الرئيسية/دروس علمية/شرح كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لابن عقيل/(11) من قوله “ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاء وبطرا”
|

(11) من قوله “ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاء وبطرا”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله … بهديه إلى يوم الدين.

نبدأ أولًا بشرح (فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة).

حكم جر الثوب خيلاء

كنا قد وصلنا إلى قول المؤلف رحمه الله:

“ولا يحل لأحدٍ أن يَجر ثوبه خُيَلاء وبَطَرًا”. وهذا مجمَعٌ عليه؛ لقول النبي : من جر ثوبه خُيَلاء لم ينظرِ الله إليه يوم القيامة [1]. وهذا الحديث في “الصحيحين”، هذا وعيدٌ شديدٌ في حق من جر ثوبه خُيَلاء.

والثوب يشمل كل لباسٍ نزَل عن الكعبين؛ سواءٌ أكان قميصًا، وهو الذي نسميه ثوبًا، هذا الثوب الذي نسميه ثوبًا، هذا يسمى عند العرب بالقميص، سواءٌ أكان قميصًا، أم كان سراويل، أم مِشْلَحًا، أم بنطالًا، أم غير ذلك، كل ما أسفلَ من الكعبين فإنه محرمٌ إذا كان خُيَلاء، بالإجماع.

حكم الإسبال لغير الخيلاء

وأما إذا كان لغير خيلاء، بأن أُسبِل إسبالًا أسفل من الكعبين لغير خيلاء، فهذا اختلف العلماء في حكمه على قولين:

  • القول الأول: أنه محرَّمٌ، وذلك؛ لعموم الأحاديث التي فيها الوعيد في حق من أسبَل ثوبه، ومنها: قول النبي : ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار [2].
    وقوله: ما من صيغ العموم، يشمل الإسبال للخيلاء ولغير الخيلاء.
  • وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الإسبال لغير الخيلاء مكروهٌ وليس محرمًا، وقالوا: إن الوعيد إنما هو في حق من أسبل للخيلاء؛ لأن النبي  لما قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. قال أبو بكرٍ: إنَّ شِقَّ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهده. فقال النبي : إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء [3]. قالوا: فعلَّل النبي بعلة الخيلاء؛ فدل ذلك على أن الخيلاء إذا انتفت لم يكن ذلك محرمًا، وهذا الاستدلال محل نظرٍ؛ لأن أبا بكرٍ إنما سأل عن الإسبال إذا كان بغير قصدٍ، قال: إن ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهده، يعني: يسترخي من غير قصدٍ، فإذا انتبهت تعاهدته ورفعته، هذا إسبال لغير قصدٍ، وإنما الخلاف في الإسبال المقصود.

والقول الراجح هو القول الأول: وهو تحريم الإسبال مطلقًا؛ سواءٌ أكان للخيلاء أم لغير الخيلاء، لكن إذا كان للخيلاء كان الوعيد أشد، والإثم أعظم.

وأما إذا كان من غير الخيلاء فإنه محرمٌ؛ لعموم: ما أسفل من الكعبين ففي النار.

ومما يدل لذلك: أن أم سلمة رضي الله عنها، لما سمعت النبي يقول هذا الكلام، قالت: يا رسول الله، فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ -كما عند الترمذي بسندٍ جيدٍ- فقال النبي : يُرخين شبرًا. قالت: إذنْ تكشف أقدامهن. قال: يُرخين ذراعًا [4].

ووجه الدلالة: أن أم سلمة رضي الله عنها، فهمت من النبي الزجر عن الإسبال مطلقًا؛ بدليل أنها سألت عن حكم جر النساء ذيولهن لستر أقدامهن لما قال: يرخين شبرًا. قالت: إذنْ تنكشف أقدامهن. ففهمت أم سلمه رضي الله عنها من النبي النهي عن الإسبال مطلقًا؛ سواء أكان للخيلاء أو لغير خيلاء.

ومما يدل ذلك أيضًا قول النبي : إياك وإسبال الإزار؛ فإنه من المخيلة يعني: من الخيلاء وإن الله لا يحب المَخِيلة [5].

