جدول المحتويات
- حكم مجالسة المُسبِل
- حكم إهمال علاج البهيمة وضابط الإثم في ذلك
- حكم دفع زكاة المال لنفقات المسجد
- حكم حديث: "حسبي الله وكفى، وسمع الله لمن دعا"
- حكم إعطاء الأب زكاته لابنه الموظف لسداد أقساط منزله
- رخصة ترك السجود للمريض الذي يشق عليه
- حكم المبيت في جدَّة لمن أحرم من ميقات الجُحفة قبل أداء العمرة
- حكم الإطعام مع قضاء الصوم عند تأخير القضاء
- حكم صلاة المنفرد خلف الصف
- هل التكليف بالوُسع يختص بالتكاليف الشرعية، أم يشمل الأمور الدنيوية؟
- هل كان عمل موسى في رعي الغنم قبل عقد الزواج أم بعده؟
- الاستعاذة من الفتن وحكم قول "يا رب" في الدعاء
- ضابط الحركة التي تُبطل الصلاة
- حكم إلقاء بقايا الطعام في النفايات
- حكم الذكر في القلب دون تحريك الشفتين
- حكم تعدد النوايا في صلاة النافلة
- حكم الزواج بعد تطليق الزوجة الرابعة وقبل انتهاء عدتها
- حكم من أفطرت ظنًّا أن الشِّجار مع الزوج يفطِّر الصائم
- حكم الصلاة إلى غير القبلة في الحضر والسفر
- زكاة أسهم الاستثمار والمضاربة في الشركات
- حكم بقاء الزوجة مع زوجٍ تاركٍ للصلاة
- حكم أخذ الإخوة من راتب أختهم المعاقة المخصص لها من الدولة
- وجوب فعل الأصلح للمريض الذي عنده قصور عقلي
- حكم الاتفاق على اقتسام الدخل مقابل توفير العمل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وطيَّب الله أوقاتكم بكل خيرٍ.
مرحبًا بكم -مشاهدينا الكرام، مشاهدي "الرسالة الفضائية"- في لقاءٍ متجددٍ من (يستفتونك).
في هذا البرنامج نعرض أسئلتكم واستفتاءاتكم على نخبةٍ من المشايخ والعلماء؛ وذلك لإجابة عليها.
في بداية هذا اللقاء نرحب بصاحب المعالي الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.
حيَّاكم الله معالي الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: أنتم -مشاهدينا الكرام- نرحب بكم وبأسئلتكم واستفتاءاتكم، وذلك بالاتصال على أرقام البرنامج، والتي تظهر تِباعًا على الشاشة، فمرحبًا بالجميع.
ونبدأ بأبي عليٍّ من السعودية، السلام عليكم أبا عليٍّ.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله.
المقدم: حيَّاك الله وبيَّاك، تفضل أخي الكريم.
المتصل: عندي سؤالان:
المقدم: السؤال الأول.
المتصل: السؤال الأول: هل مجالسة المُسبِل تدخل في قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ... إلى آخر الآية [النساء:140]؟
المقدم: المُسبِل؟
المتصل: إي نعم، مُسبِل الإزار، يعني هل هي محرمةٌ أو لا، مجالسته طبعًا؟
السؤال الثاني: بعض الناس لا يُعالِج بهيمته إذا مرضت؛ أغنامه أو إبله، هل يأثم إذا لم يُعالِجها أم لا؟
المقدم: لا يُعالِج إبله لماذا؟
المتصل: لا، بهيمته أكرمكم الله.
المقدم: طبعًا البهائمَ كلها؛ إبلًا أو غنمًا أو بقرًا.
المتصل: نعم.
المقدم: لكن ما سبب عدم معالجته؟
المتصل: يعني تقصيرًا منه.
المقدم: تقصيرًا منه.
المتصل: إي نعم، جزاكم الله خيرًا.
المقدم: شكرًا لك يا أبا عليٍّ.
أبو محمدٍ من السعودية:
المتصل: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل يا أبا محمدٍ.
المتصل: الله يعطيك العافية يا شيخ، عندي سؤالان لو سمحت.
السؤال الأول: ما حكم استقطاع مبلغٍ من المال لمصاريف المسجد من الزكاة؟
المقدم: استقطاع مبلغ من المال لماذا؟
المتصل: لمصاريف مسجد الحي من الزكاة.
المقدم: لمصاريف مسجد الحي، وذلك من الزكاة؟
المتصل: نعم، بالضبط.
السؤال الثاني: ما حكم قول: "حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا"؟
المقدم: سؤالٌ ثالثٌ؟
المتصل: لا، هذا الثاني.
الثالث: سألت -الله يحفظك- ما حكم قول: "حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا"؟ متى تُقال هذه؟
المقدم: طيب، فقط هذا؟ سؤالان، صحيح؟
المتصل: نعم، جزاك الله خيرًا.
المقدم: نعم، وإياك، إن شاء الله تسمع الإجابة.
أبو ناصرٍ من السعودية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله، حياك الله يا شيخ ياسر.
المقدم: حياك الله يا أبا ناصرٍ، يا مرحبًا.
المتصل: الله يحفظك ويبارك فيك، عندنا سؤالٌ واحدٌ الله يحفظك.
المقدم: ما هو سؤالك؟
المتصل: السؤال: شابٌّ موظفٌ اشترى منزلًا عن طريق شركةٍ، ودفع مبلغًا مقدَّمًا، وباقي المبلغ يكون بالتقسيط، يعني مدةً حوالي خمس عشرة أو عشرين سنةً.
السؤال يا شيخ: هل يجوز أن يساعده والده في دفع الزكاة؟ يعني يساعده في دفع الزكاة، يعني زكاةً من والده؟
المقدم: هذا السؤال؟
المتصل: نعم، هذا السؤال، الله يحفظك.
المقدم: طيب، سؤالٌ آخر؟ شكرًا لك، تسمع الإجابة إن شاء الله.
أم روابي من السعودية، السلام عليكم.
المتصلة: وعليكم السلام، السلام عليكم يا شيخ.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصلة: أريد أن أسأل الشيخ: أمي كبيرةٌ في السن، وعندها آلامٌ شديدةٌ، ونريدها أن تسجد في الهواء، لكنها غير مقتنعةٍ، تقول: لا بد أن تسجد على شيءٍ، لو وضعنا لها (مِرْكَعًا) أو شيئًا تسجد عليه؛ يصلح أو لا يصلح؟
المقدم: يعني هي لا تستطيع السجود بسبب آلامها؟
المتصلة: عندها ألمٌ شديدٌ، وهي مُصِرَّةٌ على السجود، تقول: لا، لا بد أن أسجد على شيءٍ، فلو وضعنا لها (مِرْكَعًا) أو طاولةً أو شيئًا تسجد عليه؛ حتى تقتنع، يصلح أو لا؟
المقدم: طيب.
المتصلة: جزاك الله خيرًا.
المقدم: شكرًا لك يا أم روابي.
أم عبدالعزيز من السعودية.
المتصلة: السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، تفضلي يا أختي الكريمة.
