الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لابن عقيل/(12) من قوله “والتداوي بالحجامة والفَصْد والكي وشرب الأدوية جائز..”
|

(12) من قوله “والتداوي بالحجامة والفَصْد والكي وشرب الأدوية جائز..”

مشاهدة من الموقع

نبدأ أولًا بشرح (أصول الآداب من الأخلاق المشروعة).

وكنا قد وصلنا إلى قول المؤلف رحمه الله: “والتداوي بالحجامة والفَصْد والكي وشرب الأدوية جائزٌ”.

“فصلٌ: والتداوي بالحجامة والفَصْد والكي وشرب الأدوية جائزٌ، ولا يجوز التداوي بمُحَرِّمٍ ولا نجس، وقد رُوي عن أحمد كراهة الكي وقطع العروق، والرواية الأولى أصح”.

الشرح:

حكم التداوي بمُحرَّم

قال: “ولا يجوز التداوي بمحرمٍ”. ويدل لذلك: أن النبي لما سئل عن الخمر تُصنَع دواءً، قال: إنها ليست بدواءٍ؛ ولكنها داءٌ [1]، أخرجه مسلمٌ في “صحيحه”، وأيضًا حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي قال: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها [2]، وهو حديثٌ صحيحٌ بمجموع طرقه وشواهده، وهذا يدل على تحريم التداوي بمحرمٍ، وعلى ذلك لا يجوز التداوي بالخمر ولا بالخنزير، ونحوهما، لا يجوز التداوي بهما، ولا بغيرها من المحرمات.

ولكن عند الضرورة إذا لم يوجد بديلٌ، فهل يجوز التداوي بهذا الشيء المحرم أم لا؟

هذا محل خلافٍ بين العلماء، يرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز، وهذا رأي أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، وجمعٍ من أهل العلم، أنه لا يجوز التداوي بمحرمٍ، حتى عند الضرورة؛ لأنه لا يُقطع بنفع ذلك الدواء، ولكن الطب في الوقت الحاضر قد تقدم، بعض الأدوية قد يقطع الآن بنفعها، بفائدتها، فالذي يظهر أنه إذا لم يُوجد بديلٌ، وقُطع بنفع ذلك الدواء، أنه يجوز التداوي به؛ لقول الله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] فبين الله تعالى أن الضرورات تبيح المحظورات، فالذي يظهر -والله أعلم- أنه إذا قطع بنفع الدواء، ولم يوجد البديل، واضطر الإنسان إليه، فلا حرج، بهذه القيود وبهذه الشروط.

حكم التداوي بجيلاتين الخنزير

الجيلاتين إذا كان بغير مُحَرَّمٍ، فلا شك في جوازه، لكن الجلاتين مُحَرَّمٌ، يعني: الجيلاتين من أصلٍ محرمٍ جيلاتين الخنزير.

جيلاتين الخنزير هل تتحقق فيه الاستحالة أو لا تتحقق؟ هو أن يُؤخذ الخنزير، ثم يعاد تصنيعه بطريقة معينة لتكوين هذا الجيلاتين، ويستخدم في التداوي، خاصةً لمرضى القلب ونحوهم، فهل تتحقق الاستحالة؟ فنقول: إن الجيلاتين المستخرج من الخنزير أصبح مادةً جديدةً، فيجوز أو نقول: إنه لا زال أثر الخنزير فيه باقيًا فلا يجوز التداوي به؟

هذا مما عُرض على المجامع الفقهية، المجمع الفقهي بالرابطة قال: إنه لا يجوز التداوي بجيلاتين الخنزير، إلا عند الضرورة وعدم وجود البديل، والمجمع الفقهي الدولي في دورته الأخيرة التي عقدت قبل شهر تقريبًا، وكنت حاضرًا وشاركتُ في هذه الدورة، وأيضًا كنت في لجنة صياغة القرار، لكن المختصين اختلفوا؛ هل تتحقق الاستحالة الكاملة للجيلاتين المستخرج من الخنزير أو لا تتحقق؟

بعضهم قال: إنها تتحقق، وتصبح خصائص مختلفةً عن الخنزير في كل شيءٍ، وعلى ذلك: قالوا: يجوز استخدام جيلاتين الخنزير.