فالقول الراجح: هو تحريم الإسبال مطلقًا، ولكن إذا كانت الحالة مثل الحالة التي ذكرها أبو بكرٍ فإنَّ ذلك لا يكون محرمًا، يعني: إذا كان الإسبال لغير قصدٍ، فيتعاهده الإنسان، لا يكون محرمًا، مثلما يحصل أحيانًا في لباس الإحرام، ربما يسترخي إزار الإحرام من غير قصدٍ، فيتعاهده الإنسان ويرفعه، هذه هي الحالة التي سأل عنها أبو بكرٍ ، وهذه لا حرج على الإنسان فيها؛ لأنه لم يقصد الإسبال، أما قصد الإسبال فهو محرمٌ؛ سواءٌ أكان للخيلاء أم لغير الخيلاء.

إذا قلنا: إن الإسبال محرمٌ مطلقًا. فما هو حد الإسبال المحرم؟ يعني: متى نصف هذا الإنسان بأنه مسبلٌ؟ نأخذه من الحديث: ما أسفل من الكعبين..، إذا نزل عن الكعبين، إذا كان على الكعبين، هل يعتبر مسبلًا؟ ليس مسبلًا، لكن الأفضل أن يجعله فوق الكعبين احتياطًا واحترازًا، وإلا لو جعل على الكعبين فلا بأس، الممنوع إذنْ أن يكون أسفل من الكعبين.

هل السنة تقصير الثوب إلى نصف الساق؟

طيب هل نقول: إن السنة تقصير الثوب إلى نصف الساق؟

هذه من المسائل المهمة، ورد في ذلك بعض الأحاديث عن النبي ، ولكن جميع الأحاديث التي فيها الأمر بتقصير الثوب، مقرونةٌ بالنهي عن الإسبال، فعُلم أن مقصود الشارع من تقصير الثوب: هو البعد عن الإسبال؛ ومما يدل لذلك: أن أبا بكرٍ الصديق فهم هذا الفهم، فإنَّه قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهده. طيب لو كان يجعل إزاره إلى نصف الساق فاسترخى إزاره إلى أسفل من الكعبين تنكشف عورته، أليس كذلك؟ معنى ذلك: أن أبا بكرٍ لم يكن يجعل إزاره إلى نصف الساق، هذا الذي يظهر، وإنما قريبًا من الكعب، بدليل أن قوله: إن إزاري يسترخي، يعني: أسفل من الكعبين، إلا أن أتعاهده.

ولذلك؛ فالأظهر -والله أعلم- أن يقال: إن السنة هو رفع الثوب فوق الكعبين، وليس السنة هو تقصير الثوب إلى نصف الساق، هذا هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

ولشيخنا الشيخ عبدالله بن قعود رحمه الله رسالةٌ في هذه المسألة، جمع فيها الأحاديث، وخَلَص إلى هذه النتيجة، وقد ذكرت رسالته، رسالةً صغيرةً أفردتها من كتاب أحكام اللباس بعنوان (الإسبال في اللباس)، وأوردت معه رسالة شيخنا الشيخ عبدالله بن قعود.

لكن خلاصة الكلام: أن الشيخ -وهو الأقرب- يرى: أن السنة رفع الثوب فوق الكعب، وليس السنة تقصير الثوب إلى نصف الساق، هذا الذي يظهر بالنظر إلى مجموع الأحاديث والروايات، وبالنظر أيضًا إلى فهم الصحابة  في هذه المسألة.

نعم، هذا المذهب عند الحنابلة، يفرقون بين القميص والإزار؛ فالإزار يقولون: من السنة إلى نصف الساق، والقميص رفع الثوب فوق الكعبين، لكن هذا التفريق لا دليل عليه، رجحه الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله، لكن التفريق هذا ليس بظاهرٍ، الظاهر: أن بابها كلِّها واحدٌ.

الحديث: إزْرَةُ المؤمن إلى نصف ساقه [6]. نعم، لكنه مقرونٌ بالنهي عن الإسبال، للعلماء فيه كلام؛ هل المقصود أنه يعني: بـ(إلى) أنها غايةٌ، أن أقصى ما يصل إليه إلى نصف الساق، أو المقصود أن السنة إلى نصف الساق؟ يحتمل هذا وذاك، ولذلك؛ نرجع لفهم الصحابة ، ومعلومٌ حرص أبي بكرٍ على السنة، فلماذا لم يجعل أبو بكرٍ إزاره إلى نصف الساق؟

وأيضًا هناك حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يجعل إزاره إلى حاشية قدمه [7]. ومَن أراد الاستزادة في بحث هذه المسألة يرجع لرسالة الشيخ رحمه الله، وهي أيضًا موجودةٌ في رسالتي عن أحكام اللباس.