المتصلة: عندي سؤالان بالله يا شيخ:
السؤال الأول: هناك امرأةٌ لا تستطيع أن تسجد؛ بسبب أن رجليها تؤلمانها، ونضع أحيانًا طاولةً عندها أو وسادةً لتسجد عليها، ما أدري هذا الفعل صحيحٌ أو لا يجوز؟
السؤال الثاني: نحن -يا شيخ- من العِيص، ونذهب للعمرة، ونُحرم من وراء يَنبُع، من الجُحفة، يعني هل يجوز لنا نبيت في جدَّة، ثم نواصل إلى مكة للعمرة، أو نذهب مباشرةً ونصل إلى مكة؟
المقدم: أنتم من العِيص؟
المتصلة: نعم، من العيص.
المقدم: وتَسألون: من أين تُحرِمون؟
المتصلة: نحن نُحرِم من الجحفة دائمًا، لكن هل يصح أن نَبِيت في جدَّة وفي الصباح نواصل العمرة؟
المقدم: يعني بعد أن تُحرِموا تذهبون إلى جدة للمبيت ثم تواصلون بعد المبيت إلى مكة، هكذا سؤالك؟
المتصلة: نعم يا شيخ.
المقدم: طيب.
المتصلة: الله يعطيكم العافية.
المقدم: شكرًا لك.
حسينٌ من العراق، السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام.
السلام عليكم يا شيخ.
المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المتصل: أسألك: ما حكم الذي يصلي منفردًا خلف الإمام، صلاة الجماعة منفردًا خلف الصف؟
المقدم: طيب، السؤال الثاني؟
المتصل: هذا تمام، مشكورٌ.
المقدم: تسمع الإجابة إن شاء الله يا حسين.
سلمى من السعودية، السلام عليكم.
المقدم: وعليكم السلام.
المتصلة: هناك سؤال سألته من قبل، لكن عندما رجعت لـ(اليوتيوب)؛ ما وجدت الإجابة، فأتوقع أنكم لم تنتبهوا لها.
المقدم: ما هو سؤالك؟
المتصلة: السؤال الذي هو عن الكفارة، أنتم أجبتم عن نوع الطعام الذي يُخرَج، ولكن ما أجبتم على الحكم، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟ يعني ما الحكم؟ يعني أجبت عما أُخرِجه، الإدام وكذا، ولكن ما أجبت عن الحكم الشرعي لها، يعني هل هي واجبةٌ أو مستحبّةٌ؟ ما وجدت الجواب.
المقدم: كفارة تأخير قضاء رمضان إلى رمضان القادم، هل هي واجبةٌ أم مستحبةٌ؟
المتصلة: نعم، هذا هو السؤال.
المقدم: طيب، أتمنى أن تتابعي الإجابة؛ حتى لا تفوتك.
المتصلة: بإذن الله.
المقدم: طيب، والسؤال الثاني يا سلمى.
المتصلة: لا، فقط هو هذا السؤال.
المقدم: طيب، شكرًا لك.
وشكرًا لمن اتصل علينا، ومرحبًا بشيخنا، حيَّاكم الله.
الشيخ: حيَّاكم الله وبارك فيكم.
المقدم: ونبدأ بأسئلة المتصلين:
حكم مجالسة المُسبِل
أبو عليٍّ يسأل عن مجالسة المُسبِل، ما حكمها؟ هل تدخل في الآية الكريمة: فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى... [الأنعام:68]؟
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالإسبال إذا كان عن خيلاء؛ فإنه محرمٌ بالإجماع؛ لقول النبي : لا يَنظر الله إلى من جر ثوبه خُيَلاء [1]، متفقٌ عليه.
أما إذا لم يكن عن خيلاء، وكان الإسبال إما عادةً أو لأي سببٍ آخر، ولم يكن عن كِبرٍ وخيلاء؛ فهذا محل خلافٍ بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه مكروهٌ، وليس محرمًا، وهذا هو الذي عليه الجمهور، ومنهم من قال بتحريمه، وهذا هو الأقرب؛ لعموم الأدلة.
وأما مجالسة المُسبِل: فهي كمجالسة غيره ممن يرتكب معصيةً، يبقى مسلمًا له حق الإسلام، لكن ينبغي لمن رأى من أخيه شيئًا أن يبذل له النصح، وأن يُبيِّن له الخطأ الذي وقع فيه؛ لأن الإنسان أحيانًا قد لا يَظهر له عيبه، ولا يظهر له الخطأ الذي وقع فيه إلا إذا نُبِّه من غيره، فَمِن حق المسلم على المسلم أن يَبذل له النصح.
حكم إهمال علاج البهيمة وضابط الإثم في ذلك
المقدم: نعم، في سؤاله الثاني: إذا كان الشخص لديه بهيمة أنعامٍ، وأهملها ولم يعالجها تقصيرًا منه؛ هل يأثم؟
الشيخ: لا يأثم، إلا إذا حبسها ومنعها الطعام والشراب؛ فهذا هو الذي يأثم، وقد قال : دخَلَت النارَ امرأةٌ في هرَّةٍ حبستها، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض [2].
أما بالنسبة لعلاج البهيمة فلا يلزم؛ لأن الله تعالى جعل فيها خاصيةً، وهي أنها تتعافى بنفسها؛ لأن تحرُّكاتها وأكلها وشربها كلها غريزيةٌ، فهي ليست كالإنسان؛ فالإنسان عنده اختيارٌ، وربما أحيانًا يأكل أكلًا غير مناسبٍ، أو يشرب شرابًا غير مناسبٍ، فيُصاب بِوعْكةٍ، أما الحيوانات فالله تعالى جعل فيها غرائز، وهي -بإذن الله تعالى- تتعافى بنفسها في الغالب، ولا يلزم الإنسانَ علاجُها، وإذا كانت مداواة الإنسان ليست واجبةً؛ فما بالك بالحيوان؟!
لكن ينبغي الإحسان إلى الحيوان والرفق به؛ فإن الإحسان إليه من الأمور التي حثَّت عليها الشريعة، وقد قال : إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ حتى في قَتْل الحيوان فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وَلْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرته وَلْيُرِح ذبيحته [3]، فمطلوبٌ الإحسان في معاملة الحيوان، والرفق بالحيوان، والإحسان مطلوبٌ في كل شيءٍ.
حكم دفع زكاة المال لنفقات المسجد
المقدم: أبو محمدٍ يَسأل عن استقطاع مبلغٍ من المال لنفقات المسجد، وذلك من مال الزكاة؟
الشيخ: لا يجوز أن يُستقطع من مال الزكاة لنفقات المسجد؛ لأن هذا ليس من مصارف الزكاة الثمانية، فقد حدَّد الله مصارف الزكاة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]، هذه أصنافٌ ثمانيةٌ.
فصُدِّرت الآية بقوله: إِنَّمَا، وهي من أدوات الحصر؛ وهذا يدل على أن مصارف الزكاة منحصِرةٌ في هذه الأصناف الثمانية، وخَتَم الآية بقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أي أن هذه القسمة صادرةٌ عن علمٍ وحكمةٍ من الله .
وعلى ذلك: يجب الالتزام بصرف الزكاة في أحد هذه المصارف الثمانية، والمساجد ليست منها، وإنما يُصرف للمساجد من غير الزكاة؛ من التبرعات والأوقاف، والصدقات ونحو ذلك.
حكم حديث: "حسبي الله وكفى، وسمع الله لمن دعا"
المقدم: "حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا".
