الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(185) أحكام الزكاة- زكاة البقر والغنم
|

(185) أحكام الزكاة- زكاة البقر والغنم

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

لا يزال الحديث موصولًا عن أحكام الزكاة، وقد تحدثت معكم في الحلقة السابقة عن زكاة بهيمة الأنعام، وابتدأت الحديث عن زكاة الإبل، وأستكمل في هذه الحلقة الحديث عن زكاة البقر والغنم، فأقول وبالله التوفيق:

زكاة البقر والغنم

زكاة البقر قد وردت بها السنة، وسمي البقر بقرًا؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة أيْ تشقُّها، والبقر تشمل البقر المعروفة والجواميس، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا.

والفرق بين الإبل والبقر في باب الزكاة فرقٌ عظيم، ففي الإبل يبدأ النصاب من خمس، بينما في البقر يبدأ النصاب من ثلاثين، مع أنهما في باب الهدي والأضاحي سواء، فكلٌ من البدنة والبقرة يجزئ عن سبعة.

حكم زكاة البقر

وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة في البقر إذا بلغت نصابًا، ويدل لهذا ما جاء في الصحيحين عن أبي ذر  قال: قال رسول الله : ما من صاحب إبلٍ ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها، وتطأه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس [1].

وعن معاذ : “أَنَّ النبي أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» [2]، أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن من طرقٍ يقوي بعضها بعضًا.

نصاب زكاة البقر

وقد دل حديث معاذ  هذا على أن نصاب الزكاة في البقر ثلاثين، فما دون الثلاثين من البقر لا تجب فيه الزكاة إلا إذا نوى به التجارة فإنه يُزكى زكاة عروض التجارة.

وكذلك دل الحديث على أن في كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، وهو ما له سنة ودخل في السنة الثانية، سُمّي بذلك؛ لأنه يتبع أمه.

ودل الحديث كذلك على أن في كل أربعين مُسِنَّة، وهي التي لها سنتان، ويقال لها: الثنية، ثم في كل ثلاثين تبيعٌ وفي كل أربعين مسنّة، ففي خمسين من البقر مسنة، وفي ستين تبيعان أو تبيعتان، وفي سبعين تبيعٌ ومسنَّة، وفي ثمانين مسنتان، وهكذا..

نصاب زكاة الغنم

وأما زكاة الغنم فنصاب الزكاة فيها أربعون، فلا تجب الزكاة فيما دون الأربعين من الغنم إلا أن يعدّها صاحبها للتجارة فتُزكّى زكاة عروض التجارة، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة إلى أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة بعد ذلك في كل مائة شاة؛ شاة.

ففي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه، وفي الأربعمائة أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه، وفي الستمائة ست شياه، وهكذا..

ويُلاحظ أن الفرق ما بين مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسعٍ وتسعين مائة وثمانٌ وتسعون، وهو ما يسمى بالوقْص، وهذا أعلى وقص في زكاة بهيمة الأنعام؛ ما بين مائتين وواحدة وثلاثمائة وتسعٍ وتسعين.

والأُنثى في باب زكاة بهيمة الأنعام أفضل من الذكر؛ لأن الأنثى يُستفاد منها في النسل وفي اللبن ونحو ذلك، بخلاف الذكر، لكن الذكر يجزئ عن الأنثى في ثلاثة مواضع:

  • الأول: في زكاة الإبل يجزئ ابن اللبون مكان بنت المخاض إذا لم يكن عنده بنت مخاض.
  • الثاني: في زكاة البقر يجزئ في ثلاثين من البقر تبيعٌ مكان تبيعة.
  • الثالث: إذا كان النصاب كله ذكورًا فيجزئ أن يُخرج ذكرًا؛ لأن الزكاة إنما تجب على سبيل المواساة، ولا يكلَّف الإنسان أن يخرج شيئًا ليس في ماله.