حكم دخول الحمَّام للرجال

قال: “ودخول الحمَّام جائزٌ للرجال بالمَيَازِر الساترة”. الحمَّام ليس معناه الحمام المعروف الآن، الذي هو بيت الخلاء أو المرحاض، وإنما المقصود بالحمام: الماء المعَدُّ للاستحمام فيه بالماء الساخن، للتنظيف والتداوي ونحوه، يعني: لم تكن عند الناس قديمًا سخَّاناتٌ في البيوت، فكان هناك أماكن معدةٌ للاغتسال، يعد فيها الماء الساخن، فيأتي الناس ويغتسلون فيها للتنظف وللتداوي وغيره، وقد ترك الناس هذه الحمامات بما منَّ الله تعالى به على الناس من وجود السخانات الآن داخل البيوت، فأصبح الإنسان يجد الماء الدافي داخل بيته، فترك الناس هذه الحمامات، وإن كان قد يكون لها وجودٌ قليلٌ، في بعض الدول لها وجودٌ قليلٌ، لكن كان في السابق شائعًا، خاصةً في بلاد الشام والعراق ونحوها، فكان العلماء يتكلمون عن دخول الحمام، وحكم دخول الحمام.

فيقول المؤلف: “إن دخول الحمام جائزٌ”. هذا هو قول جمهور العلماء: أن دخوله جائز، بشرط عدم انكشاف العورة، وعدم الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، فإذا أُمن انكشاف العورات، وعدم الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، جاز ذلك، ويبقى على الأصل، وهو الإباحة.

قوله: “بالميازر الساترة”.

الميازر، جمع مِئزَرٍ: وهو ما يستر أسفل البدن، يعني: أن دخول الحمام جائزٌ بشرط ستر العورة، هذا أشرنا إليه، وأيضًا شرطٌ آخر: وهو عدم الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه محرمٍ، كما كان موجودًا قديمًا في بعض الحمامات، كأن يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء، وكانكشاف العورات، ولهذا؛ كَرِه الحمامات مَن كرهها من السلف.

حكم دخول الحمَّام للنساء

أما النساء: قال: “يكره”. وبعض أهل العلم قال: يحرم، والمؤلف قال: “يكره إلا من عِلَّةٍ وحاجةٍ”. ومن قال بالكراهة استدل بقول النبي : ما من امرأةٍ تضع ثيابها في غير بيت زوجها، إلا هَتَكَتِ الستر بينها وبين الله [8]. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ.

فلا يجوز للمرأة أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها على وجهٍ يكون معه الريبة، أما إذا كان على وجهٍ لا يكون معه الريبة فلا حرج؛ كأن تذهب مثلًا لبيت أهلها، أو بيت بعض أقاربها، وتحتاج إلى وضع ثيابها، لا حرج في ذلك إن شاء الله.

وبكل حالٍ، المؤلف يرى كراهة الحمام للنساء، وبكل حالٍ، ما دام أن هذه المسألة الآن ليست موجودةً، فلا يترتب على البحث فيها كبير فائدةٍ.

بعض العلماء قالوا: إنه لا يجوز للمرأة أن تأخذ هذا المقاس وتضع ثيابها، يستدلون بهذا الحديث، فإذا كان ذلك على وجهٍ فيه ريبةٌ، يمكن لأحدٍ أن يطلع عليها، أو يمكن أن تُصوَّر أو يمكن..، هذا لا يجوز، أما إذا لم يكن في ذلك ريبةٌ، فالذي يظهر أن هذا جائزٌ؛ لأن المقصود بالحديث يعني: الوعيد على المرأة التي تضع ثيابها في غير بيت زوجها على وجهٍ يكون فيه ريبةٌ وفتنةٌ ونحو ذلك.

