الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(182) أحكام الزكاة- زكاة الدخل الشهري وزكاة الديون
|

(182) أحكام الزكاة- زكاة الدخل الشهري وزكاة الديون

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الزكاة، وسوف أتحدث معكم في هذه الحلقة عن جملة من المسائل المتعلقة بالزكاة، وأبتدئ الحديث بمسألة زكاة الدخل الشهري، فأقول وبالله التوفيق:

زكاة الدخل الشهري

إذا كان الإنسان لا يدّخر من مرتّبه شيئًا فلا زكاة عليه، وأما إذا كان يدّخر شيئًا من مرتبه، فيجب عليه أن يزكي ما يدّخره، وله في ذلك طريقتان:

  • الأولى: أن يُحصي كل ما ادّخره ويزكي ما حال عليه الحول منه.
  • الثانية: أن يحدد له تاريخًا معينًا في السنة يُخرِج فيه جميع ما في رصيده من المال، سواءٌ حال عليه الحول أو لم يحل عليه الحول، فما حال عليه الحول فظاهر، وما لم يحل عليه الحول فيزكيه بنيّة تعجيل الزكاة، وتعجيل الزكاة لا بأس به، وقد تعجَّل النبي زكاة عمه العباس لعامين؛ وهذه الطريقة أيسر من الطريقة الأولى وأضبط وأحوط، وبهذه الطريقة لن ينظر الإنسان في رصيده إلا مرّة واحدة في السنة.

مثال ذلك: رجلٌ يدّخر نهاية كل شهرٍ جزءًا من مرتبه، وحدد بداية شهر رمضان موعدًا لإخراج زكاة ماله، فنقول: انظر إلى ما في رصيدك في هذا التاريخ، وزكِّ جميع ما في الرصيد، وما لم يحل عليه الحول تنوي تعجيل زكاته، والله تعالى أعلم.

زكاة الديون

الديون إما أن تكون مترتِّبةً في ذمة الإنسان أو تكون للإنسان في ذمم الآخرين.

أما المسألة الأولى: وهي الديون المترتبة في ذمة الإنسان: هل لها أثرٌ في منع وجوب الزكاة؟

أما إذا كانت الديون لا تُنقِص النصاب فإنها لا تمنع من وجوب الزكاة باتفاق العلماء، كما لو كان عند رجلٍ مائة ألف ريال مثلًا، وعليه دينٌ بعشرة آلاف ريال، فتجب الزكاة في المائة ألف إذا حال عليها الحول ولا أثر للدين على وجوب الزكاة.

حكم الزكاة في الديون إذا كانت تنقص النصاب

أما إذا كانت الديون تُنقِص النصاب، كما لو كان عند رجلٍ مائة ألف ريال وحال عليها الحول، وعليه دينٌ بمائة ألف ريال أو أكثر، فهل تجب الزكاة عليه في هذه الحال؟

اختلف العلماء في هذه المسألة:

  • فمنهم من قال: إن الدين يمنع وجوب الزكاة في هذه الحال، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
  • ومن أهل العلم من قال: إن الدين لا يمنع من وجوب الزكاة، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
  • ومن العلماء من قال: إن الدين يمنع من وجوب الزكاة في الأموال الباطنة دون الظاهرة، وهذا هو مذهب المالكية.

والأقرب في هذه المسألة والله أعلم: أن الدين لا يمنع من الزكاة مطلقًا؛ لأنه ليس هناك دليلٌ ظاهرٌ يدل على أن الدين يمنع الزكاة، والأصل هو وجوب الزكاة في كل ما بلغ النصاب، وقد كان النبي يبعث عُمّاله بقبض الزكوات من أصحاب المواشي ومن أصحاب الثمار، ولا يأمرهم بالاستفصال هل عليهم ديونٌ أم لا، مع أن الغالب أن أهل الثمار في عهد النبي عليهم ديون؛ لأن من عادتهم أنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فيكون صاحب البستان عليه سلفٌ أي دينٌ ومع ذلك فقد كان النبي يخرص عليهم ثمارهم ويزكّونها.

ولأن الزكاة إنما تجب في المال؛ لقول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، ولم يقل: خذ منهم، ولقول النبي لمعاذٍ لما بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم [1]، وأما الدين فإنما يجب في الذمة لا في المال، فالجهة حينئذٍ منفكّة ولا تعارض بين وجوب الزكاة على الإنسان مع ترتُّب الدين في ذمته؛ لأن الزكاة إنما تتعلّق بعين المال بينما الدين يتعلق بالذمة.