الشيخ: هذا رُوي في حديثٍ عن النبي كما عند مالكٍ في "الموطأ" [4]، لكنه حديثٌ ضعيفٌ لا يصح عن النبي .
حكم إعطاء الأب زكاته لابنه الموظف لسداد أقساط منزله
المقدم: أبو ناصرٍ يسأل: شاب موظفٌ اشترى منزلًا عن طريق شركةٍ، دفع مقدَّمًا ويسدِّد أقساطًا إلى عشرين عامًا، يسأل: هل يصح أن يعطيه والده من الزكاة لمساعدته في التخفيف من هذه الأقساط؟
الشيخ: هنا يُنظر إلى هذا الدَّين الذي على هذا الابن؛ فإن كان يستطيع أن يسدِّد هذا الدَّين، ودَخْلُه جيِّدٌ يستطيع أن يسدد الأقساط، ويكفيه المتبقِّي بعد سداد القسط؛ فليس له الأخذ من الزكاة؛ وليس كل مَدِينٍ مستحِقًّا للزكاة، إنما المستحق للزكاة هو الغارم العاجز، الذي عليه دَينٌ حالٌّ، وهو عاجزٌ عن سداده.
وعلى هذا: فهذا الابن أولًا: الدَّين ليس حالًّا عليه، وهو مُقسَّطٌ على سنواتٍ طويلةٍ، فنقول: لا يجوز للأب أن يُعطِي ابنه من الزكاة لسداد دَينِه، إلا لو حل القسطُ وعجز عن سداده، فله أن يسدِّد هذا القسط عنه من الزكاة، بشرط العجز.
أما إذا لم يعجز عن السداد، وهذا هو الغالب، وهذا ظاهر السؤال؛ فليس للأب أن يُعطِي ابنه من الزكاة لسداد هذه الأقساط؛ لأن الزكاة عبادةٌ لا يُحابَى فيها أحدٌ، وليس فيها مجاملاتٌ، هذه عبادةٌ، فهي ركنٌ من أركان الإسلام، فلا يُحابيه لكونه ابنه، ما دام أنّ هذا الابن موظَّفٌ، وعنده راتبٌ، ويستطيع أن يُسدِّد هذه الأقساط؛ فلا يُعطيه من الزكاة، لكن لو أراد أن يُعطيه من غير الزكاة؛ فلا بأس، لكن لا يُعطيه من الزكاة.
رخصة ترك السجود للمريض الذي يشق عليه
المقدم: أم روابي، وأم عبدالعزيز سألتا نفس السؤال: مَن تشكو من ألمٍ في ظهرها، لا تستطيع السجود على الأرض، لكنها مُصِرَّةٌ على هذا الأمر، أن تسجد على الأرض، وإن لم تتمكن؛ تسجد على أي شيءٍ؛ على (مِرْكَعٍ)، أو تُرفع لها سجادةٌ، هل لا بد من ذلك؟
الشيخ: لا يلزمها، ما دام أنها لا تستطيع، أو يشق عليها السجود مشقةً شديدةً؛ لا يجب عليها ذلك، لكن نقول لابنتها: أن تتركها؛ لأن بعض الناس قد يشقُّ عليه السجود أو القيام في الصلاة، لكنه يَتحمَّل، خاصةً في الفريضة، فينبغي أن يُتْرك، ولا يُضغَط عليه، ولا يُضايَق؛ فبعض الناس من شدة تَعلُّقه بالطاعة لا يريد أن يَفُوته السجود أو ركن القيام.
ولذلك نَقَل هذا ابن مسعودٍ عن الصحابة ، قال: "ولقد رأيتُنا يؤتى بالرجل يُهادَى بين الرَّجلين"، يعني يُعَضَّدُ؛ هذا عن يمينه وهذا عن يساره، لأنه مريضٌ لا يستطيع أن يمشي، لكن من شدة تعلُّقه بالصلاة مع الجماعة في المسجد "يُهادَى بين الرَّجلين حتى يُقام في الصف".
فهذه المرأة نقول: هي مُرخَّصٌ لها أن تترك السجود وتكتفي بالإيماء، لكن لو أصرَّت فتُترك، ليس لبناتها وصايةٌ عليها، لو أصرَّت على أنها تسجد تُترك، يعني لا تُمنع من هذا، ولا تُعنَّف، ولا يُضغط عليها، هي ربما أنها لا تَطِيب نفسها إلا بذلك.
المقدم: خوفًا على مصلحتها.
الشيخ: لكن من حيث الحُكم: لا يجب عليها السجود، لكن ننصح البنت بأن تَترك الأم وشأنها.
المقدم: البنت خائفة على صحة أمها، يعني ما سألت هذا السؤال إلا رحمةً بأمها وخوفًا على صحتها، وألا تَتعب أكثر في موضوع السجود وملامسة الأرض.
الشيخ: على كلٍّ، الأم إذا أرادت أن تتحمل الفريضة؛ فهي وشأنها، ما دام أن عقلها معها وهي رشيدةٌ؛ فليس للبنت وصايةٌ عليها.
حكم المبيت في جدَّة لمن أحرم من ميقات الجُحفة قبل أداء العمرة
المقدم: أم عبدالعزيز من أهالي العِيص، وأحرمت من ميقات الجُحفة، لكن سألت أنها بعد أن أحرمت ذهبت إلى جدَّة للمبيت قبل أن تذهب إلى مكة، يعني مكثت يومًا أو يومين، وكثيرٌ مَن يَسأل هذا السؤال، يعني هل مَن أحرم من الميقات لا بد عليه مباشرةً أن يتجه إلى العمرة، أو له أن يجلس يومًا أو يومين مثلًا في جدَّة أو في مكانٍ مثلًا حتى في الفندق في مكة قبل أن يؤدي العمرة؟ يعني هل لا بد أن يبادر مباشرةً إلى العمرة؟
الشيخ: لا، لا تجب المبادرة إلى العمرة، وإنما له أن يجلس في جدَّة أو في أي مكانٍ، لكن يَبقى على إحرامه ويجتنب محظورات الإحرام، وإذا كانت الأخت الكريمة لمَّا بقيت في جدَّة؛ بقيت على إحرامها واجتنبت محظورات الإحرام؛ فلا شيء عليها.
حكم الإطعام مع قضاء الصوم عند تأخير القضاء
المقدم: سلمى سألت عن كفارة تأخير قضاء رمضان، هل هي على سبيل الاستحباب، أم على سبيل الوجوب؟
الشيخ: كفارة الإفطار في نهار رمضان، أو الإطعام عن الإفطار في نهار رمضان إذا تأخر عن القضاء؟ هذا مقصود السائلة: أن هناك من وجب عليه القضاء، وأدركه رمضان آخر ولم يقضِ، فهل يجب عليه الإطعام مع القضاء، أو لا يجب؟ فهذه مسألةٌ محل خلافٍ بين الفقهاء، والقول الراجح: أنه لا يجب، وإنما يستحب؛ لأن هذا لم يرد فيه دليلٌ صحيحٌ.