وهناك من أهل الاختصاص من قال: إن الاستحالة الكاملة لا تتحقق.

ونظرًا لاختلاف المختصين؛ فقد رأى المجمع الفقهي تأجيل إصدار قرارٍ في الجيلاتين المستخرج من الخنزير في دورةٍ قادمةٍ بعد مزيدٍ من الدراسة في هذه القضية.

نعم، استحالة كاملة، لا بد، طبعًا الكلام في الاستحالة الكاملة، الاستحالة الغير كاملةٍ، يبقى خنزيرًا، يبقى محرمًا، لكن الكلام في الجيلاتين الذي يقولون: تحقق فيه الاستحالة كاملةً، تتحول لعينٍ أخرى.

هل بالفعل تتحول عينٍ أخرى مختلفةً في الاسم وفي الخصائص وفي الصفات؟ أو أنه ما يمكن أن تتحول لعينٍ أخرى، يبقى أثرٌ من الخنزير؟

أقول: أهل الاختصاص اختلفوا، ولذلك؛ المجمع الفقهي أجَّل إصدار قرارٍ في هذه للدورة القادمة، ولعلها -إن شاء الله تعالى- إذا اتضح الرأي نخبركم -إن شاء الله تعالى- بما ينتهي إليه المختصون، وما يصدر به قرار المجمع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى.

حكم التداوي بالنَّجِس

قال: “ولا نجسٍ”. أي: أنه لا يجوز التداوي بالنجس، ولا تلازم بين النجاسة والتحريم؛ فإن كل نجسٍ محرمٌ، وليس كل محرمٍ نجسًا، فمثلًا السموم، السموم محرمةٌ، لكنها ليست نجسةً، الدخان الذي هو التَّبْغ، هذا محرمٌ، لكنه ليس نجسًا، إذنْ ليس كل محرمٍ نجسًا، لكن كل نجسٍ محرمٌ.

والمؤلف يرى أنه لا يجوز التداوي بالنجس، نحن نقول: إنه لا يجوز التداوي بالمحرم على التفصيل الذي ذكرنا، لكن هل نقول: إنه لا يجوز التداوي بالنجس؟ المؤلف يرى أنه لا يجوز التداوي بالنجس، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني: أنه يجوز التداوي بالنجس عند الحاجة وعدم وجود بديلٍ يقوم مقامه؛ لقول الله تعالى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119].

وقالوا: إنه ليس هناك دليلٌ ظاهرٌ يدل على تحريم التداوي بالنجاسات، وإنما الأدلة تدل على تحريم التداوي بالمحرمات، وليس بالنجاسات.

والذي يظهر -والله أعلم- أن التداوي بالنجس لا يجوز إلا عند الضرورة، كما قلنا في التداوي بمحرمٍ؛ لأننا قررنا أن كل نجسٍ محرمٌ، ويتفرع عن ذلك: أن التداوي بالنجس هو كالتداوي بالمحرم.

وعلى ذلك: فالذي يظهر أنه لا يجوز التداوي بالنجس إلا عند الضرورة.

وعلى هذا نستطيع أن نقول: لا يجوز التداوي بمحرمٍ ولا بالنجس إلا عند الضرورة، وعدم وجود البديل، فيجوز؛ لقول الله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119].

قال: “وقد رُوي عن أحمد كراهة الكي”. وهذا تكلمنا عنه.

حكم قطع العروق للتداوي

“وقطع العروق”. قطع العروق: رُوي عن أحمد كراهة ذلك، وقال بعض أهل العلم: إن ذلك يرجع للأطباء، فإذا قالوا: بأن في ذلك نفعًا فلا بأس، وإذا قالوا: إن في ذلك ضررًا، فإنه يكون مكروهًا، وهذا هو الأقرب: أن المرجع في ذلك للأطباء، والطب في الوقت الحاضر قد تقدم، والأطباء لا يمكن أن يُقْدموا على شيءٍ إلا ويغلب على الظن نفعه للمريض، الطب في الوقت الحاضر تقدم تقدمًا عظيمًا، أكثر من أي وقتٍ مضى، ولذلك؛ فهذا الذي يذكره الفقهاء بناءً على التداوي في صورته البسيطة الموجودة فيما سبق.

