؤلًا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته”.

ويرى بعض العلماء: أن التحويل خاص بالإمام فقط، ولكن جماهير العلماء على استحباب تحويل الناس كذلك.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “قال الليث وأبو يوسف يحول الإمام وحده، واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عبَّاد بلفظ: وحول الناس معه”.

وهل تحول المرأة عباءتها في صلاة الاستسقاء؟

قال سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله: “إذا كانت المرأة تتكشف عند تحويلها للرداء في صلاة الاستسقاء والرجال ينظرون إليها فإنها لا تفعل؛ لأن قلب الرداء سُنة والتكشف أمام الرجال فتنة ومحرم؛ وأما إذا كانت لا تتكشف فالظاهر أن حكمها حكم الرجل؛ لأن هذا هو الأصل وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه”.

حكم الاستسقاء مع عدم الحاجة للأمطار

ومن أحكام صلاة الاستسقاء: أنهم إذا سقوا قبل خروجهم لصلاة الاستسقاء لم تشرع في حقهم صلاة الاستسقاء ولا حاجة للخروج حينئذ.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “فإن تأهبوا فَسُقُوا قبل خروجهم لم يخرجوا، وشكروا الله تعالى وحمدوه على نعمته، وسألوه المزيد من فضله”.

وهكذا عند عدم وجود القحط، وإنما المراد طلب الاستزادة من مياه الأمطار فإن صلاة الاستسقاء تكون غير مشروعة على الصفة الواردة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، والنبي إنما استسقى عند وجود القحط.

وبهذا يعلم أنه ليس من السُّنة أن يستسقي خطيب الجمعة في كل خطبة، وإنما يستسقي عند وجود الخطب وجدب الأرض.

أسأل الله تعالى أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأن يغيث بلاد المسلمين بالغيث النافع المبارك، وأن يسقينا سقيا رحمة، وأن ينزل لنا من بركات السماء، وأن يخرج لنا من بركات الأرض.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1010.
2 رواه البخاري: 1031، ومسلم: 895.
3 رواه مسلم: 894.
4 رواه البخاري: 1028، ومسلم: 894.

مواد ذات صلة