الله قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، ولم يذكر إطعامًا، ولم يَرِد هذا في السُّنَّة فيما أعلم، وإنما رُوي ذلك عن بعض الصحابة، وهذا لا يَقوى على القول بإيجاب الإطعام؛ لأن أموال الناس محترمةٌ، والأصل فيها الحرمة، ولا نقول بإيجاب الإطعام عليهم إلا بدليلٍ من كتاب الله أو سُنة رسوله .
أما هذه الآثار عن الصحابة فتُحمل على الاستحباب وعلى الندب، وأنه ينبغي لمن أخَّر القضاء حتى أدركه رمضان من العام الآخر أن يَقضي وأن يُطعم كل يومٍ مسكينًا، لكن الإطعام على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب.
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
المقدم: حسينٌ من العراق، وهنا سؤالٌ أيضًا للأخ أحمد يقول: صلاة المنفرد خلف الصف، وهنا أيضًا حول صحة صلاة المنفرد خلف الصف، ورأيت أن قول الرسول صريحٌ في صلاة المنفرد خلف الصف، وما رأي الشيخ في ذلك؟ وأنه أَمَر الصحابيَّ بإعادة صلاته؟
الشيخ: نعم، صح عن النبي أنَّه قال: لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف [5]، وجاء في حديث وابِصَة بن مَعْبدٍ أن النبي رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة [6]؛ وهذا يدل على أن صلاة الرجل منفردًا خلف الصف لا تصح، لكن هذا مشروطٌ بما إذا كان يجد في الصفِّ فُرجةً وصلى خلف الصف وحده، فلا تصح صلاته، ويؤمر بإعادتها على القول الراجح.
أما إذا أتى ووجد الصف مكتملًا ولم يجد فُرجةً؛ فيَسقط عنه هذا الواجب، ويجوز له أن يصلي خلف الصف وحده في أرجح أقوال أهل العلم، هذا اختيار الإمام ابن تيمية وجمعٍ من المحققين من أهل العلم؛ لأن غاية ما في هذا: أنه واجبٌ، وإذا كانت الأركان والشروط تَسقط بالعجز عنها؛ فهذا الواجب من باب أولى.
فإذا بحث الإنسان عن فُرجةٍ في الصف ولم يجد؛ فله أن يصلي خلف الصف وحده، ويسقط عنه هذا الواجب، أما إذا كان في الصف فُرجةٌ؛ فلا تصح صلاته خلف الصف منفردًا.
المقدم: هل نقول يا شيخنا: يَلزم الشخص أن يبحث عن فُرجةٍ؟ يعني يأتي إلى الصف الأول مثلًا الذي قد اكتمل، ثم يأتي للمصلين ويحاول أن يُحرِّكهم يسارًا أو يمينًا حتى يجد لنفسه فُرجةً؟
الشيخ: إذا وجد فُرَجًا؛ يمكن أن يُنبِّه المصلين إلى التراصِّ حتى يَجِد فُرجةً، لكن الذي يأتي بعده سيجد الصف مرصوصًا.
المقدم: بعض المصلين -يا شيخ- قد يتضايق من هذا الشيء في خشوعه، في استماعه لتلاوة الإمام، ثم يأتي مَن يُشوِّش عليه.
الشيخ: يكون برفقٍ وهدوءٍ، ولا يعنِّفه، إنما برفقٍ وهدوءٍ، أنه يَسدُّ الفُرَج حتى يَجِد فُرجةً فهذا إذا تيسَّر من غير أذيَّةٍ لغيره، أما إذا ترتَّب على ذلك أذيةٌ لغيره؛ فأذية المؤمنين محرمةٌ.
هل التكليف بالوُسع يختص بالتكاليف الشرعية، أم يشمل الأمور الدنيوية؟
المقدم: قول الله : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، هل هذا في الأمور الدنيوية أم في الأمور الشرعية؟
الشيخ: هذا في الأمور الشرعية، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، فهذا من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين، أنه لا يكلفهم من العبادات ما لا يُطيقون، وإنما ذلك بحسب الوسع والطاقة، ويؤيد هذا قولُ الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقول الله : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، وقول الله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].
فالمسلم لا يُكلَّف فوق وُسعه وفوق طاقته؛ ولذلك مطلوبٌ منه في العبادة أن يتقي الله تعالى فيها ما استطاع؛ فعلى سبيل المثال: إذا كان لا يستطيع أن يصلي قائمًا؛ فإنه يصلي قاعدًا، إذا كان لا يستطيع أن يسجد على الأرض؛ يَكتفي بالإيماء، إذا كان لا يستطيع أن يصوم؛ يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا.. وهكذا.
فالقاعدة في هذا: هي قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: فإذا نهيتكم عن شيءٍ؛ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ؛ فأتوا منه ما استطعتم [7]، فهذا خاصٌّ بالأمور الدينية، وخصوصًا العبادات، أما الأمور الدنيوية فلا يتعلَّق بها هذا الحكم الشرعي.
فهذه النصوص محمولةٌ على العبادات، وعلى التكاليف الشرعية، وليست لها علاقةٌ بالأمور الدنيوية.
هل كان عمل موسى في رعي الغنم قبل عقد الزواج أم بعده؟
المقدم: هنا سؤالٌ من الأخ مُسفِرٍ يقول: قال الله : قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:27].
في هذه الآية الكريمة -شيخنا المبارك- أَشكَل عليه مسألة المَهر: هل كان المهر أن يعمل لَدَى أبي هاتين البنتين ثماني سنواتٍ، ثم يَحصُل على المهر، أو أنه تزوج بإحدى هاتين البنتين، وعمل ثماني سنواتٍ، وبعد ذلك أخذ زوجته معه؟
الشيخ: نعم، هذا جاء في قصة موسى عليه الصلاة والسلام لمَّا ورد ماء مَدْيَن، أتى من مصر إلى مدين، ووجد عند ماء مدين أُمَّةً من الناس يسقون عند هذا الماء، ووجد من دون هؤلاء الناس الرجال امرأتين تَذُودان [8]، وعندهما أغنامٌ، تذودان الأغنام، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير [القصص:23]، ما عندنا أحدٌ، فأخذ الدَّلو منهما واستطاع أن يُزاحِم ويأخذ الماء من البئر بقوةٍ، فكان عنده قوةٌ جسمانيَّةٌ، عليه الصلاة والسلام، ثم سقَى لهما وتولَّى إلى الظل، وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24].
يعني خرج من مصر؛ لأن فرعونَ وآل فرعونَ يريدون أن يقتلوه، فخرج ليس معه إلا لباسُه، ليس عنده طعامٌ ولا شرابٌ ولا بيتٌ ولا مأوًى ولا أي شيءٍ، فجلس تحت ظل شجرةٍ وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، فجاءته إحدى البنتين تمشي على استحياءٍ؛ وهذا يدلُّ على أن هاتين البنتين عندهما عِفَّةٌ وتربيةٌ حسنةٌ، فقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].
فذهب معها موسى ، ورأت منه عجبًا؛ رأت أن موسى عليه الصلاة والسلام لا ينظر إليها، عفيفٌ، وأيضًا قال لها: تمشين خلفي وأنا أكون أمامك، فإذا أردتِ أن أذهب يمينًا؛ ترمين بالحصاة يمينًا، ويسارًا؛ ترمين بالحصاة يسارًا أو شمالًا، فتعجَّبتْ من هذا الرجل بهذه الأمانة والعفَّة!