“فصلٌ: ومن رأَى من الحيات شيئًا في منزله فلْيُؤْذِنْه ثلاثًا، إن بدا له بعد ذلك قتله، وقد قال الإمام أحمد: إن كان ذو الطُّفْيَتَين والأَبْتَر قتله ولم يُؤْذِنْه، وذو الطفيتين: الذي بظهره خطٌّ أسود، والأبتر: الغليظ القصير الذَّنَب، وصفة القول الذي يُؤْذِنه: امض بسلامٍ، أو اذهب بسلامٍ”.

الشرح:

حكم قتل الحيَّات داخل البنيان

قال: “فصلٌ ومن رأى من الحيات شيئًا في منزله فليؤذنه ثلاثًا، إن بدا له بعد ذلك قتله، قال أحمد: إن كان ذو الطفيتين والأبتر قتله ولم يؤذنه”.

من رأى من الحيات، وهي الأفاعي، شيئًا في منزله، ويفهم من كلام المؤلف أن حكم الحيات في المنازل يختلف عن حكمها في غير المنازل، وهذا هو الذي تدل له الأحاديث، فالحيات داخلَ البنيان يختلف حكم قتلها عن الحيات في الصحراء، ففي غير البنيان كأن تكون في الصحراء هذه لا تُؤْذَن؛ وإنما تقتل، وأما داخل العُمْران، وهي العوامر، وتسمى (العوامر)، هذه قد جاءت السنة بأنها لا بد أن تُؤْذَن، أي: تُنذَر، ويدل لذلك قول النبي : إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذِنوه ثلاثًا. يعني: أنذروه ثلاثًا، وفي رواية أخرى عند مسلمٍ: فآذنوه ثلاثة أيامٍ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطانٌ [3]، وجاء في روايةٍ أخرى: إن لهذه البيوت عوامر، فحَرِّجوا عليها ثلاثًا؛ فإن ذهب، وإلا فاقتلوه؛ فإنه كافرٌ [4].

فدل ذلك على أن السنة التحريج والإنذار للحيات التي تكون في العُمران ثلاثًا، وهل المراد ثلاث مراتٍ، أو ثلاثة أيامٍ؟ هذا محل خلافٍ بين العلماء، والأقرب -والله أعلم- أن المراد ثلاثة أيامٍ؛ لأن هذا قد وردت به الرواية، كما عند مسلمٍ: فآذنوه ثلاثة أيامٍ.

وأما ما في الصحراء فإنها لا تؤذن، إذنْ إنما تؤذن وتنذر ويُحرَّج عليها في العمران، أما في الصحراء فإنها لا تؤذن، وقد بين النبي -عليه الصلاة والسلام- الحكمة من ذلك، وهي أنها قد تكون جنًّا، على شكل حياتٍ، كما في قصة الأنصاري الذي قتل حيةً في بيته فقُتِلَ في الحال، قتله الجن [5].

فالجن قد تتشكل بشكل حياتٍ، لكن هذا إنما يكون في العمران، وأما في الصحاري فإنها تُقتل من غير تحريجٍ، ومن غير إنذارٍ.

ما يقتل من الحيات دون إنذار

قوله: “وقال أحمد: إن كان ذو الطفيتين والأبتر قتله ولم يؤذنه”. وضح المؤلف المقصود بذي الطفيتين فقال: “ذو الطُّفْيَتَين: الذي بظهره خطٌّ أسود، والأبتر: القصير الذَّنَب”. يعني: هذان نوعان من الحيات:

الأول: ذو الطفيتين، يعني: عليه خطَّان أسودان.

والثاني: والأبتر هو قصير الذَّنَب، يعني: يشبه مقطوع الذنب في هذا.

وهذان النوعان من أخبث ما يكونا من الحيات، ويقال: إنها ليست موجودةً في المدينة، ولا حتى في أرض العرب، لكن كانت موجودةً في أرض التُّرْك، ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- يخبر عن الشيء؛ لأن الله تعالى قد أوحى إليه بذلك، والله تعالى يعلم بأن الإسلام سينتشر في أنحاء الأرض كلها.

