|

(67) إحياء الموات

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

يتجدد بكم اللقاء في هذا البرنامج، وقد وصلنا في بحثنا لمسائل فقه المعاملات إلى باب إحياء الموات، فنذكر في هذه الحلقة أبرز المسائل المتعلقة بهذا الباب؛ ونبتدئ أولًا بتعريف الموات فنقول:

تعريف الموات

الموات مشتقٌ من الموت، وهي الأرض الدارسة التي لا مالك لها، تسمى: مواتًا، وميتة، وموتانًا.

ويعرّف الفقهاء الموات بأنه: الأرض المنفكّة عن الاختصاصات وملك معصوم.

فيخرج بهذا التعريف شيئان:

  • الأول: ما جرى عليه ملك معصومٍ من مسلم وكافر، بشراءٍ أو هبة ونحو ذلك.
  • الثاني: ما تعلّقت به مصلحة ملك المعصوم، كالطرق ومسايل المياه، أو تعلّقت به مصلحة العامر من البلد، كالبقاع المهيأة لصلاة العيدين والمراعي والمحتطبات ونحو ذلك، فكل ذلك لا يُملَك بالإحياء.

والأصل في إحياء الموات حديث جابر وسعيد بن زيد وعائشة : أن النبي  قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له [1]، أخرجه الترمذي وقال: حديثٌ حسن.

قال الحافظ ابن عبد البر: “هو مسندٌ صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم”.

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي  قال: من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق [2]، أيْ: أحقُّ بها من غيره.

وقد أخرج الطحاوي بسنده أن رجلًا من أهل البصرة أتى عمر بن الخطاب فقال: إن أرضًا بالبصرة لا تضرُّ بأحدٍ من المسلمين، وليست بأرض خراج، فإن شئت أن تقطعنيها أتّخذها قضبًا وزيتونًا، فكتب عمر إلى أبي موسى إن كانت كذلك فأقطعها إياه.

الأمور التي يحصل بها إحياء الموات

ويحصل إحياء الموات بأمور:

  • الأول: إذا أحاطه بحائطٍ منيعٍ مما جرت العادة به؛ لقول النبي : من أحاط حائطًا على أرضٍ فهي له [3]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه من طريق الحسن البصري عن سمرة بن جندب، وقد عنعنه الحسن، وهذه علّةٌ قادحةٌ فيه؛ إذ أنه مدلِّس رحمه الله.

ولكن الحديث قد روي من طريقٍ أخرى عن جابر فيكون شاهدًا لحديث سمرة ويرتقي الحديث بمجموع طرقه إلى درجة الحسن، وهذا الحديث يدل على أن التحويط على الأرض يحصل به إحياء الموات، ويستحق به ملكها.

والمقدار المعتبر في هذا ما يسمى حائطًا في اللغة، أما لو أدار حول الموات أحجارًا ونحوها -كترابٍ أو جدارٍ صغير لا يمنع ما وراءه- فإنه لا يملكها بذلك، ولكنه يكون أحق بإحيائها من غيره.

  • الأمر الثاني مما يحصل به إحياء الموات: إذا حفر في الأرض الموات بئرًا فوصل إلى مائها فقد أحياها، أما إن حفر البئر ولم يصل إلى الماء لم يملكها بذلك، وإنما يكون أحق بإحيائها من غيره؛ لأنه قد شرع في إحيائها.

ويحصل الإحياء كذلك بإيصال الماء إلى الأرض الموات بأي طريق.

الإحياء بما تعارف عليه الناس

وقال بعض أهل العلم: إن إحياء الموات لا يقف عند هذه الأمور، بل يُرجع فيه إلى العُرْف، فما عدّه الناس إحياءً فإنه يُملَك به الأرض الموات، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقد اختاره ابن عقيل الحنبلي، واختاره كذلك الموفق ابن قدامة رحمة الله تعالى على الجميع.

وقال الموفق: “الإحياء ما تعارفه الناس إحياءً؛ لأن الشرع قد ورد بتعليق الملك عليه ولم يبيّنه ولا ذكر كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياءً في العرف، كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز ولم يبيّن كيفيته، كان المرجع فيه إلى العُرْف؛ ولأن النبي لا يعلّق الحكم على ما ليس إلى معرفته طريق، فلما لم يبينه -أيْ لم يبيّن كيفية الإحياء- تعيّن العُرْف طريقًا إلى معرفته..

ثم قال رحمه الله: إذا ثبت هذا فإن الأرض تُحيا دارًا للسكنى وحظيرة ومزرعة، فإحياء كل واحدٍ من ذلك بما تتهيأ به للانتفاع الذي أُريدت له، فأما الدار فبأن يبني حيطانها بما جرت العادة به ويسقفها، وأما الحظيرة فإحياءها بحائط جرت به العادة لمثلها وليس من شرطها التسقيف؛ لأن العادة لم تجر به، وإن أرادها للزراعة فبأن يهيئها لإمكان الزرع فيها”.

وفي الوقت الحاضر وضعت تعليمات من ولاة الأمر بشأن إحياء الموات، قُصِد منها تنظيم هذا الأمر لئلا تقع الفوضى، ولئلا يتعدى بعض الناس على مرافق المسلمين، ويحصل الإضرار بمصالحهم بدعوى إحياء الموات، فينبغي التقيُّد بتلك التعليمات.

وقد نص الفقهاء على أن إمام المسلمين له إقطاع الأرض الموات لمن يحييها؛ لأن النبي أقطع بلال بن الحارث العقيق، وأقطع وائل بن حجر أرضًا بحضرموت، وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان وجمعًا من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع، ولكن لا يملكه بمجرد الإقطاع حتى يحييه، بل يكون أحقَّ به من غيره، فإن أحياه ملكه، وإن عجز عن إحيائه فللإمام استرجاعه وإقطاعه لغيره ممن يقدر على إحيائه؛ لأن عمر بن الخطاب استرجع الإقطاعات من الذين عجزوا عن إحيائها، وروي عنه أنه قال: من عطّل أرضًا ثلاث سنين لم يعمرها، فجاء غيره فعمرها فهي له.

هذه هي أبرز مسائل باب إحياء الموات.

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وأسأل الله ​​​​​​​ أن يوفقنا لصالح القول والعمل، وأن يرزقنا الفقه في دينه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه الترمذي: 1379.
2 رواه البخاري: 2335.
3 رواه أبو داود: 3077، وأحمد: 20130.