إذا كانت نسائية (100%)، ولم يكن هناك محاذير شرعيةٌ، تبقى على الأصل وهو الإباحة، لكن الحمامات قديمًا كانت للرجال وللنساء، فيها نوعٌ من الاختلاط.

حكم الخضاب للشيب

قال: “ولا بأس بالخضاب بالحناء، وهو يستحب، وكذلك الكَتَم”. ولا بأس يعني: أن ذلك مباح.

وقوله: “وهو يستحب”. يعني الندب.

الخضاب في حق من أتاه الشيب سُنةٌ؛ لقول النبي : إن اليهود والنصارى لا يصبُغون، فخالفوهم [9] متفقٌ عليه، وهذا أمرٌ، وأقل ما يفيده الأمر الاستحباب.

فتغيير الشيب بغير السواد مستحبٌّ؛ لأمر النبي بذلك في هذا الحديث؛ ولأن فيه مخالفةً لليهود والنصارى؛ سواءٌ أكان بالحناء، أم بغيره.

قال: “وكذلك الكتم”. الكَتَم: هو صِبغٌ أسود يميل للحمرة، يعني: ليس أسود خالصًا؛ وإنما ما بين السواد والحمرة.

حكم الخضاب بالسواد

“ويكره بالسواد”. يعني: يكره الخضاب بالسواد، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وأنه يكره الخضاب بالسواد، والمسألة فيها ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: أنه يكره، كما قرر ذلك المؤلف.
  • والقول الثاني: أنه محرمٌ، وهو قولٌ عند الشافعية.
  • والقول الثالث: أنه مباحٌ.

وسبب الخلاف في هذه المسألة: هو الخلاف في ثبوت النهي عن الخضاب بالسواد؛ فقد ورد النهي عن الخضاب بالسواد في حديثين:

  • الحديث الأول: حديث جابرٍ رضي الله عنهما، أن أبا قحافة والد أبي بكرٍ أُتِي به ولحيته ورأسه كالثُّغَامَة، فقال النبي : غيروا شعر هذا، وجنبوه السواد [10] رواه مسلمٌ.
  • الحديث الثاني: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي قال: ليكونن في أمتي قومٌ يَخضِبون بالسواد، كحواصل الحمام، لا يَرِيحون رائحة الجنة [11] رواه أحمد.

فمن صحح هذين الحديثين قال: بالتحريم، ومنهم من حمل النهي على الكراهة، كالحنابلة، وكما صنع المؤلف، وربما أن السبب في هذا: أنهم رأوا أن هذا في الآداب، فحملوه على الكراهة، أو لما قيل في ثبوت هذه الأحاديث.

وأما القائلون بالإباحة، فقالوا: إن النهي عن الخضاب بالسواد لم يثبت، أما حديث جابرٍ رضي الله عنهما السابق، فإن الإمام مسلمًا رحمه الله قد أخرجه في “صحيحه” بروايتين:

الرواية الأولى: غيِّروا شعر هذا. من غير زيادة: وجنبوه السواد.

والرواية الثانية: غيروا شعر هذا، وجنبوه السواد. وهذه الرواية الثانية قد تكلم في ثبوتها كثيرٌ من الحفاظ، وقالوا: إنها غير محفوظةٍ، وأن المحفوظ هو غيروا شعر هذا؛ لأن أكثر الرواة عن أبي الزبير إنما رواها بلفظ: غيروا شعر هذا. من غير زيادة: وجنبوه السواد. بل إن زهير بن معاوية -أحد رواة هذا الحديث- يقول: سألت أبا الزبير: أقال جابرٌ : وجنبوه السواد؟ قال: لا. يعني هذه الزيادة قد أوردها مسلم في “صحيحه” من طريق أبي الزبير عن جابرٍ ، فزهير بن معاوية يقول: سألت أبا الزبير: هل قال جابرٌ : وجنبوه السواد؟ قال: لا. لكنه مع ذلك هو الراوي لهذه الزيادة، فقيل: إن أبا الزبير ربما أنه رَوى ونسِيَ، وهذا بعيدٌ، الذي يظهر أنها غير محفوظةٍ.

