جدول المحتويات
- مقدمة البرنامج
- استقبال أسئلة المستفتين
- استقبال أسئلة المستفتين
- حكم استرجاع الزكاة إذا أخرجها البنك عن الحساب الاستثماري
- علاج الوسواس القهري في الصلاة والصيام
- حكم استنشاق البخور في نهار رمضان
- توجيهٌ لمَن اعتمرت وهي حائضٌ في صغرها ولم تُخبر أهلها
- هل السُّنَّة وصل الشفع بالوتر أم الفصل بينهما؟
- حكم السواك ذي النكهات للصائم
- ما الواجب على المسافر إذا صلَّى خلف مُقيم؟
- هل يجوز الجمع والقصر في المطار قبل مفارقة عمران البلد؟
- حكم الزواج من دون وليٍّ على المذهب الحنفي
- حكم عقد النكاح عن طريق وسائل الاتصال الحديثة
- شروط أخذ الأب أو الأم من أموال الأبناء
- هل يجوز للمريض أن يصلِّي جالسًا عند المشقة؟
- متى يصحُّ أن يكون الابن أو الأخ مَحرَمًا في السفر؟
مقدمة البرنامج
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.
مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسعد الله أوقاتكم بكل خيرٍ ومسرَّةٍ، أهلًا وسهلًا بكم في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "الجواب الكافي".
ضيفنا في هذا اللقاء صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، حيَّاكم الله فضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: الله يُحيِّيك.
أيها الإخوة والأخوات، نسعد باتصالاتكم على هواتف البرنامج التي تظهر أمامكم تباعًا الآن، كما نسعد أيضًا بمتابعتكم وأسئلتكم عن طريق البث الحيِّ على (اليوتيوب)، وكذلك عبر حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل.
استقبال أسئلة المستفتين
نبدأُ -على بركة الله- باستقبال الأسئلة.
أبو سعدٍ، تفضَّل.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا أبا سعدٍ.
المتصل: حيَّاك الله، نفع الله بعلمك يا شيخ.
المقدم: آمين، تفضَّل أخي الغالي.
المتصل: عندي سؤالان..
السؤال الأول: كنتُ موظَّفًا، وكنتُ أُقرِض من راتبي للمُحتاج، وأستخدم بعضه، وأجمع بعضه للزواج، وما كنتُ أضبط الذي أجمعه والذي صرفتُه والذي أقرضتُه، ولا أعرف كم المدة التي أقرضتُهم، ولا كم المبلغ. السؤال: كيف أحسب زكاة هذا المال؟ لأنه قد يكون بعضه بلغ نصابًا، وبعضه ما بلغ، وبعضه بلغ الحول، والله -للأسف- ما كنتُ أضبط. هذا السؤال الأول.
الشيخ: كم مضى من سنةٍ على هذا؟
المتصل: يعني من يوم أن خرجتُ من الوظيفة، لي سنتان من يوم أن خرجتُ من الوظيفة.
المقدم: كم بقيتَ وأنت تجمع بهذه الطريقة؟
المتصل: ما يقارب ثلاث سنوات.
المقدم: ثلاث سنوات؟
المتصل: نحو ثلاث سنواتٍ، أقل أو أكثر.
المقدم: طيِّب.
المتصل: لأنه بلغ الآن أكثر من سنة.
المقدم: السؤال الثاني؟
المتصل: السؤال الثاني: أنا طلبتُ من أختي الموظَّفة أن تستخرج تمويلًا من أحد البنوك، ففعلتْ، أخذَتْ منه شيئًا، ثم بدأت تُقرضني، تُسدِّد منه الأقساط من المبلغ الذي جاء. السؤال: أنا أريد أن أُرجع لها مبلغ التمويل مع الأرباح، على أن تكون على هيئة أقساطٍ مُماثلةٍ لأقساط البنك.
المقدم: يعني هي الآن لمَّا أخذتْ مبلغ التمويل، أعطتْكَ إيَّاه كلَّه، أو أنها أخذتْ منه جزءًا وأعطتْكَ جزءًا؟
المتصل: أخذتْ جزءًا، وأعطتني الباقي على طريقة إقراضٍ، يعني: تُقرضني إياه، عرفتَ؟
المقدم: نعم، يعني: مُجزَّأً، وليس كاملًا؟
المتصل: إيْ نعم، بالضبط، وتُسدِّد أقساط البنك نفسه من نفس المبلغ.
المقدم: نعم، يعني تأخذ جزءًا تُسدِّد، وجزءًا منه تعطيك إياه كل فترةٍ.
المتصل: بالضبط.
المقدم: طيِّب.
المتصل: أنا ما أحفظ حقوقها، وكيف هي الطريقة التي بها أُرجع لها المال، بحيث إنها يرجع لها المال بالأرباح؟ يعني: ما الطريقة بالضبط؟
المقدم: أنت قصدك ليس بالأرباح، يعني قصدك: إنها تسدِّد كامل المبلغ مع فائدة التمويل؟
الشيخ: أرباح التمويل.
المتصل: إي، أنا أريد أن أُسدِّد لها كامل مبلغ التمويل.
المقدم: طيِّب، أبشر أبشر، سؤالٌ آخر؟
المتصل: فقط هذان السؤالان.
المقدم: شكرًا.
أبو عبدالملك، تفضَّل يا أبا عبدالملك.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: السلام عليكم، أستاذ عبدالله، وعلى شيخنا.
المقدم: أهلًا، أهلًا وسهلًا، تفضَّل يا غالٍ.
المتصل: السؤال الأول، شيخنا: الآن كثيرٌ من الجنائز لمَّا تخرج من الجامع إلى المقبرة، تجد أُناسًا ينتظرونها عند المقبرة، يعني: هم لم يصلُّوا عليها في الجامع، فيُطلَب إنزال الجنازة أمام بوابة المقبرة، يُصلُّون عليها، ثم يُدخِلونها داخل المقبرة فتُدفَن. شيخنا، الآن في هذه الصورة، هل هناك تفريقٌ بين أن يُصلَّى عليها في الخارج أو في الداخل، أو حتى بعد الدفن؟
المقدم: أبشر. سؤالٌ آخر؟
المتصل: السؤال الثاني، شيخنا: الآن بعض العمال -مثلًا- عندنا مرتباتهم 1500 ريالٍ، الآن هذا يُعتبَر دخْل الفقراء، لكن بما أنه يُوزِّع هذا الدخل على الشهر، وربما يدَّخر منه، هل هذا يؤثِّر على إعطائه الزكاة؟
المقدم: طيِّب.
