logo

قصة بدء الخلق

مشاهدة من الموقع

لما أراد الله أن يخلق آدم ؛ أخبر الملائكة بذلك؛ كما قال ربنا سبحانه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فخلق الله تعالى أبانا آدم، فأراد الله ​​​​​​​ أن يُظهر شرفه وتكريمه بأمرين: 

  • الأمر الأول: أنه علَّمه أسماء كل شيءٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:31-32]، فأظهر الله شرف هذا المخلوق بالعلم؛ وهذا يدل على أن أشرف صفةٍ في الإنسان هي العلم.
  • والأمر الثاني: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [البقرة:34]، وإبليس كان من الجن وليس من الملائكة، وفي الآية الأخرى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، فلعنه الله وطرده.

ثم إن الله خلق من آدم زوجته حواء؛ كان نائمًا ثم لما استيقظ؛ إذا هي بجواره، خلقها تعالى من أحد أضلاعه، ثم أمر الله تعالى آدم وزوجه بأن يسكنا الجنة، وأن يأكلا منها حيث شاءا، لكن نهاهما عن أن يقربا شجرةً واحدةً، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35]، وأخبرهما في الوقت نفسه بأن الشيطان عدوٌّ لهما، إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117].

ومع هذا التحذير والإنذار إلا أن الشيطان -إبليس اللعين- أتى إلى آدم وإلى حواء عليهما السلام ووسوس لهما في أن يأكلا من هذه الشجرة، ونظر إبليس إلى أضعف نقطةٍ في الإنسان: وهي الحرص والطمع، فنَفَذ عن طريقها، وقال لآدم ولزوجه عليهما السلام: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20].

انظر، الإنسان يبحث عن الخلود من قديمٍ: إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ! كان يمكن لآدم أن يقول: ما دمتَ -يا إبليس- عرفت هذا السر؛ فلماذا لا تأكل أنت من الشجرة فتكون مَلَكًا أو تكون من الخالدين؟! لكن إبليس اللعين غرَّهما، ولم يكتفِ بذلك، بل أقسم لهما بالله العظيم أنه لهما من الناصحين، وَقَاسَمَهُمَا يعني: أقسم لهما بالله إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21].

فغرهما بذلك فأكلا من الشجرة، وسبحان الله! انظروا إلى شؤم المعصية، من حين أن أكل آدم وحواء عليهما السلام من الشجرة؛ طار عنهما لباس الجنة، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا يعني: عوراتهما، والعورة تُسمى "سوءةً"؛ لأن الإنسان يسوؤه انكشافها، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ[طه:121].

لما انكشفت عورتهما؛ فَزِعَا، فزع آدم وحواء، وأصبحا يأخذان من ورق الجنة ويُلصقانه بهما؛ لأجل ستر العورة. 

ثم علما بأن الشيطان اللعين قد خدعهما وغرهما؛ فجعلا يبكيان بكاءً عظيمًا، ولا يعرفان كيف يتوبان، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]، وهذه الكلمات هي المذكورة في الآية الأخرى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وهي أفضل كلماتٍ يقولها التائب إلى الله، فتاب الله عليهما.

وكانت معصيتهما عن شهوةٍ، ولم تكن عن استكبارٍ، بينما معصية إبليس عن كِبْرٍ؛ ولذلك لم يوفَّق للتوبة، ولكن اقتضت حكمة الله أن يهبط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123].

واختار الله هذا الكوكب (الأرض) من بين سائر الكواكب، وهيَّأه الله لسُكنى آدم وبَنِيه عليه، فأهبطهم الله سبحانه، ثم بعد ذلك صار لهما ذريةٌ، وهم بنو آدم ، وأنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وأقام الحجة، واتضحت المحجة. 

فنحن الآن بنو آدم ، نعيش على هذه الأرض في اختبارٍ وامتحانٍ، من نجح في هذا الاختبار العظيم الذي نعيشه في هذه الحياة الدنيا؛ فإنه يسعد السعادة الأبدية، وأما من فشل في هذا الاختبار؛ فإنه يخسر كل شيءٍ حتى نفسه، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103]، وتكون نهاية المطاف للبشرية: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

مواد ذات صلة