ومما يدل لذلك: أن الإمام مسلمًا رحمه الله أوردها بعد رواية: غيروا شعر هذا. وقد أشار مسلمٌ في مقدمة “صحيحه” أنه قد يورد الرواية الضعيفة بعد الرواية الصحيحة؛ من باب التنبيه على ضعفها، فالأقرب -والله أعلم- هو عدم ثبوت زيادة: وجنبوه السواد. وأن المحفوظ هو: غيروا شعر هذا. إذ أن الراوي لهذه الرواية يقول: لم يقل جابرٌ : وجنبوه السواد. فهو أعلم بما رَوى، فلو كانت محفوظةً عنده لما قال ذلك.

وأما حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ليكونَنَّ في أمتي أقوامٌ يخضِبون بهذا السواد، كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة. هذا الحديث رواه الإمام أحمد، لكنه لا يثبت، ضعيفٌ من جهة الإسناد، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وإن كان إيراده في الموضوعات تُعقِّب ابن الجوزي في هذا، لكنه بكل حالٍ ضعيفٌ، لا يثبت عن النبي .

فإذنْ لم يثبت في هذه المسألة نهيٌ، ومما يدل لذلك أنه ورد عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يخضبون بالسواد.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد” عن تسعة من الصحابة أنهم كانوا يخضبون بالسواد.

ومن المعلوم: أن الخضاب بالسواد من الأمور الظاهرة المشتهرة، وليس من الأمور الخفية التي يقال: لعلها اجتهاد منهم، وإنما هي من الأمور الظاهرة المعلنة، والصحابة هم من أعظم الناس قيامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعظم الناس اتباعًا للسنة، وأعظم الناس في الورع والبعد عن المشتبهات، فضلًا عن المحرمات، فلو كان الخضاب بالسواد محرمًا أو مكروهًا، لما أقدم هذا العدد الكثير من الصحابة على الخضاب بالسواد، ولذلك؛ فالأقرب -والله أعلم- أنه مباحٌ؛ لأنه لم يثبت عند التحقيق في النهي عن الخضاب بالسواد شيءٌ، وزيادة: وجنبوه السواد، قلنا: إنها غير محفوظةٍ، وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أيضًا ضعيفٌ، وأيضًا فعل هذا العدد الكثير من الصحابة يدل على أنه ليس هناك شيءٌ محفوظٌ عن النبي في الخضاب بالسواد، هذا هو الذي يظهر -والله أعلم- في هذه المسألة.

ومع ذلك لو ترك الإنسان ذلك مثلًا، وخضب بغير السواد، تورعًا لا شك أن هذا مما يدخله الورع؛ لأن المسألة خلافيةٌ.

حكم خلوة الرجل بالمرأة

قال: “ولا يجوز أن يخلو الرجل بامرأةٍ ليست له بمحرمٍ”.

ولا يجوز أن يخلو الرجل بامرأةٍ ليست له بمحرمٍ، وهذا لقول النبي : لا يخلون رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما [12]. وهذا يدل على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية.

“ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان عُريانَين في فراشٍ واحدٍ، ولا إزار واحدٍ”؛ لقول النبي : لا يَنظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحدٍ [13] رواه مسلمٌ، ولما يفضي ذلك إلى الفتنة.

“ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب ولا شيءٍ من الملاهي المطربة؛ كالطبل والزمر، وخص من ذلك الدف للنكاح”.

حكم حضور الملاهي

انتقل المؤلف للكلام عن حضور الملاهي.

قوله: “ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب”. المراد بذلك: اللهو واللعب المحرم، ما كان محرمًا، وأما ما لم يكن محرمًا فلا بأس به، إلا أنه ينبغي للمسلم الإعراض عنه وحفظ وقته، والله تعالى أثنى على المؤمنين، فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ۝وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: 1-3]. إلا إن فعل ذلك على سبيل الاستجمام، ونحو ذلك، ولم يكثر منه، فلا بأس بذلك.

فإذنْ اللعب، نقول: يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • القسم الأول: أن يكون على وجهٍ محرَّمٍ، أو أن يكون مفضيًا إلى محرمٍ، فإن هذا لا يجوز.
  • القسم الثاني: أن يكون مُعِينًا على الحق، أو وسيلةً إليه، فإنه مستحبٌّ؛ كأن يجعل مثلًا وسيلةً لتأليف القلوب لأجل الدعوة إلى الله ​​​​​​​، ونحو ذلك، أو ما ورد في حديث عقبة بن عامرٍ : كل شيء يلهو به الرجل باطلٌ، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته؛ فإنها من الحق [14].
  • القسم الثالث: ما عدا ذلك، فيبقى على الإباحة، إلا أن أنه ينبغي للمسلم ألا يكثر منه؛ لأن اللعب واللهو إذا أكثر الإنسان منه يصيب الإنسان بالغفلة، ويقَسِّي القلب.