المتصل: والشق الثاني من هذا السؤال، شيخنا: إذا كان دخْله في بلده، يعني: 1500 هذه تُعتبر في بلده دخْل الأغنياء، لكن عندنا يُعتبَر -مثلًا- دخْل الفقراء، أيضًا هل هذا يؤثِّر على إعطائهم الزكاة؟
المقدم: أبشر، إن شاء الله تسمع الجواب. شكرًا جزيلًا، بارك الله فيك.
أم محمدٍ، تفضَّلي يا أم محمد.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصلة: أحسن الله إليكم، أنا عندي حساب بنك البلاد.
المقدم: نعم.
المتصلة: وعليه أرباحٌ، يعني: أنا حسبتُ المبلغ وأخرجتُ الزكاة، لكن لما سألتُ قالوا: لا، الحساب الذي عليه أرباحٌ البنك نفسه يتكفَّل بالزكاة.
المقدم: هل هو صندوقٌ استثماريٌّ أو حسابٌ استثماريٌّ؟
المتصلة: هل هو ماذا؟
المقدم: يعني هل هو صندوقٌ استثماريٌّ؟
الشيخ: حسابٌ جارٍ، أو استثماريٌّ؟
المقدم: أو حسابٌ استثماريٌّ؟ جارٍ أو استثماريٌّ يا أم محمدٍ؟
المتصلة: جارٍ.
المقدم: حسابٌ جارٍ استثماريٌّ؟
المتصلة: لا، جارٍ.
المقدم: طيِّب، أبشري أبشري.
الشيخ: يعني: حسابٌ جارٍ، لكن يعطونكِ عليه أرباحًا؟
المتصلة: إيْ نعم، وتأتيني عليه أرباحٌ على حسب المبلغ الموجود.
المقدم: أبشري، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصلة: نريد أن نعرف هل هو فعلًا عليه زكاةٌ أو لا، سواءٌ أكان جاريًا أو استثماريًّا؟
المقدم: طيِّب، يعني: المفترض في مثل هذه الحالة أنكِ تتواصلين مع البنك مباشرةً، تسألينهم هل هم يُخرِجون الزكاة أو لا.
المتصلة: إيْ، طيِّب، كيف أقدر...؟
المقدم: لكن تسمعين توجيه الشيخ إن شاء الله. سؤالٌ آخر يا أم محمدٍ؟
المتصلة: لا لا، يعني تبعًا لهذا السؤال، أنا أخرجتُ مبلغًا على أساس أنني أنا التي أُزكِّي عنه، فأعطيتُه شخصًا بحيث هو يتكفَّل أن يوزِّع هذه الزكاة. فلو كان ما عليَّ زكاةٌ، والبنك هو المُتكفِّل بها، هل أقدر أن أسترجع هذا المبلغ مع أنني نويتُ أنه زكاةٌ؟
المقدم: طيِّب، أبشري، إن شاء الله تسمعين الجواب، شكرًا جزيلًا.
نورة، تفضَّلي يا نورة.
المتصلة: نعم، السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام، تفضَّلي يا أختي.
المتصلة: يا شيخ، أنا عندي وسواسٌ قهريٌّ في الصوم.
المقدم: نعم.
المتصلة: يا شيخ، بعض المرات أُفطر، يعني -يا شيخ- بعض المرات أنا أقاوم لكن ما أقدر، استسلمتُ، وبعض المرات أُحسُّها نفسي التي تأمرني، فهل يُقبَل صيامي أو لا؟
المقدم: يعني أنتِ يأتيكِ وسواسٌ وتُفطرين؟
المتصلة: إيْ، يعني أنا ما أُفطر، لكن أنوي في قلبي أن أُفطر.
المقدم: لا، يعني: غير ما في قلبك، هل تأكلين وتشربين أو لا؟
المتصلة: لا.
المقدم: طيِّب.
المتصلة: لكن يا شيخ، يأتيني التفكير في الجنس، وما أقدر أن أقاوم.
المقدم: أبشري أبشري، تسمعين توجيه الشيخ إن شاء الله، شكرًا جزيلًا نورة.
المتصلة: طيِّب، هل بقي شيءٌ؟
المقدم: نبدأ على بركة الله بالأسئلة.
كيفية زكاة المُدَّخَرات والأموال التي أقرضها للآخرين
أخونا أبو سعدٍ يقول إنه كان موظَّفًا، ويجمع مبلغًا ماليًّا من راتبه، لا يعرف بالضبط كم هذا المبلغ، كم اجتمع، وكم مرَّ عليه من حَوْلٍ، بعض هذا المبلغ يُقرِضه لأشخاصٍ، فكيف يحسب ما يتعلق بالزكاة؟
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فأولًا: ينبغي للمسلم أن يهتمَّ بهذه العبادة، وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وهو الزكاة، فهي آكَدُ أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، ينبغي أن يهتمَّ بها، وأن يتفقَّد أمواله، ويُخرِج ما تجب الزكاة فيه.
فالأخ الكريم موظَّفٌ، ومع ذلك الآن مضت عدة سنواتٍ، وهو الآن يسأل عن الزكاة! كان ينبغي أن يكون السؤال من أول التوظيف، يعني: من أول ما بدأ يدَّخر من راتبه. وعلى كلِّ حالٍ؛ عليه الآن أن يستدرك، وأن يُزكِّي عن جميع السنوات الماضية. والزكاة هي دَيْنُ الله ، لا تسقط بالتقادم كديون الآدميين، أرأيتَ لو أنَّ رجلًا يطلبك دَيْنًا من عشرين عامًا، هل يسقط بالتقادم؟ لا يسقط، هكذا دَيْنُ الله لا يسقط بالتقادم.
ولهذا نقول: الأخ الكريم، يلزمك الآن أن تُخرِج الزكاة عن السنوات الماضية. وأما كيفية ذلك، فمع وجود أموال الناس في البنوك في الوقت الحاضر أصبح الأمر يسيرًا، وذلك بأن تطلب كشف حسابٍ بنكيٍّ عن تلك السنوات، وتنظر لأقل رصيدٍ في السنة الهجرية، السنة الهجرية، وليست الميلادية. فمثلًا: لو أنك بدأت الوظيفة -مثلًا- في واحدٍ من رجب، فتأخذ كشف حسابٍ بنكيٍّ من واحدٍ من رجب، إلى واحدٍ من رجب من العام الذي بعده، وتنظر لأقلِّ رصيدٍ، هذا هو الذي حال عليه الحول، فتُزكِّي، وهكذا السَّنة التي بعدها، وهكذا السَّنة التي بعدها.