فأتى موسى إلى والد هاتين الفتاتين، ويُقال: إن اسمه شعيبٌ، لكن ليس هو نبي الله شعيبًا قطعًا؛ لأن بين موسى وشعيبٍ عليهما السلام سنين طويلةً، لكن يُقال: إن اسمه شعيبٌ، ولا يهمُّنا اسمه، لكنه رجلٌ صالحٌ، فأتاه موسى وقص عليه القصص، وقص عليه ما جرى، قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:25-26].
كيف عَرَفَتْ أنه قويٌّ أمينٌ؟ قويٌّ؛ لأنه استطاع أن يَسقيَ لهما مع شدة الزحام، فرأت منه القوة العجيبة، الأمين؛ رأت منه العِفَّة، لا ينظر للمرأة، وأيضًا طَلب منها أن تمشي خلفه، فرأت منه الأمانة، وتفرَّست فيه فوجدت فيه القوة والأمانة، وأُعجِبتْ به إعجابًا شديدًا، مع أنه -سبحان الله!- مُجرَّد وقتٍ ليس طويلًا، لكن أعجبها هذا الرجل، رجلٌ له مواصفاتٌ لم ترها من قبل، نبيٌّ من الأنبياء مِن أُولي العزم من الرسل.
قَالَتْ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي، قال أبو هاتين الفتاتين: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ، أزوِّجك إحدى ابنتَيَّ هاتين.
طيِّب، موسى ما عنده مهرٌ، أتى من مصر ما عنده أي شيءٍ، اشتَرَط أيضًا المهر، قال: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:26-27]، يعني ترعى أغنامي ثماني سنين، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27]، إن جعلتَ مدَّة الرعي عشر سنواتٍ؛ فهذا يُعتبر تكرُّمًا منك، فوافق موسى عليه الصلاة والسلام، وأتمَّ أعلى الأجلين عشر سنين، وبقي موسى عشر سنين يرعى الغنم مهرًا لبنت هذا الرجل الصالح؛ وهذا يدل على أن المهور في وقتهم كانت مرتفعةً.
المقدم: قبل أن يتزوجها.
الشيخ: نعم، يعني مهر عشر سنين مهرٌ كبيرٌ، لكن هل تزوَّجها موسى وهو يرعى الغنم في هذه المدة، أو رعى الغنم ثم تزوجها؟ هذا محتمِلٌ، ليس هناك دليلٌ يَحسم المسألة، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه تزوجها وبقي عندهم يرعى الغنم، هذا الظاهر -والله أعلم- من سياق القصة، أنه عَقَد له النكاح، وجعل المهر مُؤَخَّرًا، وبقي عندهم، يعني عند زوجته وعند أبي زوجته، يأكل عندهم ويشرب، وأيضًا يرعى الغنم، بقي عشر سنين.
ومن حكمة الله كما قال عليه الصلاة والسلام: ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة [9]، والحكمة من ذلك والله أعلم: أن فيها تربيةً للأنبياء؛ لأن الغنم يكون فيها..
المقدم: رحمةٌ.
الشيخ: لا، يكون بعض الأغنام تذهب يمينًا وبعضها شمالًا، وبعضها تستعجل، وبعضها..، يعني تكون متفاوتةً، تحتاج إلى سَعَة بالٍ، تحتاج إلى حِلمٍ، تحتاج إلى صبرٍ، تحتاج إلى رعايةٍ، هكذا أيضًا يَتربَّى الأنبياء على ذلك قبل دعوتهم، قبل أن يتولَّوا رعاية أقوامهم الذين يدعونهم، فكأنها تدريبٌ لهم على رعاية الأمَّة؛ ولذلك ما من نبيٍّ إلا رَعَى الغنم.
فلما أتم عشر سنين؛ ذهب بزوجته، سار بأهله، سمَّى الله تعالى الزوجة "أهلًا"، سار بأهله، حتى آنَسَ من جانب الطور نارًا، وكلَّمه الرب مباشرةً من غير واسطةٍ، وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143].
فَلَمَّا تَجَلَّى مجرَّد تجلٍّ تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، سبحان اللَّه! يعني الإنسان بتكوينه البشري لا يتحمل رؤية الرب ، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف:143]، أيضًا حتى موسى ما تحمَّل الموقف، الجبل ما تحمَّل، جَعَلَهُ دَكًّا، الجبل أصبح دكًّا، وموسى صُعق، هذا مجرَّد تجلٍّ للرب سبحانه تجلِّيًا يسيرًا، مع أن الرب سبحانه في العلو جلَّ وعلا استوى على العرش، ومع ذلك كلَّم موسى ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الله لا يُقاس بخلقه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
فقصة موسى هي من أعجب القصص، بل إن ابن تيمية وجمعًا من أهل العلم يرون أنها أعظم من قصة يوسف ، من أعظم قصص القرآن؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يقف عندها، وأن يتدبَّر معانيها، فهي قصةٌ عجيبةٌ، وفيها أحداثٌ كثيرةٌ.
المقدم: أحسنتم شيخنا بارك الله فيكم.
ما شاء الله! الأسئلة كثيرةٌ في (تويتر)، ولهم أيضًا حقٌّ علينا؛ فنبدأ -على بركة الله- بأسئلة (تويتر):
الاستعاذة من الفتن وحكم قول "يا رب" في الدعاء
سماحٌ تقول: أحدهم يقول: إنه لا ينبغي أن نقول: اللهم إني أعوذ بك من الفتن؛ لأن المال والأبناء فتنةٌ، هل هذا صحيحٌ؟ وكذلك لا يجوز عند الدعاء أن نقول: يا رب؛ لأنه منادى، ولا يجوز أن ننادي الله، أَفيدونا جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: أما القول: إنه لا يُستعاذ بالله من الفتن، هذا قولٌ غير صحيحٍ، والمقصود: من شرور الفتن، فعندما يقول الداعي: اللهم إني أعوذ بك من الفتن، أي: من شرور الفتن، رُوي عن بعض السلف أنه يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفتن؛ لأن الفتنة هي المال والولد، لكن مقصود الداعي عندما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفتن، أي: من شر هذه الفتن، يعني الفتن التي فيها شرورٌ، فيُحمل على ذلك؛ ولذلك الأمر فيه سَعةٌ.
وأما أنه لا يُقال: يا رب، فهذا أيضًا غير صحيحٍ، فقد وَرَد في السُّنة ما يدل على صحة ذلك، فقد ذَكَر النبيُّ الرجل يطيل السفر، يمدُّ يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومكسبه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له؟! [10]، رواه مسلمٌ، فهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الرجل أتى بأسباب الإجابة، ومنها: أنه قال: يا رب، ومع ذلك وُجد مانعٌ من إجابة الدعوة، وهو أكل المال الحرام، فلم يُستجب له.
الشاهد: أنه أتى بأسباب الإجابة، ومنها: أنه دعا الله تعالى بالربوبية، قال: يا رب، وأيضًا جاء في الحديث أنه يقال عند الكرب: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث [11].