هذان النوعان أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه يحصل منهما ضررٌ بإذن الله تعالى، جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال: اقتلوا ذا الطُّفْيَتَيْن والأبتر؛ فإنهما يَطمِسان البصر، ويُسقِطان الحَبَل [6]، الحديث رواه البخاري ومسلم، فذكر النبي أن لهذين النوعين من الحيات، وهو ذو الطفيتين والأبتر، ذكر لهما ضررين:

الضرر الأول: يَطمِسان البصر، يعني: إذا رأى الإنسان هذا النوع من الحيات يعمى مباشرةً، مباشرةً تسلب بصره، ويحتمِل -والله أعلم- أنها تطلق أشعةً لها خاصيةٌ في طمس البصر.

الضرر الثاني: يُسقطان الحَبَل، إذا رأت المرأة الحامل هذا النوع من الحيات أسقطت وأجهضت مباشرةً.

هذا يدل على أن لهما تأثيرًا بطريقةٍ لا نعلم حقيقتها، حتى الآن لا تُعرف، كيف يسقطان الحبل؟ وكيف يطمسان البصر؟ لا يعرف الناس، ولا الأطباء كيفية ذلك، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر بهذا، فهذا النوع من الحيات ضرره عظيمٌ، وهو أخبث ما يكون من الحيات، ولهذا؛ فتقتل هذه الحيات من غير إنذارٍ، ومن غير تحريجٍ.

فإذنْ نريد أن نلخص ما سبق: الذي يقتل من الحيات من غير إنذار ولا تحريج كم؟ أصبحت ثلاثةً:

الأول: التي تكون في الصحراء في غير العمران، تكون في الصحراء.

الثاني: ذو الطُّفْيَتَين.

الثالث: الأَبْتَر.

هذه الثلاثة تقتل من غير إنذارٍ، ومن غير تحريجٍ، ما عداها لا بد من إنذارها وتحريجها خشية أن تكون من الجن.

وقد تكون هي من الجن حقيقةً، وقد تكون من الجن تصورًا، ويقول العلماء: إن الجن إذا تشكلت بأشكال غير حقيقتها، فإنه يحكمها الشكل والصورة، حيث إن الإنسان إذا قتلها فإنها تموت، لو رمى عليها حجرًا، أو ضربها بأي شيءٍ، فإنها تتأثر بذلك، ولذلك؛ التشكل لا يكون إلا لمدةٍ قصيرةٍ، ما يبقى مدةً طويلةً؛ لأن الجن يعرف هذا، يعرف أنه إذا تشكل فتحكمه هذه الصورة التي ظهرت، فلو أن أحدًا أخذ حجرًا ورماه وهو متشكلٌ يقتله، فلذلك؛ الجن نفسها تَحذر التشكل، وإذا تشكلت تتشكل لوقت قصيرٍ، ولا يطول زمن التشكل، لكن أحيانًا قد تكون الحية من الجن حقيقةً، تكون حيةً لكنها من الجن، كما أن الإنس عندهم حياتٌ، فالجن كذلك عندهم حياتٌ، هذه لا بد من تحريجها وإنذارها.

صفة التَّحريج الذي يؤذن به الحيات

ذكر المؤلف صفة التحريج، فقال: “وصفة القول الذي يؤْذِنه: امض بسلامٍ، أو اذهب بسلامٍ”. وهذا لم يرد في حديثٍ أنه يكون التحريج بهذه الصيغة، والذي يظهر أنه يأتي بأي صيغةٍ تؤدي الغرض، إما أن يقول كما قال المؤلف: امض بسلامٍ، أو اذهب بسلامٍ. أو أن يقول: أُحَرِّج عليك بالله واليوم الآخر، أن تذهب من هذا المكان، وإلا قتلتك. كما قال الإمام مالك وغيره، أو: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تؤذينا، وأن تذهب من هذا المكان، أو بأية عبارةٍ تؤدي هذا المعنى، فينذره ويحرِّج عليه وينذره بالقتل، يقول: إما أن تذهب وإلا سأقتلك. فإذا أنذره ثلاثة أيامٍ، ولم يذهب فإنه يقتله، ولهذا؛ في الحديث الآخر: فإنه كافرٌ ولا يستحق، حينئذٍ يصبح دمه هَدَرًا.