أمَّا مستقبلًا، فيمكن أيضًا أن تستمرَّ على هذه الطريقة، ويمكن أن تختار طريقةً أخرى أيْسر، وهي أن تُزكِّي جميع الرصيد الذي عندك في وقتٍ مُعيَّنٍ من السَّنة، ولنفرض مثلًا أنه منتصف رمضان، تُزكِّي جميع الرصيد الذي عندك ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُلْ عليه الحول، وبذلك لا تنظر لزكاة رصيدك إلا مرةً واحدةً في السنة.
كلَّما أتى منتصف رمضان، تَنْظر: كم الرصيد؟ وتزكِّي، وناويًا أيضًا أنَّ ما قد يَزيد تعتبره صدقةً، ما قد يزيد على الزكاة تعتبره صدقةً، وبذلك لا تنظر لزكاة رصيدك إلا مرةً واحدةً في السنة، في هذا التاريخ.
هذا بالنسبة لما يُستقبَل، وأما بالنسبة لما مضى، فتطلب كشف حسابٍ بنكيٍّ، وتنظر لأقل رصيدٍ في كل سنةٍ وتزكِّي.
المقدم: نعم، بالنسبة للأموال التي أَقرَضها للآخرين؟
الشيخ: الأموال التي أقرضها للآخرين: إن كان المُقترِض مليئًا باذلًا -مليئًا يعني: قادرًا على الوفاء، وباذلًا أي: غير مُماطِلٍ- متى ما طلبتَ منه القرض سدَّد لك، فهذا تجب زكاته عن كل سنةٍ، أمَّا إذا كان المُقترِض مُعْسِرًا أو مُماطِلًا، فلا زكاة فيه، نعم.
كيف يسدِّد الأخ التمويل الذي أخذته أخته نيابةً عنه؟
المقدم: السؤال الثاني يقول: هو طلب من أخته أن تستخرج تمويلًا من أحد البنوك باسمها هي، أخته أخذت جزءًا من المبلغ لها، وأعطته جزءًا، وأصبحت تعطيه الباقي مُجزَّأً، وجزءًا من هذا التمويل تعود وتسدِّد به الباقي، الذي هو القسط الشهري، وسؤاله: كيف يستطيع أن يُعيد المال إلى أخته بحيث تُسدِّد، وأيضًا مع الفوائد، بدون وجود محظورٍ شرعيٍّ في ذلك؟
الشيخ: أخته تُعتبَر وكيلةً عنه في هذا التمويل، هو قد طلب من أخته أن تتوكَّل عنه باعتباراتٍ مُعيَّنةٍ، ربما أن الشروط لا تنطبق عليه أمام البنك، أو نحو ذلك، فكأنه قال لأخته: خذي تمويلًا وكالةً عني؛ فهي وكيلةٌ عنه في الحقيقة، لكنها وكيلةٌ من الباطن؛ وعلى ذلك فيَرُدُّ هذا القرض برأس ماله وبربحه.
يبقى ما أخذتْه أخته، ولتصحيح هذه المعاملة ينوي أنَّ ما أخذتْه أخته مساعدةٌ أو تبرُّعٌ منه لها، وبذلك تصحُّ المعاملة، ينوي أنَّ ما أخذتْه تبرُّعٌ لها، ويقوم هو بسداد رأس المال مع الربح للبنك.
حكم إيقاف الجنازة للصلاة عليها قبل دفنها
المقدم: جميلٌ، أبو عبدالملك سأل يقول: وهذه أصبحت مُشاهَدةً الآن، إذا كانت هناك جنازةٌ، وذهب الناس إلى المقبرة للمشاركة في الدفن أو لحضور الدفن، نشاهد أنه قبل الدفن أصبحت توضع هذه الجنائز عند البوابة، أو مقابل المقابر، فيأتي مَن لم يُصَلِّ عليها -وأحيانًا قد تحضر جماعاتٌ كثيرةٌ- فيصلُّون، ثم بعد ذلك تُدفَن، فهل هذا الفعل مشروعٌ أم لا؟
الشيخ: الأمر في هذا واسعٌ، الصلاة على الميت فيها مصلحةٌ لهذا الميت، ومصلحةٌ للمصلِّي أيضًا. الأصل في الصلاة على الميت، كما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام: أنها كانت الجنائز يُصلَّى عليها في مُصلًّى قريبٍ من المقبرة، هذا هو الذي كان عليه الأمر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت الصلاة على الجنائز في المسجد في أحوالٍ قليلةٍ؛ وعلى ذلك إذا صُلِّيَ على الجنازة في المسجد، أو صُلِّيَ عليها في مكانٍ قريبٍ من المقبرة، أو صُلِّيَ عليها في المقبرة، فالأمر في هذا واسعٌ، والأجر واحدٌ.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: مَن صلَّى على جنازةٍ فله قيراطٌ[1]، وهذا يَصدُق عليه أنه صلَّى على جنازةٍ، سواءٌ أكان في المسجد أو كان قبل المقبرة أو كان في المقبرة، فلا يختلف الأجر والثواب لعموم الحديث. وكون بعض الناس يُوقِف الجنازة قبل دخول المقبرة ليُصلِّى عليها، هذا التصرف غير مناسبٍ، لا وجْه لإيقافها. نقول: انتظر حتى يُدخَل بهذه الجنازة للمقبرة، ثم قبل أن تُوضَع في اللحد تستطيع أن تُصلِّي عليها، أو تُصلِّي عليها بعد الدفن.
حكم إعادة صلاة الجنازة لمَن صلَّى عليها
المقدم: مَن صلَّى على الجنازة في المسجد، هل يُشرَع له أن يُعيد الصلاة مرةً أخرى أو لا؟
الشيخ: الراجح أنه لا يُشرَع له أن يُعيدها؛ وذلك لأن الأصل في العبادات التوقيف، مَن صلَّى عليها مرةً واحدةً لم يُشرَع له أن يُعيد تلك الصلاة.