فالإتيان بحرف النداء لا بأس به في الدعاء، لكنَّ أكثر الدعاء الوارد الذي ذكره الله تعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه يأتي بدون "يا" النداء، ربِّ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:28]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً [البقرة:201]، فأكثر الدعاء وَرَد بدون "يا"؛ وهذا يدل على أن الأفضل والأكمل: أن يأتي الدعاء بدون "يا"، بدون "يا ربِّ"، وإنما: "ربِّ"، لكن لو قال: "يا ربِّ"، فلا بأس بذلك؛ لوروده في السُّنة.
ضابط الحركة التي تُبطل الصلاة
المقدم: شخصٌ يقول: عنده حساسيةٌ، وأثناء الصلاة يقوم لا إراديًّا بحكِّ جلده بحركاتٍ متكررةٍ، فما حكم صلاته؟
الشيخ: صلاته صحيحةٌ؛ لأن الحركات اليسيرة لا تُبطل الصلاة، إنما الحركة التي تُبطل الصلاة: هي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورةٍ، بهذا الضابط: الحركة الكثيرة عُرفًا، المتوالية، لغير ضرورةٍ، أما الحركة اليسيرة؛ حكةٌ مثلًا، ونحو ذلك، فلا بأس بهذا، بل حتى أيضًا لو احتاج لحركةٍ..، مثلًا جواله لم يكن جعله على الصامت، فأتاه اتصالٌ، هنا ينبغي أن يأخذ الجوال ويُسكِت الصوت؛ حتى لا يُزعج المصلين، ولا أيضًا يُشوِّش عليه، فأيضًا لو كان مثلًا إمام مسجدٍ، ومكبر الصوت سبَّب تشويشا؛ لا بأس أن يُحرِّكه أو يُطفئه.
فمثل هذه الحركات لا بأس بها، والنبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العصر -وهو يصلي بالصحابة - حَمَل بنت ابنته أُمامة -بنت ابنته زينب رضي الله عنها- بنت العاص بن الربيع، كان يَحملها في صلاة العصر وهو قائمٌ، فإذا سجد وَضَعها [12]، فهذه الحركات كثيرةٌ، وأيضًا فتح الباب لعائشة رضي الله عنها [13]، وأيضًا في صلاة الكسوف تقدَّم وتقدمت الصفوف، وتأخَّر وتأخرت الصفوف [14].
فهذا يدل على أن مجرد الحركة لا تُبطل الصلاة، وما هو شائعٌ عند بعض العوام: أن ثلاث حركاتٍ تُبطل الصلاة، هذا غير صحيحٍ، لكن الحركة التي تُبطل الصلاة: هي الحركات الكثيرة المتوالية بغير ضرورةٍ.
المقدم: نعم، أيضًا نعود إلى أسئلة (تويتر):
حكم إلقاء بقايا الطعام في النفايات
هنا الأخت إيمان تقول: بعض بقايا الطعام؛ كالأرز واللحم والخبز، عند تنظيف الأطباق تسقط في المَجْلى [15]، وبعضها يُوضع في أكياسٍ ويُلقى بها في النفايات، ثم يُحمل في كباسات النفايات، ويُخلط مع غيره من القاذورات، هل يلحقنا إثمٌ، أم نجمعها ونُلقيها في أماكن بعيدةٍ؟
الشيخ: الواجب احترام النِّعمة، ولا يجوز امتهانها؛ لأن امتهان النعمة نوعٌ من كفران النعم، وكفران النعمة سببٌ لزوالها وذهابها، والله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ابراهيم:7]؛ ولهذا ينبغي المحافظة على هذه النعم.
وبقايا الطعام تُجمع، إما أن تُعطَى للبهائم أو الحيوانات أو الطيور، أو أنها تُجمع وتُوضع في مكانٍ منعزلٍ عن النفايات والقاذورات، لكن لا تُخلط بالقاذورات؛ لأن هذا فيه امتهانٌ لهذه النِّعم.
حكم الذكر في القلب دون تحريك الشفتين
المقدم: عمر يقول: ما حكم الدعاء بالقلب دون تحريك الفم؟ وهل يتساوى الأجر في ذلك؟
الشيخ: هذا ليس دعاءً، الذي يدعو بقلبه ولا يحرِّك لسانه، هذا لا يُعتبر دعاءً، ولا يُعتبر أيضًا قراءةً، ولو صلَّى بهذه الطريقة؛ لم تصح صلاته، هذا مجرد تفكيرٍ لا يعتبر، هذه مسألةٌ خطيرةٌ، بعض الناس يصلي الصلاة كلها من غير تحريك اللسان، هذا لا تصح صلاته، وبعض الناس تجد أنه يفتح المصحف ولا يحرِّك لسانه، إنما يطالع هكذا، هذه ليست قراءةً، هذا مجرد تأملٍ، ولا يترتب عليه ثواب القراءة، هذه مسألةٌ خطيرةٌ، لا بد من تحريك اللسان؛ ولهذا لو أن رجلًا طلَّق زوجته في قلبه ولم يتلفَّظ بلسانه؛ لم يقع الطلاق بالإجماع، لا بد من التلفُّظ باللسان.
ولم يقل أحدٌ من أهل العلم السابقين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بأن الكلام يُطلَق على المعنى النفسي دون تحريك اللسان، إنما أتى هذا من بعض الفرق المتأخرة، من الكُلَّابيَّة ومن نحا نحوهم، وقالوا: إن الكلام الذي في النفس يُعتبر كلامًا، المعنى النفسي، يريدون إنكار صفة الكلام عن الله ، وأن يقولوا: إن القرآن مخلوقٌ غير منزَّلٍ، وهذا معنًى باطلٌ؛ فالكلام لا يَصدق عليه أنه كلامٌ إلا إذا تكلم به الإنسان، إذا تلفظ به، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]؛ ولذلك فهذه لا تُعتبر قراءةً، ولا تصحُّ الصلاة بها، لا بد من التلفظ باللسان.
حكم تعدد النوايا في صلاة النافلة
المقدم: في سؤال الأخ عمر الثاني: ما حُكم صلاة السُّنَّة بأكثر من نيَّةٍ دون ضغط الوقت؛ كصلاة ركعتين بنيَّة سُنة راتبة الظهر ونية الوضوء وتحية المسجد؟ يعني كأني فهمت أنه تُجمع مثلُ هذه النوافل في ركعتين وحدهما بأكثر من نيةٍ.
الشيخ: إذا كانت غير مقصودةٍ لذاتها؛ فلا بأس بجمعها؛ مثل تحية المسجد والسُّنة الراتبة، فتحية المسجد غير مقصودةٍ لذاتها، وإنما المقصود: ألا يجلس في المسجد حتى يأتي بصلاةٍ، فهنا لا بأس أن يجمع بين تحية المسجد والسُّنة الراتبة؛ مثلًا: أتى لصلاة الظهر فصلى السُّنة الراتبة، هذه تكفي عن تحية المسجد، أو مثلًا أتى لصلاة المغرب وصلى ركعتين، تكفي عن تحية المسجد وعن سنة الوضوء أيضًا؛ لأن سنة الوضوء أيضًا ليست مقصودةً لذاتها، لكن لو كانت مقصودةً لذاتها، مثلًا السُّنة الراتبة للعشاء لا تغني عن صلاة الوتر؛ لأن كلًّا منهما مقصودةٌ لذاتها.
والقاعدة في هذا: هي أن النافلة إذا كانت مقصودةً لذاتها؛ فلا تتداخل في النية مع غيرها، أما إذا لم تكن مقصودةً لذاتها؛ كتحية المسجد؛ فيمكن أن تتداخل مع غيرها.