“فصلٌ: ويجوز قتل الأوزاغ، ولا يجوز قتل النمل، ولا تخريب أحْجِرَتِهن، ويكره قتل القَمْل بالنار، ولا يحل قتل الضفادع؛ لأن النبي نهى عن قتل الضِّفدِع”.

الشرح:

حكم قتل الأوزاغ

قال: “ويجوز قتل الأوزاغ”. والأوزاغ: جمع وَزَغٍ، ويسمَّى وَزَغًا، ويسميه بعض الناس بالبُرْص، ويسميه آخرون بالضاطور، كل هذه تسمياتٌ له، فالوزغ هو الأشهر في تسميته، لكن بعض التسميات، الناس في بعض البلدان يسمونها بالبرص، وبعض الناس يسموها بالضاطور.

المؤلف يقول: “يجوز قتله”. ولكن الذي يظهر أنه يستحب قتله، ولا يقال: إنه فقط يجوز، يستحب قتله؛ لأن النبي أمر بقتل الأوزاغ، كما في حديث أم شَرِيكٍ في “الصحيحين” [7]. وهذا أمرٌ، وأقل ما يفيده الأمر الاستحباب، بل جاء الترغيب في قتله، كما في قول النبي : من قتل وَزَغًا في أول ضربةٍ كتبت له مئة حسنةٍ، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك [8]، رواه مسلمٌ.

طيب؛ لماذا في المرة الأولى حسناتٌ أكثر؟ لأن هذا من باب الإحسان في القِتلة؛ إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة [9]، كونه قد قتله في المرة الأولى فيكون قد قتله وأحسن في القتلة؛ فيكون أجره أعظم، والمرة الثانية فيه نوعٌ من التعذيب له؛ فيكون أجره أقل، في المرة الثالثة أقل، فهذه الأحاديث تدل على أن قتل الأوزاغ مستحبٌّ، ولا يقال: إنه مباحٌ، كما قال المؤلف رحمه الله.

ما الحكمة من الأمر بقتل الأوزاغ؟

جاء بيان ذلك في حديث أم شَرِيكٍ: كان يَنفخ على إبراهيم [10]؛ لأجل إضرام النار، يعني: الحيوانات كلها كانت تحاول إطفاء النار، إلا الوزغ؛ لخُبثه كان ينفخ على النار التي أوقدها المشركون لإحراق إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ولم يرد أن الحيوانات كانت تَنفخ لإطفاء النار لم يرد هذا، كلامٌ لبعض العلماء، لكن ليس عليه دليلٌ، ولكن الذي عليه دليلٌ: أن الوزغ كان ينفخ على النار؛ لأجل إضرامها وإشعالها، فهو خبيثٌ بطبعه.

حكم قتل النَّمل

قال: “ولا يجوز قتل النمل، ولا تخريب أحْجِرَتِهن، ويكره قتل القَمْل بالنار، ولا يجوز قتل النمل”.

النمل أمةٌ من الأمم، وقد ذكر الله تعالى النمل في سورةٍ من سور القرآن، بل سميت إحدى سور القرآن بسورة النمل، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18].

فهذا يدل على أن النمل أمةٌ من الأمم، وأن لها لغةً تتحدث فيما بينها، والله تعالى يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: 38]. والله تعالى علم سليمان لغة الحيوان ولغة الطير، فسليمان -عليه الصلاة والسلام- سمع كلام هذه النملة؛ فتبسم ضاحكًا من قولها. وهنا يعني من اللطائف التي يذكرها بعض العلماء: أن الله تعالى حكَى قول نملةٍ في كتابه العظيم، حكاه رب العالمين، خالق كل شيءٍ، نقل لنا كلام نملةٍ فقال: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ [النمل: 18].

وهذا يدل على فضل المبادرة، فهذه النملة بادرت وتكلمت وحذرت، وقالت: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ. فكانت تستحق أن يُنَوَّه بها، ويُنقل كلامها، والذي نقل كلامها من؟ رب العالمين، هذا يدل على فضل المبادرة، بقية النمل ما له ذكرٌ، إلا هذه النملة التي تكلمت.