حكم إعطاء العمالة ذوي الرواتب المنخفضة من الزكاة
المقدم: سؤاله الثاني يقول: هناك بعض العمالة رواتبهم ما يقارب 1500 ريالٍ، تزيد أو تنقص، بالنسبة لوضعهم في هذا البلد يُعتبرون فقراء، لكنَّ وضعهم في بلدانهم يُعتبر هذا الراتب جيدًا بالنسبة لهم، فهل يُعتبَرون مُستحِقِّين للزكاة أو لا، بناءً على معيار ما يأخذونه من رواتبَ شهرية؟
الشيخ: إذا كان دخله لا يكفيه لآخر الشهر فإنه مُستحِقٌّ، فيُنظَر لمصاريفه، ولمَن يُنفِق عليهم، ولأحواله، فإذا كان مظنَّة فقرٍ وحاجةٍ، ويغلُب على الظن أن راتبه لا يَدَّخر منه شيئًا، وإنما يُسدِّد به هذه النفقات وهذه المستلزمات؛ فهو مُستحِقٌّ للزكاة، وهذا هو الغالب، الغالب أنه ما تغرَّب ولا ترك بلده وأهله وأطفاله وأسرته إلا وهو مُحتاجٌ، فالغالب أنهم مظنَّة الفقر والحاجة. لكن مع ذلك ينبغي أن يُبيَّن له أن هذه زكاةٌ، ويجتهد مَن يُعطيه الزكاة في معرفة حاله، وأنه مُستحِقٌّ للزكاة بالقرائن، لكنَّ القاعدة في مَن لم يظهر عليه غنًى: هل يُعطَى من الزكاة أم لا، وسأل الزكاة، أو حتى إذا أراد الإنسان أن يُعطيه؟
القاعدة في هذا أنه يُعطى، لكن إذا شكَّ الإنسان فيه يَعِظُه بما وعظ به النبيُّ الرجلين الجَلْدَين، قال: إن شئتما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسِبٍ[2]. فالعبرة -إذن- بظاهر الحال، إذا ظهر من حاله أنه مُحتاجٌ ولم يظهر عليه غنًى، فيجوز إعطاؤه من الزكاة، لكن إذا شككْتَ في حاله، فقل: هذه زكاةٌ، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسِبٍ.
وقد ذكر هذا المعنى أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، وذكر معنًى لطيفًا في هذه المسألة، وهو: أننا لو طالبنا الفقير أو المسكين بالبيِّنة المُثبِتة لِفَقره، لترتَّب على هذا حرمان كثيرٍ من الفقراء من الزكاة، وهذه مَفسدةٌ. أما إذا أعطينا الفقير أو المسكين بما ظهر لنا من حاله، فهذا أيضًا قد يترتَّب عليه مَفسدةٌ، وهي إعطاء الزكاة مَن لا يستحقُّها، لكن مَفسدة حرمان الفقير من الزكاة أشدُّ من مَفسدة إعطاء الزكاة مَن لا يستحقُّها؛ ولذلك فإنه يُعطَى إذا لم يظهر عليه غنًى، هذا هو الذي يدلُّ له مجموع النصوص؛ ولهذا فالنبي لمَّا سأله رجلان شابَّان جَلْدان قويَّان، صعَّد النظر فيهما، ثم قال: إن شئتما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسِبٍ[3].
فالعبرة -إذن- بظاهر الحال، ولا يلزم الإنسان أن يصل إلى درجة اليقين في أن هذا فقيرٌ أو مسكينٌ؛ لأن الفقر أمرٌ خفيٌّ، ولهذا قال الفقهاء: إذا دفع زكاته لغنيٍّ ظنَّه فقيرًا أجزأه، وعلَّلوا ذلك قالوا: لأن الفقر أمرٌ خفيٌّ، وقد يدَّعي الفقر من ليس بفقيرٍ. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، يعني: بعض الناس يتحرَّج، يقول: أنا أريد أن أُعطي فلانًا، لكن أخشى أن يكون غير مُستحِقٍّ! نقول: العبرة بالظاهر، إذا غلب على ظنِّك أنه مُستحِقٌّ فأَعطِه، وقد بَرِئَتْ ذمَّتُك، ثم تقع المسؤولية عليه هو، فإن كان غير مُستحِقٍّ، فإن الإثم عليه، ومَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِر[4].
استقبال أسئلة المستفتين
المقدم: نستأذنك ببعض الاتصالات. مباركٌ، تفضَّل يا مبارك.
المتصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: تقبَّل الله طاعة الجميع إن شاء الله.
المقدم: آمين، آمين.
المتصل: أنا عندي سؤالٌ يا شيخ سعد، مسَّاك الله بالخير.
الشيخ: مسَّاك الله بالخير والعافية.
المقدم: تفضَّل يا مبارك.
المتصل: سؤالي يا طويل العمر: أنا اليوم جئتُ من جدةَ إلى الرياض، نزلنا المطار، فدخلتُ المصلَّى، صليتُ مع شخصٍ ثانٍ، الشخص الثاني هذا مسافرٌ وأنا مُقيمٌ، يعني قال: أنا مسافرٌ، فأخطأتُ وقلتُ له: سلِّمْ، وأنا سأُتِمُّ، طيِّب، ما تنبهت إلَّا وأنا أصلِّي أنه المفروض أنه يُتِمُّ معي؛ لأنني أنا مُقيم.
المقدم: أنت الإمام له؟
المتصل: نعم، أنا الإمام.
المقدم: أنتَ قلتَ له: صلِّ ركعتين؟
المتصل: نعم، بالخطأ.
المقدم: أنتم تصلُّون في المطار طبعًا؟
المتصل: في المطار، إيْ نعم.
المقدم: إيْ نعم، طيِّب.
المتصل: أنا من سكان...
المقدم: طيِّب، أنتَ سؤالك عن صلاتِه: هل هي صحيحةٌ أو لا؟
المتصل: صلاته، وأنني أعطيتُه خبرًا وفتوى يُمكن بالخطأ.
المقدم: طيب، أَبشِر، هل عندك سؤالٌ آخر يا مبارك؟
المتصل: سلامتك، الله يحفظك.
المقدم: الله يسلِّمك ويعطيك العافية.
المتصل: ولو جاوب الشيخ عليَّ؛ لأن الهاتف يعني... لو جاوبَ عليَّ الآن.
المقدم: يَصعُب، لكن إذا ما عندك (تلفاز)، تستطيع أن تشاهد الحلقة على (اليوتيوب) الآن، شكرًا جزيلًا.
عبدالله، تفضَّل يا عبدالله.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: الله يتقبَّل منَّا ومنكم صالح الأعمال والصيام والقيام.
المقدم: آمين.
المتصل: عندي سؤالٌ، الله يوفِّقك.
المقدم: تفضَّل يا غالٍ.
المتصل: ما حكم من يقول: سأتزوَّج على المذهب الحنفي، بدون اشتراط حضور الولي؛ هل يكون الزواج صحيحًا أو باطلًا؟
المقدم: هل عندك سؤالٌ آخر يا عبدالله؟
المتصل: إيْ، تكملة هذا السؤال: وهل يُشترط حضور الولي، أو -مثلًا- إذا كلَّمه بالجوَّال وقال: زوَّجتُك ابنتي، هل يُجزِئ أو لا؟
المقدم: أبشر، أبشر، سيعطيك الحكم مُفصَّلًا، هل عندك سؤالٌ آخر؟
المتصل: إيْ، سؤالٌ ضروريٌّ، الله يوفِّقك.