حكم الزواج بعد تطليق الزوجة الرابعة وقبل انتهاء عدتها
المقدم: هنا سؤالٌ من الأخ صالحٍ، يقول: هل من طلَّق الرابعة من نسائه يجب عليه ألا يتزوج حتى تنتهي عدَّتها؟
الشيخ: نعم، يجب عليه ذلك، من كان عنده أربع زوجاتٍ، وطلَّق الرابعة، لا يجوز له أن يتزوج حتى تنقضي عِدَّة الرابعة؛ لأنها إذا كانت في العدَّة، لا زالت في حكم الزوجة، ولو أنها ماتت أو مات هو؛ لَحَصل التوارث بينهما، فالرجعيَّة زوجةٌ، وتأخذ أحكام الزوجة تمامًا؛ ولذلك إذا طلَّق الرابعة لا يجوز له أن يتزوج حتى تنقضي عدَّتها.
المقدم: أيضًا أسئلة (تويتر) ما شاء الله تبارك الله!
حكم من أفطرت ظنًّا أن الشِّجار مع الزوج يفطِّر الصائم
شيرين تقول: صديقةٌ تشاجرت مع زوجها في رمضان، وأفطرت بسبب هذا الشجار؛ اعتقادًا أن هذا الشجار يُفطِّر، فماذا عليها؟
الشيخ: عليها أن تتوب إلى الله ؛ لأن فطرها هذا منكرٌ، وعليها أن تقضي هذا اليوم، فالواجب عليها القضاء والتوبة، الشجار وأيضًا حتى الوقوع في المعاصي عمومًا هذا يُنقِص مِن أجر الصائم، لكنه لا يُفسد الصوم، الصوم معه صحيحٌ، لكن ما دام أن هذا وقع جهلًا؛ فأرجو أن الله تعالى يعفو عنها، لكن الواجب عليها الآن أن تتوب إلى الله وأن تقضي هذا اليوم.
حكم الصلاة إلى غير القبلة في الحضر والسفر
المقدم: هنا سؤالٌ من أحد الإخوة، عبدالله يقول: يا شيخ، صليت باتجاهٍ يخالف القبلة ناسيًا في بعض الصلوات؛ لأني أصلي في غرفٍ مختلفةٍ، ولا أعلم كم هي الصلوات الخاطئة؟
الشيخ: إذا كنت في الحضر ولم تكن في السفر، فالحضر ليس مَحلًّا للاجتهاد، فيلزمك أن تعيد هذه الصلوات، وتتحرَّى ما يَغلب على ظنك وتحتاط، يعني إذا شككت هل هي أربع صلواتٍ أو خمسٌ، تجعلها خمس صلواتٍ، فليس أمامك إلا الاجتهاد، أن تجتهد في عددها وأن تحتاط في ذلك.
أما لو كنت مسافرًا؛ فيلزمك أن تجتهد في البحث عن القبلة، فإذا اجتهدت وأخطأت؛ فصلاتك صحيحةٌ، ولا يلزمك أن تُعِيد، أما إذا صليت إلى غير القبلة في السفر من غير الاجتهاد؛ فيلزمك الإعادة.
فعلى هذا عندنا ثلاث حالاتٍ:
- الحالة الأولى: أن تكون في الحضر ولا تكون في السفر، وصليت إلى غير القبلة؛ فيلزمك إعادة الصلاة.
- الحالة الثانية: أن تكون في السفر، واجتهدت في طلب القبلة، حاولت وسألت، أو أنك مثلًا اجتهدت بمعرفة القبلة بالأجهزة الحديثة، أو بالنظر إلى الشمس ونحو ذلك، لكنك أخطأت؛ فصلاتك صحيحةٌ، ولا يلزمك الإعادة.
- الحالة الثالثة: أن تكون في السفر، وصلَّيت إلى غير القِبلة لكنك لم تجتهد في البحث عن القبلة؛ فيلزمك الإعادة.
زكاة أسهم الاستثمار والمضاربة في الشركات
المقدم: عبدالرحمن يقول: لديَّ أسهم استثمارٍ بعتها واشتريت أسهم شركةٍ أخرى، ونويتها استثمارًا، ثم بعتها بعد فترةٍ واشتريت بالشركة الأولى، والآن نويتها استثمارًا، هل عليَّ زكاةٌ، علمًا أنها بلغت الحول قبل البيع، وعند توزيع الأرباح تم خصم الزكاة؟
الشيخ: السائل من داخل المملكة؟
المقدم: نعم، داخل المملكة.
الشيخ: المستثمر في الأسهم داخل المملكة العربية السعودية تكفي عنه زكاة الشركة؛ لأن جميع الشركات المساهِمة في المملكة مُلزَمةٌ بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة.
أما المُضارِب -الذي يبيع ويشتري في الأسهم- فهذا يجب عليه أن يزكِّيها، بغضِّ النظر عن زكاة الشركة، فيَنظر إلى القيمة السوقيَّة للمحفظة عند تمام الحول فيُخرِج ربع العُشر (2.5%).
والأخ الكريم ذكر أنه مستثمرٌ، لكنه ذكر أنه يبيع ويشتري، فالعبرة بالواقع؛ إذا كان ممن يبيع ويشتري في الأسهم؛ فليس مستثمرًا، وإنما هو مُضارِبٌ، أما لو كان يستثمر، يعني يشتري الأسهم ويتركها مدةً طويلةً، وربما يَبيعه بعد ذلك؛ فزكاة الشركة تكفي.
حكم بقاء الزوجة مع زوجٍ تاركٍ للصلاة
المقدم: نعم، أم ريَّان تقول: زوجي مدمنٌ، ولا يراعي صلاةً ولا صيامًا، وهو الذي ينفق على أولاده الأربعة، هل أجلس عنده أو أطلب الطلاق؟
الشيخ: إذا كان تاركًا للصلاة بالكلِّيَّة، لا يركع لله ركعةً، لا جمعةً ولا جماعةً، ولا يعرف الله طرفة عينٍ، لا يَحل لك أن تبقي معه؛ لقول النبي : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [16]، بل قال: العهد الذي بينا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر [17]، ولقول الله تعالى: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].
أما إذا كان يصلي أحيانًا ويترك الصلاة أحيانًا؛ فهذا لا يَكفر، لكنه على خطرٍ عظيمٍ، ويدخل في الساهين الذين ذكرهم الله في قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].
وأما بقية الأمور؛ من ترك الصيام والوقوع في المخدِّرات، فهذه أيضًا من الكبائر، لكنها أيضًا لا تُخرِج عن الملة، والمهم هو الصلاة، ترك الصلاة بالكلية هذا هو الذي يُخرِج عن الملة، أما ما عداها فلا يُخرِج عن الملة وإن كانت من الكبائر.
وعليكِ أولًا: أن تجتهدي في دعاء الله بالهداية.
ثانيًا: بذل النصح له، وأن تستمري في النصيحة، وأيضًا تستعينين بأهلك وأهله في نصيحته، في أن يترك أولًا الإدمان، وأن يتعالج لدى عيادات مكافحة الإدمان، وأن يُغيِّر أيضًا جلساءه، فإن المدمن غالبًا يكون بتأثيرٍ من جلساء السوء، فلا بد من أن يقطع صِلَته بجلساء السوء، فتَبذُلين جهدك في ذلك، في استصلاحه.