وقد اختار هذا القول سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله، قال رحمه الله: “يجب على من لديه مالٌ زكوي أن يؤدي زكاته إذا حال عليه الحول، ولو كان عليه دينٌ في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة على من لديه مالٌ وحال عليه الحول؛ ولأن النبي كان يأمر عمّاله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة، ولم يأمرهم أن يسألوهم هل عليهم دينٌ أم لا، ولو كان الدين يمنع الزكاة لأمر النبي عُمّاله أن يستفسروا من أهل الزكاة، والله ولي التوفيق”.

حكم زكاة الدين الذي في ذمم الآخرين

وأما المسألة الثانية: وهي زكاة الدين الذي يكون للإنسان في ذمم الآخرين، كأن يكون لك في ذمة زيدٍ من الناس مائة ألف ريال مثلًا، فهل يجب عليك أنت أيها الدائن أن تزكيها؟

اختلف العلماء في هذه المسألة:

  • ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب زكاة الدين عند قبضه لما مضى من السنين، وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
  • وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا تجب الزكاة في الدين إلا إذا قبضه فيزكيه لسنة واحدة فقط، وهذا هو مذهب المالكية.
  • وذهب آخرون إلى التفصيل في زكاة الدين؛ فإن كان الدين على مليءٍ باذلٍ فيجب على الدائن أن يزكّيه إذا قبضه عن كل عام، ومعنى كونه مليئًا، أي غير مُعْسِر، ومعنى كونه باذلًا، أيْ غير مماطل؛ أما إذا كان الدين على معسرٍ أو على مماطلٍ فلا زكاة فيه، وهذا القول رواية عند الحنابلة، وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحم الله تعالى الجميع، وهذا القول هو الذي أقرّه مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

وهذه المسألة، أعني زكاة الدين، ليس فيها نصٌ من الكتاب أو السنة، وقد تعددت فيها الآثار عن الصحابة والتابعين، ومبناها على النظر والتعليل، وقد انبنى الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في قاعدةٍ وهي: هل يُعطى المال الذي يمكن الحصول عليه صفة الحاصل؟

والأقرب في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثالث؛ وهو القول بالتفصيل، وهو أنه إذا كان المدين مليئًا باذلًا بحيث لو طلب الدائن حقه في أي وقتً أدّاه المدين؛ فتجب الزكاة على الدائن في هذه الحال إذا قبض الدين عن كل عام؛ لأن هذا الدين وإن كان في ذمة المدين إلا أنه في حكم المال الذي بيده.

وأما إذا كان الدين على معسرٍ أو مماطلٍ فإن هذا الدين مدة بقائه عند المدين غير تام، ولا سبيل إلى الانتفاع به والتصرُّف فيه؛ فملكه غير تامٍ أشبه المملوك لغيره، وقاعدة الشريعة: أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية أو القابلة للنماء، والدين على المعسر أو المماطل لا سبيل إلى تنميته، ولأنه إذا كانت الزكاة لا تجب في أموال القنية لقول النبي : ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة [2]، ولكونها غير نامية ولا قابلة للنماء وإنما هي مُسْتَهْلَكةٌ بالاقتناء فلئلا تجب الزكاة في الدين الذي في ذمة المعسر أو المماطل من باب أولى.

قرار مجمع الفقه الإسلامي حول زكاة الديون

وأختم البحث في هذه المسألة بنقل قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في هذه المسألة، حيث جاء فيه:

“إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول زكاة الديون، وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة تبيّن له:

  • أولًا: أنه لم يرد نص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله يفصِّل زكاة الديون.
  • ثانيًا: أنه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم من وجهات نظرٍ في طريقة إخراج زكاة الديون.
  • ثالثًا: أنه قد اختلفت المذاهب الإسلامية بناءً على ذلك اختلافًا بيّنًا.
  • رابعًا: أن الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة هل يُعطى المال الذي يُمكن الحصول عليه صفة الحاصل؟

فقرر ما يلي:

  • أولًا: أنه تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة إذا كان المدين مليئًا باذلًا.
  • ثانيًا: أنه تجب زكاة الدين على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض إذا كان المدين معسرًا أو مماطلًا، والله تعالى أعلم”.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19.
2 رواه البخاري: 1463، ومسلم: 982.

مواد ذات صلة