المقدم: هل عندك سؤالٌ ثانٍ؟
المتصل: فقط هذا السؤال.
المقدم: طيِّب، أبشر إن شاء الله، شكرًا جزيلًا.
عليٌّ، تفضَّل يا علي.
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.
المتصل: كيف حالك، شيخ عبدالله؟
المقدم: أهلًا وسهلًا، حيَّاك الله.
المتصل: ممكن أكلم الشيخ سعد؟
المقدم: تفضَّل، الشيخ يَسمعك.
المتصل: يا شيخ سعد، والله إني أُحبُّك في الله.
الشيخ: أَحبَّك الله وأكرمك، بارك الله فيك.
المتصل: سؤالي يا شيخ: أنا كنتُ صغيرًا، ومن يوم بلوغي، ما كنتُ أصلي، يعني: مضتْ عليَّ سنواتٌ، وبعد ذلك...
المقدم: يا علي، أنت هل عندك وسواس؟
المتصل: أحيانًا، نعم ولكن...
المقدم: لأنك كرَّرتَ هذا السؤال عدة مراتٍ فيما يتعلق بالصلاة وترك الصلاة وعدم الصلاة، فهل عندك وساوسٌ أم لا؟
المتصل: عندي أحيانًا، لكن السؤال يا شيخ عبدالله صحيحٌ، لكن الشيخ سعد ما اطَّلع على سؤالي.
المقدم: طيب، تفضَّل.
المتصل: يا شيخ، أنا من يوم بلوغي ما كنتُ أصلِّي، ثم بعد ذلك كنتُ أصلي وأترك، ثم بعد ذلك رجعتُ وتركتُ الصلاة، وأحيانًا أصلِّي على غير طهارةٍ.
المقدم: طيِّب، ما هو سؤالك بالضبط؟
المتصل: سؤالي: هل أعوِّض الصلوات التي كنتُ أتركها وأصلِّيها الآن، أم أنه عندما تركت الصلاة...؟
المقدم: أبشر، تسمع الجواب، شكرًا جزيلًا يا عليّ، وأبشر بالخير بإذن الله تعالى.
أم عادل، تفضَّلي يا أم عادل.
المتصلة: نعم.
المقدم: تفضَّلي يا أختي.
المتصلة: نعم.
المقدم: أم عادلٍ، أعطينا سؤالكِ، الله يحفظك.
المتصلة: نعم، أنا عندي أطفالٌ بالمتوسط وبالابتدائي.
المقدم: واصلي واصلي يا أم عادل، واصلي سؤالكِ.
المتصلة: بالتحفيظ، تحفيظ القرآن، راتبهم ينزل بصرَّافتي، وهم من الأول إلى السادس، والآن بالمتوسط وبالثانوي، وراتبهم ينزل بصرَّافتي، لكن أسأل: هل يجوز أن آخذ منهم؟ الحمد لله، لا أحتاج والحمد لله، لكن أني آخذ... يعني: نحن نتصدَّق منها، ونعطي منها، وإذا كان معي فلوسٌ، تأتيني بعد ذلك أنا أسدُّ لعيالي هؤلاء، أدفع لهم بدل ما أخذته.
المقدم: طيِّب، أبشري. هل عندكِ سؤالٌ آخر يا أم عادل؟
المتصلة: إيْ والله، أنا...
المقدم: تفضَّلي.
المتصلة: الحمد لله على كل حالٍ، أنا أُصبتُ بجلطةٍ، ويدي ما أُحرِّكها ورِجلي، ولكنني أمشي والحمد لله.
المقدم: أم عادلٍ، أعيدي السؤال، الله يحفظك.
المتصلة: أنا أصابتني جلطةٌ...
المقدم: أنتِ أصابتكِ جلطة؟
المتصلة: إيْ، والآن...
المقدم: الله يشفيكِ ويعافيكِ.
المتصلة: أنا أصابتني جلطةٌ، والآن وقت الصلاة، أحيانًا أصلِّي جالسةً، وأحيانًا أصلِّي وأنا واقفةٌ... يعني: أتعب وأنا واقفةٌ، لكن ما أدري...
المقدم: أبشري، أبشري إن شاء الله تسمعين الجواب. أبشري يا أم عادلٍ، تسمعين الجواب إن شاء الله. شكرًا جزيلًا.
حكم استرجاع الزكاة إذا أخرجها البنك عن الحساب الاستثماري
نواصل الأسئلة، أم محمدٍ تقول إن عندها حسابًا في بنك البلاد، وهو حسابٌ استثماريٌّ، وتنزل عليه أرباحٌ، هي حسبت الزكاة وأخرجتْها، سلَّمتها لأحد الأشخاص لكي يُخرِجها ويُسلِّمها للفقراء، لكنها علمتْ بعد ذلك أن البنك يُخرِج زكاة هذا الحساب، فتقول: أولًا، هل البنك فعلًا يُخرِج هذه الزكاة؟ الأمر الآخر: في حال أنه كان يُخرِج، هل يجوز أن تسترجع هذا المال رغم أنها نَوَتْه زكاةً وسلَّمته لهذا الرجل؟
الشيخ: أولًا: الحسابات الجارية زكاتها من مسؤولية أصحاب الحسابات، هم الذين يُزكُّونها، لكن هذا حسابٌ جارٍ استثماريٌّ، فلا أدري عن المعلومة التي ذكرَتْها الأخت، لكن لو قُدِّر أن البنك فعلًا زكَّاها، فلا يلزمها أن تُزكِّيَها، وهي قد أخرجَتْها على أنها زكاةٌ، فتنويها صدقةً؛ أَيْ: تنوي ما أخرجَتْه صدقةً، إن ثَبتت صحةُ ذلك، نعم.
المقدم: نعم.
الشيخ: فالمُفترَض أنها تتواصل مع البنك، وتؤكِّد الأمور المتعلقة بحسابها لدى البنك، تتواصل معهم وتسألهم.
المقدم: نعم. في حال كان البنك فعلًا يُخرِج الزكاة، هل يجوز أن تسترجع هذا المال الذي سلَّمَتْه لهذا الشخص ليُخرِجه أم لا؟
الشيخ: إذا كان سلَّمه للفقير؛ فلا يجوز. أما إذا لم يُسلِّمه؛ فنعم، يجوز التراجع، نعم.