وقد جاء في كتاب أبي بكر الذي كتبه لأنس: “ولا يُخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسٌ إلا ما شاء المصدِّق”، و”الهرمة”: الكبيرة التي سقطت أسنانها، و “ذات العوار” هي: المعيبة، فلا تؤخذان في الزكاة لكونهما من رديء المال، وقد قال الله ​​​​​​​: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267] أيْ: لا تقصدوا الرديء من المال.

وقوله: “ولا تيسٌ” قيل: لا يؤخذ التيس لنقصه وفساد لحمه، “إلا أن يشاء المصدِّق” بتخفيف الصاد، أيْ الساعي، بأن يكون جميع المال من جنسه، ونحو ذلك.

وقيل: المراد بالتيس هنا فحل الغنم فلا يؤخذ في الزكاة إلا برضا صاحبه، وعلى هذا يكون قوله: “إلا أن يشاء المصَّدِّق” بتشديد الصاد أي المالك، أيْ لا يؤخذ التيس الذي هو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يُحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرارٌ به. وهذا هو الأقرب في معنى الحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “واختُلِف في ضبط المصدق، فالأكثر أنه بالتشديد “المصَّدِّق”، والمراد المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمةٌ ولا ذات عيبٍ أصلًا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يُحتاج إليه.

ما الواجب في إخراج الزكاة؟

والواجب في إخراج الزكاة أن يُخرج من وسط المال، فلا تكون الزكاة من رديء المال كما سبق، ولا تكون كذلك من كرائم المال ونفيسه إلا أن يتبرّع بها صاحب المال؛ لقول النبي لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إياك وكرائم أموالهم [3].

لكن إن تبرّع ربُّ المال بالنفيس والكريم من المال فذلك أعظم لأجره وثوابه عند الله ​​​​​​​، وقد جاء في حديث أُبيُّ بن كعب : “أنَّ النبي  قبِل من رجل ناقة فتيّة سمينة مكان بنت مخاض لما تبرّع بها، ودعا لها النبي بالبركة” أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان؛ بسندٍ حسن.

وجاء في رواية ابن حبان: “أن الله تعالى قد بارك في مال هذا الرجل حتى بلغت إبله في عهد معاوية رضي الله عنه ألفًا وخمسمائة بعير”.

حكم إخراج القيمة في الزكاة

وأختم البحث في زكاة بهيمة الأنعام في مسألة حكم إخراج القيمة في الزكاة، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فأجاب:

“أما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع، وجوّزها في مواضع..

والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوعٌ منه، ولهذا قدّر النبي الجُبران بشاتين أو عشرين درهمًا، ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه متى جوِّز إخراج القيمة مطلقًا فقد يعدل المالك إلى أنواعٍ رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبرٌ في قدر المال وجنسه..

قال: وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة فلا بأس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلَّف أن يشتري ثمرًا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمسٍ من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلَّف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء”.

وقد أخذ بهذا الرأي -الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- مجلسُ هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حيث جاء في قرار المجلس في دورته العشرين:

“إن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر أن الأصل أن تدفع الزكاة من عين المال حسب ما جاءت به النصوص عن النبي في تفصيل الأموال الزكوية، وبيان مقدار الواجب فيها ما أمكن ذلك.

كما قرر المجلس: جواز دفع القيمة في الزكاة إذا شق على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرّةٌ في ذلك، كمن وجبت عليه زكاة الغنم في الإبل وليس عنده غنمٌ ويشق عليه طلبها، وهكذا إذا اقتضت مصلحة الفقراء إخراج القيمة كأن يشق عليهم أخذها من عين المال؛ لكونهم في مكانٍ يشق عليهم أخذها فيه، وكما لو باع الفلاح ثمرته كلها فإنه يجوز أن يُعطي الزكاة من الثمن”.

هذا هو ما تيسر عرضه في هذه الحلقة؛ ونلتقي بكم على خير في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 990.
2 رواه أبو داود: 1576، والترمذي: 623، والنسائي: 2450، وأحمد: 22084، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
3 رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19.

مواد ذات صلة