الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(183) أحكام الزكاة- مسائل في الزكاة
|

(183) أحكام الزكاة- مسائل في الزكاة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الزكاة، وأتحدث معكم في هذه الحلقة عن جملة من المسائل المتعلقة بالزكاة، وأبتدئ الحديث عن مسألة تعلُّق الزكاة بالتركة.

مسائل في الزكاة

حكم من مات وعليه زكاة

فإذا مات رجلٌ أو امرأة وعليه زكاة فإن الزكاة حكمها حكم الدين في أنها تقدَّم على الوصية وعلى الورثة، فلا يستحق صاحب الوصية شيئًا إلا بعد أداء الزكاة، وكذا لا يستحق الوارث شيئًا إلا بعد أداء الزكاة.

فلو افترضنا أن رجلًا لزمه خمسة آلاف ريالٍ زكاة ثم مات ولم يخلِّف سوى خمسة آلاف، فيُصرف هذا المبلغ للزكاة، ولا شيء للورثة؛ وذلك لأن الزكاة دين الله تعالى، وقد قال النبي : اقضوا الله فالله أحق بالوفاء [1].

ولما قسّم الله تعالى المواريث في سورة النساء، قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، وفي الآية الأخرى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12].

وقد أجمع العلماء على أن الدين سواء كان دينًا لله تعالى أو دينًا لآدمي أنه مقدَّمٌ على الوصية وعلى الميراث، والزكاة دين الله تعالى فتقدَّم على الوصية وعلى الميراث.

حكم تسديد دين الميت من الزكاة

ومن مات وعليه دينٌ فهل يجوز أن يُسدَّد دينه من الزكاة؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسدد دين الغارم بعد موته من الزكاة، بل حكاه أبو عبيد وابن عبد البر إجماعًا، ولكن الواقع أن في المسألة خلافًا، وذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك.

والراجح والله أعلم هو ما عليه أكثر العلماء، وهو أنه لا يجوز أن يسدد دين الميت من الزكاة؛ وذلك لأنه لم يثبت أَنَّ النبي قضى ديون من مات من الغرماء من الزكاة، مع أنهم قد يكونون في حاجة إلى ذلك، وكان رسول الله إذا قُدِّم إليه الميّت سأل: هل عليه دين؟ فإن قيل: نعم؛ لم يصلِّ عليه، وإلا صلى عليه [2].

ولما فتح الله عليه الفتوح وكثُر المال كان يقضي الدين من بيت المال، ولو كان قضاء الدين عن الميت من الزكاة مشروعًا لفعله رسول الله ؛ لأن الزكاة كانت قد فُرِضت قبل أن تُفتح الفتوح. فهذا من جهة النقل.

ومن جهة النظر: لو أجزنا ذلك لصُرِفت الزكاة على الأموات وسدد الناس ديون ذويهم وأهليهم، وحُرِم الأحياء من قضاء ديونهم، مع أن قضاء دين الحي أولى من الميت حتى في الصدقة غير الواجبة؛ لأن الحي يذِلُّ بالدين ويتألم، والميت إن كان أخذ المال وهو يريد أداءه فإن الله سبحانه يؤدي عنه، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه يقول النبي : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله [3]، وَقَوْلُهُ: أدى الله عنه أيْ أدّى عنه في الدنيا والآخرة، ومن قضى دين ميت من صدقة التطوُّع فلا بأس بذلك، بل هو مأجورٌ عليه إن شاء الله تعالى، وأما قضاء الدين من الزكاة فلا يجوز في أظهر قولي العلماء، والله تعالى أعلم.

حكم إسقاط الدين بنية احتسابه من الزكاة

ومن المسائل المتعلقة بالزكاة: أنه ليس للدائن أن يُسقِط الدين عن الغريم بنية احتسابه من الزكاة؛ وذلك لأن الواجب على المكلَّف إيتاء الزكاة، وهذا لا يتحقق إلا بأدائها وإخراجها من ماله إلى المستحق، والإبراء من الدين هو مجرد إسقاطٍ وليس أداءً، فلا يجزئ عن الواجب، ولأن المال الذي في ذمة المدين هو أقل قيمة بالنسبة للدائن لأنه ليس في يده فلا يقوم مقام المال الذي في يده، وقد قال الله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267].

وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إسقاط مقدار زكاة الدين عن المدين واحتسابها من الزكاة، دون غيره من الديون أو الأعيان إذا كان المدين مستحقًا للزكاة، وهذا هو قول الحنفية وقولٌ عند الشافعية والحنابلة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ وذلك لأن الزكاة مبناها على المواساة ورب المال بإسقاطه مقدار زكاة الدين عن المدين قد حقق المواساة.

وذلك لأن زكاة الدين هي من جنس الدين ومساوية له في القيمة والمقدار، فإخراج زكاة الدين منه وإسقاط مقداره عن الغريم ليس فيه إخراجٌ للأقل، ثم إن المدين لو رد المال إلى الدائن ثم دفعه الدائن مرة أخرى للمدين على أنه من الزكاة جاز ذلك، فكذلك إذا لم يقبض منه.

وننبِّه هنا إلى أن أصحاب هذا القول إنما يقولون بجواز إسقاط مقدار زكاة الدين فقط عن المدين واحتسابه من الزكاة دون غيره من الأعيان أو الديون الأخرى، وقد حُكي الإجماع على أنه لا يجزئ إسقاط الدين عن زكاة العين.

والحاصل في هذه المسألة: أن المسلم إذا وجبت عليه زكاة فليس له أن يحتسب إسقاط الدين الذي يطالب به آخر، أو إسقاط بعضه ليس له أن يحتسب ذلك من الزكاة، لكن اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجمعٌ من أهل العلم أن له أن يسقط زكاة الدين نفسه عن المدين ويحتسب ذلك من الزكاة.

وأوضِّح هذه المسألة بمثالين:

المثال الأول: رجلٌ وجبت عليه زكاة مقدارها خمسة آلاف ريال مثلاً، ويطلب فلانًا من الناس خمسة آلاف ريال، فليس له أن يسقط الدين عن ذلك المدين بنية احتسابه من الزكاة.

المثال الثاني: رجلٌ يطلب آخر أربعين ألف ريال وحال الحول على ذلك الدين، والمقدار الواجب في زكاة الأربعين ألفًا هو ألف ريال، فهل له أن يسقط الألف ريال من ذمة المدين بنية احتسابها زكاة لذلك الدين؟

الجمهور يمنعون من ذلك، والحنفية يرون جواز ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولعل هذا القول هو الأقرب، والله أعلم.

وبناءً على هذا يكون الدين الباقي في ذمة المدين بعد إسقاط الزكاة عنه يكون في المثال السابق تسعة وثلاثون ألف ريال.

حكم زكاة ما أعد للإيجار

ومن المسائل المتعلقة بالزكاة: أنه لا زكاة فيما أُعدَّ للإيجار من عمارات أو دكاكين تؤجَّر، ولا في طائرات أو سفنٍ تؤجَّر لمن يستخدمها أو يركب فيها الناس أو يحملون فيها أمتعتهم بأجرة، ولا في سيارات أو حافلات أو ناقلات تؤجَّر، أو معدات زراعية أو معدات شركة تؤجَّر، أو معدات حفر أو ورشٍ تؤجَّر، أو أثاثٍ يؤجَّر كأثاث المحلات الذي يؤجَّر في الحفلات… ونحو ذلك مما أُعِدَّ للإيجار، فكل هذه الأشياء لا زكاة فيها؛ لأنها لم تعد للتجارة، وليست معروضة للبيع وإنما تجب الزكاة في أجرتها وفي غلّتها إذا حال عليها الحول.

وقد صدر قرارٌ من مجمع الفقه الإسلامي الدولي في عدم وجوب الزكاة في أصول العقارات والأراضي المؤجَّرة غير الزراعية، وجاء في قرار المجمع:

“إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني، بعد أن استمع لما أُعدَّ من دراسات في موضوع زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية قرر ما يأتي:

  • أولًا: أن الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة.
  • ثانيًا: أن الزكاة تجب في الغلّة وهي ربع العشر بعد دوران الحول مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع”.

وبناءً على هذا فمن كان عنده عمارة يؤجِّرها فلا تجب الزكاة في أصل العمارة وإنما تجب في أجرتها إذا حال عليها الحول، وكذا لو كان عنده سيارات يعمل فيها بالأجرة أو يؤجِّرها للناس فلا زكاة فيها، وإنما الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول، وكذا لو كان عنده مصنعٌ أو ورشةٌ أو مغسلة أو غير ذلك، فلا زكاة فيها وإنما تجب الزكاة في غلّتها إذا حال عليها الحول.

هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1852.
2 رواه البخاري: 2289.
3 رواه البخاري: 2387.

مواد ذات صلة