علاج الوسواس القهري في الصلاة والصيام
المقدم: نورة سألت تقول إن عندها مشاكلَ وسواسٍ، وأيضًا أخونا عليٌّ كذلك عنده إشكالية وسواسٍ، نورة وعادلٌ دائمًا يُكرِّران علينا نفس الأسئلة التي ذكراها الآن فيما يتعلق بانقضاء الصوم؛ نورة تشعر أنها أفطرتْ، وأيضًا أخونا عليٌّ يقول إنه يصلِّي بدون وضوءٍ، أو إنه يصلِّي أحيانًا ويترك أحيانًا، فكيف يتخلَّصان من هذه المشاعر التي يشعران بها؟
الشيخ: ننصحهما بالإعراض عن هذه الوساوس، وقطع التفكير فيها، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأيضًا الذهاب للطبيب النفسي المختص، يعني: يفعلان الأسباب. جزءٌ من أسباب التخلص من هذا الوسواس مُتعلِّقٌ بالشخص نفسه، وهو الأهم، وجزءٌ آخر مُتعلِّقٌ بالطبيب، فالشيء الذي مُتعلِّقٌ بالشخص المصاب بالوسواس عليه أن يقوِّي جانب الإرادة والشجاعة، وأن يقطع التفكير في هذا الشيء الذي يوسوس فيه، ويقاوم؛ لأنه ستأتيه الوساوس، فيقاوم هذه الوساوس حتى يقطع التفكير، إذا قطع التفكير في هذا الشيء الذي يوسوس فيه يومًا أو يومين أو ثلاثةً، يبدأ الوسواس يَضْعف ثم يتلاشى، لكن إذا كان هذا الوسواس قد أشْغل فِكْرَه ويفكِّر في كل وقتٍ؛ سيزيد الوسواس، سيتحوَّل إلى وسواسٍ قهريٍّ، ولا يستطيع الإنسان التحكم في نفسه.
فإذن؛ جانبٌ كبيرٌ على المُبتلَى بالوسواس، عليه أن يُجهِّز نفسه في قَطع التفكير في هذا الأمر، إذا استفتى يقول: في ذمة مَن أفتاني، أنا سأعمل بفتوى فلانٍ وفي ذمة مَن أفتاني، ويقطع التفكير، هذا من أعظم وسائل معالجة الوسواس، وأيضًا يتواصل مع الطبيب المختص؛ لأن أحيانًا مشكلة الوسواس تكون خَللًا في الدماغ، أيْ: مشكلةً في الدماغ، هي التي تسبِّب هذه الوساوس، فالطبيب يعطيه عقاقيرَ ويعطيه وصفةً علاجيةً، ويساعده بإذن الله تعالى على التخلص من هذا الوسواس.
أما بالنسبة للشعور الذي يأتي لهذه المرأة بأنها أفطرتْ، فلا تَلتفتْ إليه، الأصل صحة الصوم، نقول: صومك صحيحٌ إذا لم تأكلي ولم تشربي، ولم تأتي مُفطِّرًا من المُفطِّرات بشيءٍ واضحٍ كالشمس، وإلا فالأصل صحة الصوم.
وهكذا أيضًا بالنسبة لصلاة الأخ الكريم، نقول: إذا توضأْتَ، فالأصل أنك على طهارةٍ، واليقين لا يزول بالشك، فلا تلتفت للوساوس في أنك قد أحْدثْتَ، نعم.
المقدم: نستأذنكم في فاصلٍ. أيها الإخوة والأخوات، فاصلٌ قصيرٌ، ابقَوا معنا.
أهلًا بكم من جديدٍ، ضيفنا في هذا اللقاء صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.
حكم استنشاق البخور في نهار رمضان
نواصل الأسئلة، نأخذ بعض الأسئلة التي وردت لنا في حسابات شبكة "المجد" على مواقع التواصل، هنا سؤالٌ فيما يتعلق بالبخور، وهل شمُّه يؤثِّر في صحة الصيام؟ وأنا بالأمس كنت أمشي في أحد الأسواق، ورأيت مجموعةً من محلات العطورات في نهار رمضان أشعلوا كمياتٍ كبيرةً من هذا...، فهل نقول إن مثل هذا يُفطِّر؟ أو على الأقل هل يُفترض توجيه نصيحةٍ لهم بحكم أنه قد يكون أحد أقوال الفقهاء، بحيث يجعلون ذلك في ليل رمضان وليس في نهاره؟
الشيخ: ينبغي للصائم أن يتَّقي البخور، فأقل أحواله الكراهة، على أنَّ مِن العلماء مَن يرى أنه مُفطِّرٌ؛ لأنه إذا اجتمع له جِرْمٌ يُخشَى أن يكون مُفطِّرًا، وإن كان الأظهر -والله أعلم- أنه ليس مُفطِّرًا، لكن مع ذلك يُكرَه للصائم أن يستنشقه؛ ولذلك ينبغي لأصحاب محلات البخور أن يجعلوا ذلك في الليل، ولا يجعلوه في النهار؛ لأن في النهار -كما ذكرنا- مِن العلماء مَن يرى أنه مُفطِّرٌ، وحتى الذين يرون أنه ليس مُفطِّرًا يقولون: يُكرَه استنشاقه.
توجيهٌ لمَن اعتمرت وهي حائضٌ في صغرها ولم تُخبر أهلها
المقدم: إحدى الأخوات تقول: إنها حينما كانت صغيرةً ذهبتْ للعمرة مع أهلها واعتمرتْ، لكنها في وقت العمرة كانت حائضًا، وما أخبرتْ أهلها حياءً منهم؛ بحكم صِغر سِنِّها، تقول: بعد ذلك اعتمرتُ، ولكنني لم أنوِ أن تكون هذه العمرة مقابل تلك العمرة التي أدَّيتُها وأنا حائضٌ، فما الحكم في هذه الحالة؟
الشيخ: هذا السؤال سؤالٌ كبيرٌ، يترتب عليه أمورٌ كبيرةٌ ومُهمةٌ؛ أولًا: لا بُدَّ من معرفة واقع هذه الفتاة، من حيث الإعذار بالجهل أم لا، وأيضًا ما الذي فعلَتْ بعد العمرة الأولى؟ وهل حصل عقد نكاحٍ؟ أمورٌ كثيرةٌ تحتاج إلى مُناقشةٍ؛ ولذلك نقول: أختي الكريمة، عليها أن تستفتي بنفسها -بصفةٍ خاصَّةٍ- مِن أحد المشايخ المُفتين؛ حتى يناقشها، وحتى يعرف واقعها على سبيل الدقة، فيُفتيها إن شاء الله بالفتوى المناسبة لها.