طيب، ما هي الميزة التي تتميز بها هذه النملة؟ المبادرة بادرت وتكلمت، فنقل رب العالمين لنا كلامها في كتابه الكريم، فهذا يدل على فضل المبادرة، وأن الإنسان يكون مبادرًا للخير، فأي مجالٍ فيه خيرٌ يحث الناس على الخير، ولا يستحي ولا يخجل، هذا ليس حياءً، بل خجلٌ، الخجل المذموم، يحث الناس على الخير دائمًا، أي مناسبةٍ من المناسبات التي فيها خيرٌ حث الناس عليها، مشروعٌ خيريٌّ مثلًا يدعو الناس إليه، عملٌ خيريٌّ، عملٌ صالحٌ، فيكون الإنسان صاحب مبادرةٍ دائمًا، في حث الناس، في توجيه الناس، في تحذير الناس، في إنذار الناس، فانظر كيف أن الله تعالى نقل لنا كلام نملةٍ من النمل في كتابه الكريم؟!

قال: “لا يجوز قتل النمل”. وقد ورد في ذلك حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أن النبي نهى عن قتل أربعٍ من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد [11]، أخرجه أبو داود وابن ماجه.

وأيضًا جاء في حديث أبي هريرة ، والحديث في “الصحيحين”: أن نبيًّا من الأنبياء قرصته نملةً فأمر بإحراق قرية النمل، فأوحى الله إليه: فهلَّا نملةً واحدةً؟! [12].

حكم قتل النَّمل إذا كان مؤذيًا

فهذا يدل على أن الأصل أنه لا يجوز قتل النمل ما لم يؤذِ، فإن آذى جاز قتله؛ لقول النبي : خمسٌ فواسقُ يقتلن في الحِل والحرم [13]. فذكر علة قتلهن، وهي الفسق، المراد به العدوان والأذية؛ فدل ذلك على أن ما كان مؤذيًا من الحيوان لبني آدم أنه يجوز قتله.

فإذنْ الأصل: أن النمل لا يجوز قتله، إلا إذا آذى، ويُستثنى من ذلك قتلهن بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، فيقتل النمل بغير النار؛ كأن يقتل مثلًا بمبيداتٍ حَشَريةٍ، فإذا آذى يقتل بمبيداتٍ حشريةٍ ونحو ذلك، أو بالضرب، أو بأية صفةٍ، لكن لا يقتل بالنار؛ لقول النبي : إنه لا يعذِّب بالنار إلا رب النار [14].

فإن قال قائلٌ: أليس هذا النبي أحرق قرية النمل، والله تعالى أوحى إليه: هلَّا نملةً واحدةً؟ كيف نجمع بين هذا، وبين قوله : إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. وأنه لا يجوز قتل النمل بالحرق؟

نعم، هذا في شرع مَن قبلنا، وأما شرعنا فقد ورد بتحريم القتل أو التعذيب النار.

حكم تخريب جحور النمل

قال: “ولا تخريب أحجرتهن كذلك أيضًا”. معنى ذلك: أن الإنسان لا يعبث، ويأتي للنمل ويقتله من غير سببٍ، هذا لا يجوز، هذه أمةٌ من الأمم، تسبح الله ​​​​​​​، أو يأتي ويعبث بجحر نملٍ من غير سببٍ، وهذا النمل لم يؤذِه، هذا لا يجوز، هذه أمةٌ من الأمم، وخلقها الله لحكمةٍ تسبح بحمد الله ​​​​​​​ لا يجوز أن تقتلها إلا إذا آذتك.

ويلاحظ العبث على بعض الناس، بعض الناس عنده عَبَثٌ، يأتي للحيوانات ويقتلها بدون سببٍ، لا يجوز مثل هذا، يخشى عليه من العقوبة، لا يقتل الحيوان إلا إذا آذى، أو أن يكون مؤذيًا بطبعه، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: خمسٌ فواسقُ يُقتلن في الحِلِّ والحرم [15]، أو مثل الوزغ مثلًا الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله، لكن مثل النمل الأصل أنه ما يُقتل إلا إذا آذى.

قال: “ويكره قتل القَمْل بالنار”. القمل مؤذٍ بطبعه، فهو يقتل، لكن بغير النار؛ لقول : إنه لا يعذِّب بالنار إلا رب النار [16].