حكم الاستماع إلى الملاهي المطْرِبة

قال: “ولا شيءٍ من الملاهي المطْرِبة؛ كالطَّبْل والزَّمْر”. يعني: لا يجوز الاستماع إلى شيءٍ من الملاهي المطْرِبة، ومثَّل المؤلف بالطبل، والطبل: هو الذي يضرب به، ويكون ذا وجهين، يكون له وجهٌ ووجهٌ، والدف: هو الذي يضرب به، ويكون له وجهٌ واحدٌ، ولا شك أن وقع الضرب على الطبل أشد من وقع الضرب على الدف، وأما الزمر، فيقولون: هو الغناء في القَصَب ونحوه، ومثل ذلك في الوقت الحاضر: الآلات الموسيقية بأنواعها، فالمعازف بأنواعها محرمةٌ، سواءٌ أكانت آلاتٍ موسيقيةً، أو كانت طبلًا، أو غير ذلك من المعازف، وقد فسَّر ابن مسعودٍ قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان: 6]. فسَّر لهو الحديث بأنه الغناء، وجاء في حديث أبي مالكٍ الأشعري  أن النبي قال: ليكونن في أمتي أقوام يستحِلُّون الحِرَ -يعني الزنا- والحرير والخمر والمعازف [15]، وهذا الحديث أخرجه البخاري في “صحيحه” معلِّقًا له بصيغة الجزم.

حكم الأغاني المصحوبة بالمعازف

فالأصل في الأغاني المصحوبة بالمعازف أنها محرمةٌ، وقد حُكي الإجماع على ذلك، حُكي الإجماع على تحريم الأغاني المصحوبة بالمعازف، حَكى ذلك ابن رجب وغيره، وقد اشتبه على بعض الناس بعض الأحاديث والأثر عن السلف في إباحة الغناء، ومقصودهم بالغناء الشعر الملحَّن من غير معازف، هذا لا بأس به، وهو ما يسمى الوقت الحاضر بالأناشيد، هذا لا بأس به، لكن بعض الناس التبس عليه الأمر، فطرد ذلك، وقال: إن الغناء جائزٌ مطلقًا، وهذا غير صحيحٍ، الغناء المصحوب بالآلات الموسيقية هذا محرمٌ، الغناء المصحوب بالمعازف، أما الغناء الذي يقصد به الشعر الملحَّن من غير معازف، ومن غير آلاتٍ موسيقيةٍ، هذا لا بأس به، وقد كان أنجشة يُنشد الشعر الملحن ويحدو به بحضرة النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في “الصحيحين”، قال: رفقًا بالقوارير يا أنجشة [16]. وعبدالله بن رواحة كذلك، وعمرو بن الأكوع، وغيرهم.

فإذنْ: النشيد الذي يُسمَّى بالنشيد أو الشعر الملحَّن، هذا سماه بعض السلف غناءً، فهذا مقصودهم به، هذا هو المقصود بالرخصة به، والتبس على بعض الناس، فقالوا: إن الغناء غير محرمٍ، ويستدلون بهذه الأحاديث أو الآثار التي تدل على جواز الشعر الملحن.

وأما الغناء المصحوب بالمعازف فهذا محرمٌ، ولا يجتمع حب الغناء وحب القرآن في قلب إنسانٍ، كما قال ابن القيم، لم نجد إنسانًا مقبلًا على العلم وعلى القرآن وعلى الذكر، وهو مقبلٌ في الوقت نفسه على استماع الأغاني، هذا ما يمكن، فهما ضدان، كما ورد عن السلف: أن الغناء ينبت النفاق في القلب. وضرره كبيرٌ في الصد عن ذكر الله تعالى، ضرره كبيرٌ، ومن ذلك الصد عن ذكر الله تعالى، والغفلة وقسوة القلب ونحو ذلك.