هل السُّنَّة وصل الشفع بالوتر أم الفصل بينهما؟
المقدم: سؤالٌ آخر: إذا أراد الإمام أن يَصِلَ الشفع بالوتر؛ أولًا: هل وَصْلُ الشفع بالوتر سُنَّةٌ؟ والأمر الآخر: هل لا بُدَّ أن يُخبِر المأمومين بحيث ينوون أنهم سيُصلُّون ثلاث ركعاتٍ مُتصلة؟
الشيخ: السُّنَّة هي الفَصْل، هذه هي السُّنَّة، وهذا هو الغالب من هَدْي النبي ، ومن قوله كما في حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما، يقول عليه الصلاة والسلام: صلاة الليل مَثنى مَثنى، فإذا خِفْتَ الصبح فأَوْتِر بواحدةٍ[5]، وغالب هَدْي النبي أنه كان يُصلِّي مَثنى مَثنى ثم يُوتِر بواحدةٍ، لكن لو وَصَلَ أحيانًا على غير الغالب، فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن النبي [6] في بعض الصفات.
ولكن بعض أئمة المساجد يعكس المسألة؛ يجعل الوصل هو الأصل، والفصل حالاتٍ قليلةً، وهذا خلاف السُّنَّة! فالسُّنة أن يكون الفصل هو الأصل وهو الغالب، والوصل أحيانًا لا بأس به.
أما بالنسبة للنية؛ فلا تلزم النية، ولا يلزم الإمام أن يُخْبِر مَن خلْفه، لكن ينبغي أن يكون الغالب هو الفصل؛ يصلي ركعتين ثم ركعةً.
حكم السواك ذي النكهات للصائم
المقدم: عبدالرحمن المشاكبة يقول: هناك بعض أنواعٍ من السواك لها نكهاتٌ مختلفةٌ، هل مثل هذه النكهات تؤثِّر في الصوم أم لا؟
الشيخ: السواك الذي له نكهةٌ يُخشَى من أن يكون مُفطِّرًا ومُفسِدًا للصوم؛ لأن هذه النكهة أحيانًا تكون نكهةً عطريَّةً، وهذا العطر يختلط بالريق، ثم يبتلعه الصائم؛ ولذلك فعَلى الصائم أن يتَّقي استخدام أو استعمال هذه المساويك ذات النكهات، وأن يقتصر في تسوُّكه على المساويك الخالية من النكهات، نعم.
ما الواجب على المسافر إذا صلَّى خلف مُقيم؟
المقدم: نأخذ أيضًا بعض الأسئلة التي وردت من إخواننا المتصلين وأخواتنا المتصلات.
مباركٌ سأل يقول: إنه حينما وصل إلى مطار الرياض، وهو بلده ومُستقرُّه في الرياض، وصلَّى إمامًا لشخصٍ مُسافرٍ، يقول: أنا قبل الصلاة قلتُ له: أنتَ ستُصلِّي ركعتين بحكم أنك مُسافرٌ، وأنا سأصلي أربع ركعاتٍ. يسأل: هل ما ذَكره لهذا المسافر صحيحٌ أم لا؟
الشيخ: ما ذَكره غير صحيحٍ؛ لأن المسافر إذا ائتمَّ بمُقيمٍ وجَب عليه الإتمام، فكان ينبغي له ألَّا يُفْتيَه وهو لا يعلم، ومستقبلًا يَنتبه لهذا؛ إذا صلَّى مسافرٌ مع مُقيمٍ، يجب على المسافر أن يُتِمَّ، نعم.
هل يجوز الجمع والقصر في المطار قبل مفارقة عمران البلد؟
المقدم: بالنسبة لمَن يأتي إلى المطار -مثل: مطار الرياض الآن- هل نقول: إنه أصبح مُقيمًا بِحكم أنه ساكنٌ في الرياض، أم أنه بما أنه ما زال في المطار يجوز له الجمع والقصر؟
الشيخ: المطارات تختلف من مدينةٍ لأخرى، فأحيانًا بعض المطارات تكون خارج المدينة، فمَن وصَلَها يُعتبر بدأ في السفر؛ مثل: مطار الملك فهد بالدمام، هذا خارج الدمام، فمَن وَصَله يُعتبر مسافرًا.
لكن الآن بالنسبة لمطار الملك خالد في الرياض، كان في بداية إنشائه خارج الرياض، لكن الآن العمران تجاوزه؛ ولذلك لو نظرتَ له في الليل، تجد أن العمران قد تجاوزه، الذي يَظهر أنه أصبح الآن مُتصلًا، ولا يَصْدُق عليه أنه مُسافرٌ، فليس له الترخُّص حتى مفارقة العمران، أيْ: عمران مدينة الرياض؛ لأن المسافر لا يجوز له أن يبدأ في الترخُّص إلا بعد مفارقة العمران، وهذه من مسائل تحقيق المناط، يعني: هل الآن المطار متصلٌ أو غير متصلٍ؟ هذه مسألةٌ من مسائل تحقيق المناط.
حكم الزواج من دون وليٍّ على المذهب الحنفي
المقدم: عبدالله يسأل: مَن أراد أن يتزوَّج، هل يجوز له أن يتزوَّج على قول بعض المذاهب، مثل ما ذكر يقول: سأتزوَّج عن المذهب الحنفي، بدون وليٍّ؛ فما الحكم في ذلك؟
الشيخ: الزواج بدون وليٍّ يقول عنه النبي : أيُّما امرأةٍ نكحتْ نفْسَها بغير إذن وليِّها فنكاحها باطلٌ باطلٌ باطلٌ[7]، فلا يجوز للمرأة أن تتزوَّج بدون وليٍّ.
والله تعالى قال: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:221]، وقال: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]، لمَّا كان الخطاب للأزواج، قال: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، ولمَّا أتى للأولياء قال: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، ولا تُنْكِحُوا يعني: أنتم أيها الأولياء.
وقال : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232]، لو كانت المرأة تُزوِّج نفسها، ما كان هناك مشكلةٌ وعَضْلٌ، المرأة ستُزوِّج نفسها، لكن الخطاب هنا للأولياء: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ، يعني: أنتم أيها الأولياء.
السُّنَّة قد دلَّت على أنه لا بُدَّ لِصحَّة النكاح من وجود الولي، والعبرة بالدليل، والله تعالى يقول: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65]، ولا يقول: ماذا أجبتَ أبا حنيفة أو مالكًا أو الشافعي أو أحمد؛ فالعبرة بالدليل. فقول جمهور الفقهاء في أن النكاح بدون وليٍّ لا يَصِحُّ، هذا هو الأقرب، والأظهر، وهو الذي تدلُّ له الأدلة من الكتاب والسُّنَّة.