حكم قتل الضفادع

“ولا يحل قتل الضفادع”؛ لأن النبي نهى عن قتل الضِّفدِع، وقد جاء في حديث عبدالرحمن بن عثمان ، أن النبي سأله طبيبٌ عن الضِّفدِع يجعلها في دواءٍ، فنهى عن قتلها [17]، أخرجه أبو داود بسندٍ جيدٍ، ونهيه عن قتله يدل على أنها لا يجوز أن تقتل، وأنه أيضًا يحرم أكلها.

ولكن هذا أيضًا مُقَيَّدٌ بالقيد الذي ذكرنا قبل قليلٍ، وهو ما لم تُؤذِ، فإن آذت جاز قتلها؛ لأن الله بين لنا أن كل ما خلق في هذه الأرض فهو لبني آدم، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]، فإذا كان بعض هذه الحيوانات تؤذي الإنسان جاز له أن يقتلها، فإذا آذاه الضِّفدِع، آذاه النمل جاز قتله، آذاه القمل أي حيوان يؤذيه، فإنه يجوز قتله، إلا أن يكون كما ذكرنا مؤذيًا بطبعه، فيقتل مطلقًا، كما في الوزغ، وفي القمل، وفي الخمس الفواسق، فهذا يقتل مطلقًا، وأما ما عداها؛ كالضفدع والنمل، هذا لا يقتل إلا إذا آذى؛ لأنها أممٌ تسبح الله ، خلقها الله تعالى لحكمةٍ.

“فصلٌ: ولا يجوز إخصاء البهائم، ولا كَيُّها بالنار للوَسْم، وتجوز المداواة حسبما أجزنا في إحدى الروايتين”.

الشرح:

حكم إخصاء البهائم

قال المصنف رحمه الله: ولا يجوز إخصاء البهائم”. إخصاء البهائم معناه: سَلُّ خُصْيَتَيِ البهيمة، أي: قطعها. والقول بأنه لا يجوز خِصاء البهائم، هو أحد القولين في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد.

والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز خِصاء البهائم إذا كان في ذلك مصلحةٌ راجحةٌ، كتطييب اللحم، وتسمين الحيوان ونحو ذلك، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو القول الراجح، وذلك؛ لأن الله يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]. فجميع ما خلقه الله تعالى في الأرض إنما هو لمصلحة بني آدم، فإذا كان في خِصاء البهائم مصلحةٌ للناس فلا بأس به، وقد جاء في “مسند الإمام أحمد”: أن النبي ضحى بكبشين مَوْجُوءَين [18] أي: خَصِيَّين، يقولون: لأن الخَصِيَّ يطيب لحمه، فهو أفضل وأكمل عند أرباب المواشي، ولذلك؛ يفضلون الخصي، يفضلون لحم الحيوان الخصي على غيره؛ لأن لحمه يكون أطيب وألذ.

وعلى هذا فالقول الراجح: أنه إذا وُجد مصلحةٌ راجحةٌ في إخصاء البهائم فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

حكم وسم البهائم

قوله: “ولا كَيُّها بالنار للوَسْم”. أي: أنه لا يجوز كيُّ البهائم بالنار لأجل الوسم، والوَسْم معناه: أن يُعَلَّم الشيء بشيءٍ يؤثر فيه تأثيرًا ظاهرًا، فيظهر أثر الكي بالنار، والقول بأنه لا يجوز كي البهائم بالنار للوسم، هو أحد أقوال العلماء في المسألة.

والقول الثاني: أنه يجوز وسم البهائم في غير الوجه.

أما وسمها في الوجه فلا يجوز، وذلك؛ لأن النبي نهى عن الوسم في الوجه [19]، كما جاء في “صحيح مسلمٍ” من حديث جابرٍ ، وأيضًا جاء في “صحيح مسلمٍ”: أن النبي مرَّ على حمارٍ قد وُسِم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه! [20]، وهذا يدل على أن الوسم في الوجه مُحرمٌ، بل من كبائر الذنوب.

أما وسم البهائم في غير الوجه، كوسم الإبل مثلًا فيجوز، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، وهو القول الراجح، وذلك؛ لأن النبي كان يَسِمُ إبل الصدقة، وقد بوَّب البخاري في “صحيحه”، فقال: باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده. ثم ساق بسنده عن أنسٍ  قال: غدوت إلى رسول الله بعبدالله بن أبي طلحة؛ ليحنكه، فوافيته وفي يده المِيسَم يَسِم إبل الصدقة [21]، وهذا في “الصحيحين”، وهو صريح الدلالة في جواز الوسم في غير الوجه.

