أصحاب الأعراف: هم قومٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، سبحان الله! لم ترجح كفة الحسنات بحسنةٍ واحدةٍ، ولم ترجح كفة السيئات بسيئةٍ واحدةٍ! فتساوت حسناتهم وسيئاتهم؛ وذلك أنه من تمام عدل الله : أن الإنسان تُوزن أعماله يوم القيامة في ميزانٍ حِسِّيٍّ له كفتان؛ فإن رجحتْ كفة الحسنات؛ كان من أصحاب الجنة؛ كما قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [القارعة:6-7].
وإن رجحت كفة السيئات؛ كان من أصحاب النار، إلا أن يعفو الله عنه؛ كما قال الله سبحانه: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:8-11].
القسمة المنطقية العقلية تقول: هناك قسمٌ ثالثٌ: وهو تَسَاوي كفة الحسنات والسيئات، فهؤلاء صنفٌ من البشر تتساوى حسناتهم وسيئاتهم، فمن تمام عدل الله : أنهم لا يكونون مع من ثقلت موازينهم في دخول الجنة، وإنما يُحبسون في مكانٍ بين الجنة والنار، ثم تكون نهاية أمرهم إلى الجنة برحمة أرحم الراحمين؛ كما ذكر الله تعالى شأنهم في سورة الأعراف.
أيها الإخوة، هذا يدلُّ على أن المسلم ينبغي ألا يحتقر أيَّ عملٍ صالحٍ؛ فرُبَّ تسبيحةٍ واحدةٍ تكون سببًا لرجحان كفة الحسنات، ورُبَّ صدقةٍ بمبلغٍ يسيرٍ تكون سببًا لرجحان كفة الحسنات، ورُبَّ كلمةٍ طيبةٍ تكون صدقةً، وتكون سببًا لرجحان كفة الحسنات.. وهكذا.
وفي المقابل: لا يحتقر المسلم السيئات؛ رُبَّ سيئةٍ واحدةٍ تكون هي السبب في رجحان كفة السيئات.
فانظر إلى دقة الميزان وعظيم عدل الله ! وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، حتى مثقال الحبة من الخردل من الحسنات أو من السيئات يُؤتى به ويُوضع في هذا الميزان.
ولذلك ينبغي أن يكون هذا المعنى حاضرًا لك أخي المسلم؛ مثلًا: صليتَ صلاة الفريضة، ثم بعد ذلك أردت أن تنصرف، تتذكر، تقول: ربما أُصلِّي السُّنة الراتبة، هذه السنة يُكتب لي بها حسناتٌ، ربما تكون هذه الحسنات هي السبب في رجحان كفة الحسنات، رأيتَ فقيرًا أو مسكينًا، تقول: أتصدق عليه، أكسب بذلك حسناتٍ، وما يدريك؟ ربما تكون هذه الحسنات هي السبب في رجحان كفة الحسنات.. وهكذا، وهذا من عظيم عدل الله .