حكم عقد النكاح عن طريق وسائل الاتصال الحديثة
المقدم: سأل سؤالًا إضافيًّا: هل يُشترَط أن يكون الوليُّ حاضرًا عند عقد الزواج، أم يمكن أن يكون عن طريق الهاتف؟
الشيخ: الأكمل والأحسن أن يكون حاضرًا، لكن لو دعت الحاجة لأن يعقد عن طريق الهاتف فلا بأس، يُعتبَر عقدًا، كما أن سائر العقود تنعقد أيضًا عبر وسائل التقنية الحديثة؛ كعقد البيع، وعقد الشراء، وكذلك عقد النكاح. لكن المهم أن تكون هناك موثوقيةٌ بأن هذا فعلًا هو الوليُّ؛ لأن أحيانًا يحصل تلبيسٌ وتزويرٌ، يتابع شخصٌ يُقال إنه الولي، وليس هو الولي، لكن لو وثق فعلًا بأنه هذا هو الولي، فيَصِحُّ عقد النكاح عبر وسائل الاتصال الحديثة.
شروط أخذ الأب أو الأم من أموال الأبناء
المقدم: أم عادلٍ سألت سؤالين:
السؤال الأول: ما يأتي للأولاد من إعاناتٍ أو مكافآتٍ، أو غير ذلك، سواءٌ أكان لأجل الدراسة أو من ضمانٍ، أو غيرها؛ هل يجوز للوالدين أن يستعملاها أو يصرفا منها، سواءٌ أكان في الصدقات أو في شأن الأولاد أو غيرهم؟
الشيخ: الوالدان خاصَّةً، الأب والأم، يجوز لهما الأخذ من أموال أولادهما ما شاءا، بشرطين:
- ألَّا يأخذا ما يضرُّ بالولد.
- ألَّا يأخذا من هذا الولد ويعطياه لولدٍ آخر.
إذا تحقَّق هذان الشرطان فلا بأس؛ لقول النبي : إن أطيَب ما أكلتُم مِن كَسْبكم، وإن أولادكم من كَسْبكم[8]، وهذا الحديث خرَّجه أصحاب السُّنن وأحمد بسندٍ صحيحٍ، وظاهر الدلالة في أنَّ الأب والأم يجوز لهما الأخذ من أموال أولادهما. وأيضًا في الحديث الآخر: أنت ومالُك لأبيك[9].
وعلى هذا؛ نقول: الأخت السائلة الكريمة، لا حرج عليكِ في أن تأخذي من مكافآت أولادك، حتى لو كانوا أيتامًا، حتى لو كان أبوهم غير موجودٍ، وأنتِ أمُّهم، فتدخلين في عموم النصِّ، الأب والأم خاصَّةً الأمر بالنسبة لهما واسعٌ، وأيديهما مبسوطةٌ في أموال أولادهما، لكن المهمَّ تحقُّق هذين الشرطين: ألَّا يأخذا ما يضرُّ الولد، وألَّا يأخذاه ويعطياه ولدًا آخر. أما إذا لم يضرَّ الولد، ولم يُؤخَذ ويُعطَى لولدٍ آخر، وإنما أرادت هذه الأم أن تأخذ من مال ولدها الذي تأتيه مكافأةٌ؛ لحاجتها أو لحاجة الأسرة أو العائلة، فلا بأس، الأمر واسعٌ بالنسبة للوالدين، نعم.
هل يجوز للمريض أن يصلِّي جالسًا عند المشقة؟
المقدم: السؤال الثاني: هي مُصابةٌ بجلطةٍ -شفاها الله وعافاها- تقول: إنها تصلِّي أحيانًا قائمةً، وأحيانًا بسبب التعب تصلِّي جالسةً، فما الحكم في ذلك؟
الشيخ: القاعدة في هذا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. والنبي يقول: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعَلى جنبٍ[10]. فيجوز للمسلم أن يصلِّي قاعدًا إذا كان القيام يتسبَّب في الإضرار به، أو أن القيام يَشقُّ عليه مَشقَّةً غير مُعتادةٍ، أيْ: مشقةً تؤثِّر على خشوع الصلاة، فيجوز له أن يصلِّي قاعدًا.
لكن بالنسبة للفريضة خاصَّةً، إن تيسَّر أن تقرأ سورة "الفاتحة" وسورةً قصيرةً -مثل: "الكوثر" أو "الإخلاص"- وتصلِّي وهي قائمةٌ فهذا أَوْلَى. لكن مع ذلك إن كان يشقُّ عليها، فلها أن تصلِّي قاعدةً.
متى يصحُّ أن يكون الابن أو الأخ مَحرَمًا في السفر؟
المقدم: تقريبًا انتهى الوقت. ريم بنت عبدالعزيز تقول: ما هو ضابط المَحْرَم في السفر؟ مثلًا: ابنها أو أخوها ظهرت عليه بعض علامات البلوغ، أو لا بُدَّ أن تكون علامات البلوغ كاملةً حتى يكون مَحرَمًا؟
الشيخ: الضابط هو ما تَحصُل به الكفاية، إذا ظهرت بعض علامات البلوغ فهذا كافٍ، يكفي ظهور علامةٍ واحدةٍ من علامات البلوغ، نعم.
المقدم: شاكرون ومُقدِّرون، فضيلة الشيخ.
الشيخ: وشكرًا لك وللإخوة المشاهدين.
المقدم: شكرًا كذلك لكم أيها الإخوة والأخوات على حُسن متابعتكم ومشاهدتكم.
موعدنا معكم غدًا إن شاء الله في نفس هذا التوقيت.
أستودعكم الله، تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال.
| ^1 | رواه البخاري: 1323، ومسلم: 946. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 1633، والنسائي: 2598. |
| ^3 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه مسلم: 1041. |
| ^5 | رواه البخاري: 990، ومسلم: 749. |
| ^6 | من حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ: كان رسول الله يُوتِر بثلاثٍ، لا يقعد إلا في آخرهن. رواه الحاكم: 1151، والبيهقي في "السنن الكبرى": 4866. |
| ^7 | رواه الترمذي: 1102، وأحمد: 24372. |
| ^8 | رواه الترمذي: 1358، وابن ماجه: 2290، وأحمد: 25296. |
| ^9 | رواه أبو داود: 3530، وابن ماجه: 2291 واللفظ له. |
| ^10 | رواه البخاري: 1117. |