ثم إن الحاجة داعيةٌ إلى ذلك لتمييز الإبل؛ فإن أرباب الإبل يعتمدون على الوسم في التمييز اعتمادًا كبيرًا، وهذا أمر معروفٌ عند أرباب الإبل، بالوسم يعرفون أن هذه الناقة ناقة فلانٍ، وعمل الناس من قديمٍ على هذا، ويشبه أن يكون إجماعًا عمليًّا من المسلمين على ذلك أنهم يسمون الإبل، فالمسلمون على العمل بهذا جيلاً بعد جيلٍ، وقرنًا بعد قرنٍ، فيشبه أن يكون هذا إجماعًا عمليًّا على جواز وسم البهائم للمصلحة.

ولكن هذا مقيدٌ بأن يكون الوسم في غير الوجه، كأن يكون في الرقبة مثلًا، أو يكون في الظهر، أو نحو ذلك، فيكون الوسم في غير الوجه، فإذا كان الوسم في غير الوجه، فلا بأس بذلك إن شاء الله.

وكذلك أيضًا الغنم، الغنم يمكن وسمها في آذانها، وكذلك أيضًا حتى البقر، وإن كان وسم البقر ليس شائعًا، لكنه ممكنٌ، ومن حيث الحكم الشرعي يجوز، فكلها يجوز وسمها للمصلحة الراجحة، وأن كان المشتهِر عند الناس هو وسم الإبل.

قال المصنف رحمه الله: “وتجوز المداواة”. سبق في فصلٍ سابقٍ الحديث مفصلًا عن أحكام التداوي، ولكن المؤلف لا يريد الكلام أو إعادة الكلام عن أحكام التداوي، وإنما يريد جزئيةً خاصةً، فعبارته يقول: “وتجوز المداواة حسبما أجزنا في حق الناس في إحدى الروايتين”. وبهذه العبارة الجملة غير واضحةٍ، ولكن يوضحها ما في “شرح الحجاوي” نقلًا عن ابن عقيلٍ، قال: ويجوز يعني الكي للمداواة، فيكون مقصود المصنف أنه يجوز كي البهائم بالنار إذا كان المقصود به مداواتها، يعني: كأن المؤلف لما منَع من الكي بالنار استثنى الكي لأجل التداوي، ونحن قلنا: إن القول الراجح أنه يجوز الكي بالنار في غير الوجه مطلقًا، ما دام أن ذلك يحقق مصلحةً راجحةً، والله تعالى أعلم.

ونكتفي بهذا القدر ونقف عند قوله: “ويكره إزالة الأوساخ”. حتى نبين خطتنا في الدرس -إن شاء الله تعالى- سيستمر الدرس الأسبوع القادم، والذي يليه، سيكون آخر درس الخامس عشر من شهر رجب، فبقي عندنا درسان غير هذا الدرس، وسنكمل -إن شاء الله كما وعدنا- فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة، نكملها -إن شاء الله- بعد درسين بإذن الله تعالى.

ونكتفي بهذا القدر في “فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة”، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للصواب والهداية، وللخير والفلاح.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1984.
2 رواه ابن حبان: 1391 بنحوه.
3, 4, 5 رواه مسلم: 2236.
6 رواه البخاري: 3309، ومسلم: 2233.
7 رواه البخاري: 3307، ومسلم: 2237.
8 رواه مسلم: 2240.
9 رواه مسلم: 1955.
10 رواه البخاري: 3359.
11 رواه أبو داود: 5267، وابن ماجه: 3224، وأحمد: 3066.
12 رواه البخاري: 3019، ومسلم: 2241.
13 رواه البخاري: 3314، ومسلم: 1198.
14 رواه أبو داود: 2673، وأحمد: 16034.
15, 16 سبق تخريجه.
17 رواه أبو داود: 5269.
18 رواه أحمد: 25843.
19 رواه مسلم: 2116.
20 رواه مسلم: 2117.
21 رواه البخاري: 1502، ومسلم: 2119.