وأما الحكم الشرعي: فكما ذكرنا، المهم هو الصلاة، إذا كان يصلي أحيانًا؛ فتبقين معه مع استمرارك في النصيحة، لكن إذا كان لا يصلي بالكلِّيَّة؛ فلا يحل لك أن تبقي معه؛ لأن تارك الصلاة قد خرج عن الملة، كما هو مُجمَعٌ عليه بين الصحابة ، أما إذا كان يصلي أحيانًا، فتبقين معه مع استمرارك في نصيحته.
حكم أخذ الإخوة من راتب أختهم المعاقة المخصص لها من الدولة
المقدم: الأخت ضوءٌ عبر (تويتر) تقول: لديَّ أختٌ معاقةٌ، لديها نقصٌ في خلايا الدماغ، نحن إخوتها مسؤولون عن شؤونها، ولها راتبٌ شهريٌّ من الدولة أعزَّها الله، هل يحق لأحدٍ من أخوتها الأخذ من فلوسها؟ مع العلم أن وضعهم ميسورٌ ولله الحمد، وأنا أنظر لها بوضع اليتيم بعد وفاة أمي، وأرفض الأخذ من مالها، إلا بشرط الإرجاع، مع العلم بأن أختي الكبرى تقول: نحن من العاملين عليها، الوارد في الآية الكريمة، فهل يجوز أن نأخذ من مالها؟ أتمنى أن تسأل الشيخ.
الشيخ: لا يجوز الأخذ من مالها، إخوانها وأخواتها، لا يجوز أن يقربوا مالها، إنما مالها يُحفظ لها، ويُنفَق عليها منه، وأيضًا يزكَّى، وإن أرادوا أيضًا تنميته؛ فيمكن تنميته في مجالاتٍ قليلة المخاطر، لكن ليس لأحدٍ من إخوانها أو أخواتها أن يأخذ منه ريالًا واحدًا، إلا في الإنفاق عليها ومصلحتها الخاصة، وهذه في حكم اليتيم، وإن كانت ربما تكون ليست يتيمًا كبيرًا، لكن عندها نقصٌ في الإدراك يجعلها في حُكم اليتيم، والله تعالى يقول: وَلَا تُقْرِبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]، فلا يجوز التعرُّض لمالها، وليس لأحدٍ من إخوانها أو أخواتها أن يأخذ منها ريالًا واحدًا، إنما مالها يُحفظ لها ويُنفَق عليها منه.
وجوب فعل الأصلح للمريض الذي عنده قصور عقلي
المقدم: في سؤالها الثاني أيضًا، يتعلق بالموضوع نفسه: أختي هذه ضريرةٌ، ودائمًا يُلِحُّون عليها بعلاج نظرها، وأنا أرفض خوفًا عليها؛ لأنها تُصرَع، وقد سبق لوالدتي أن عالجتها، وتدهور نظرها مرةً أخرى، والآن يُلِحُّون عليها بعمل عمليةٍ، وأنا لظروفها الخاصة، وتشنُّجها، وتسحب الإبرة من يدها، وترفض الأجهزة الطبِّيَّة، ومن سابق تجربةٍ لها مع والدتي؛ أرفض وبشدةٍ، وأقنع إخوتي بأن الله هو مَن خلقها، وهو أرحم الراحمين بها، ولا يُعجزه شيءٌ من أمرها، يعني: هل رَفْض هذه الأخت القائمة على أختها إجراء عمليةٍ فيه بأسٌ؟
الشيخ: ما دام أن هذه المرأة عندها قصورٌ في عقلها؛ فإخوانها وأخواتها يفعلون ما هو الأصلح، ويمكن أن يسترشدوا برأي الأطباء، إذا كان الأصلح معالجتها؛ فيعالجونها، وأحيانًا قد يكون العلاج معه شيءٌ من الألم، لكن يَتحمل المريض هذا الألم في سبيل معالجته، فيُرجع في ذلك لرأي الأطباء.
المهم، القاعدة في هذا: هو أنهم يفعلون ما هو الأصلح لها، فإذا كان هذا العلاج ليس فيه خطرٌ عليها، وقرَّر الطبيب أن معالجتها أصلح؛ فيُفعل ما هو الأصلح، هذا هو الواجب في مثل هذه الحالات.
المقدم: مُخرِجَنا، كم بقي؟ جزاك الله خيرًا.
حكم الاتفاق على اقتسام الدخل مقابل توفير العمل
هنا السائل يقول: لدينا شخصٌ من إحدى الجنسيات المسلمة شرق آسيا يقول: هناك في بلدهم رجلٌ يعطيهم تَكلِفة الذهاب للمملكة، لمن لم يجد عندهم عملًا، ويَشترط عليه أنه إذا جاء للمملكة أن يكون ما يحصِّله من مالٍ بينه وبينهم، هل هذه الوساطة لإيجاد العمل، أم ماذا؟ هل الاشتراط هذا في محلِّه؟
الشيخ: إذا اتَّفق هو وإياه على شروطٍ معيَّنةٍ وتراضوا على ذلك؛ فالنبي يقول: المسلمون على شروطهم [18]، هذه أمورٌ ماليَّةٌ، إذا حصل بينهم اتفاقٌ أو شروطٌ؛ فيكون الأمر على ما اشترطوا.
المقدم: الحمد لله، شكرًا لكم معالي الشيخ.
الشيخ: وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.
المقدم: بارك الله فيكم.
والشكر أيضًا موصولٌ لكم -مشاهدينا الكرام- على حسن متابعتكم لهذا اللقاء، والذي يمكنكم أن تتابعوه كاملًا على حسابات "قناة الرسالة" في (تويتر) و(يوتيوب).
إلى أن نلقاكم غدًا؛ نترككم في حفظ الله ورعايته.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 5783، ومسلم: 2085. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 3482. |
| ^3 | رواه مسلم: 1955. |
| ^4 | رواه مالك بلاغًا: 3346. |
| ^5 | رواه ابن ماجه: 1003، وأحمد: 16297. |
| ^6 | رواه أبو داود: 682، والترمذي: 230، وقال: "حديث حسن". |
| ^7 | رواه البخاري: 7288. |
| ^8 | تذودان: تحبسان غنمهما، يقال: ذاد فلانٌ غنمه وماشيته، إذا أراد شيءٌ من ذلك أن يشذ ويذهب فردَّه ومنعه. ينظر تفسير الطبري (18/ 207). |
| ^9 | رواه البخاري: 2262، بنحوه. |
| ^10 | رواه مسلم: 1015. |
| ^11 | رواه الترمذي: 3524. |
| ^12 | رواه البخاري: 516، ومسلم: 543. |
| ^13 | رواه أبو داود: 922، والترمذي: 601، وقال: "حسن غريب". |
| ^14 | رواه مسلم: 904. |
| ^15 | المجلى في اللهجة الخليجية: هو حوض غسيل الأواني والأطباق. |
| ^16 | رواه مسلم: 82. |
| ^17 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب". |
| ^18 | رواه أبو داود: 3594، وذكره البخاري معلقا (3/ 92). |