الشعر الملحَّن المصحوب بأصواتٍ بشريةٍ، ما حكم ذلك؟ أصواتٌ بشريةٌ الآن موجودةٌ في بعض القنوات المحافظة، يأتون بأصواتٍ بشريةٍ، ويدخلون بعضها ببعضٍ، أو مؤثراتٍ صوتيةٍ، يعني: أصوات طبيعية؟ نقول: إذا نَحَتْ نحو المعازف؛ إن كانت تشبه المعازف، فالأقرب فيها التحريم، أما إذا كانت بعيدةً عن المعازف، وإنما هي أصواتٌ طبيعيةٌ، أو أصواتٌ بشريةٌ، فلا بأس بذلك، إن شاء الله، والبعد عنها أولى لا شك.

هل الدُّف حلال أم حرام؟

قال: “ورُخِّص من ذلك الدف للنكاح”. الدُّفُّ: هل هو من المعازف أو ليس من المعازف؟ أو نعيد السؤال بعبارةٍ أو بصيغةٍ أخرى: الدف: الأصل فيه التحريم، أو الأصل فيه الحل؟ الأصل فيه التحريم، ما الدليل؟ قصة أبي بكرٍ  لما دخل على بيت عائشة رضي الله عنها، فوجد عندها جاريتين تضربان الدف، وتغنيان، في بيت النبي ، والنبي موجودٌ، وقد حول وجهه إلى الجهة الأخرى، فدخل أبو بكرٍ الصديق  مغضبًا، قال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: دعهما يا أبا بكرٍ؛ فإن لكل أمةٍ عيدًا، وهذا عيدنا أهل الإسلام [17].

طيب، ما وجه دلالة هذا الحديث على أن الأصل في الدف التحريم؟

نعم، فهْم أبي بكرٍ ، أبو بكرٍ فهِم أن الدف من مزامير الشيطان، قال: أمزمور الشيطان في بيت النبي ؟ طيب، النبي هل أقره على هذا الفهم أم لم يقره؟ أقره على هذا الفهم، لكن قال: إن هذه الحالة حالةٌ مستثناةٌ، وهي كونها عيدًا؛ فدل ذلك على أن الأصل في الدف التحريم، وأن الأصل فيه أنه من المعازف المحرمة، ومن مزامير الشيطان، إلا فيما استثني، والذي استثني قال المؤلف: أولًا النكاح؛ لقول النبي : أعلنوا هذا النكاح، … واضربوا عليه بالدفوف [18]. وقد ورد هذا في عدة أحاديث؛ ولذلك بعض أهل العلم يرى أن ضرب الدف للنكاح أنه مستحبٌّ؛ لما فيه من إعلان النكاح، وهذا للنساء، ضرب الدف للنساء في النكاح مستحبٌّ؛ لأن النبي أمر بذلك، وأقل ما يفيد الأمر الاستحباب.

الحالة الثانية: يوم العيد، يجوز ضرب الدف للنساء، أو للنساء والرجال؟

نعم، طيب، ننظر للعلة: دعهما يا أبا بكرٍ، فإن لكل أمةٍ عيدًا، وهذا عيدنا أهل الإسلام. هل العلة كونه للنساء أو لكونه عيدًا؟ لكونه عيدًا، فالعلة معلَّلةٌ بالزمن، وهذا يدل على جواز الدف يوم العيد للرجال والنساء، الذي يظهر من الحديث، ومن تعليل النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه يجوز للجميع، وأن هذا الزمن مستثنًى وهو كونه عيدًا، هذا الذي يظهر؛ ضربًا واستماعًا كلها.

نعم، طبعًا الأولى عدم الضرب لا شك، لكن (…) دليلٌ يدل على التحريم، ولذلك؛ جاء في روايةٍ أخرى: لتعْلَم يهود أن في ديننا فسحةً [19]؛ ولذلك لو أن ما يُسمَّى بالعرضات الشعبية في الأعياد استُبدلَتْ بالدفوف، استبدلت الطبول فيها بالدفوف، فيكون ذلك مباحًا.

طيب هل يشمل ذلك أيام التشريق، أو يختص فقط بيوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى؟

نرجع لقصة دخول أبي بكرٍ لما دخل أبو بكرٍ على عائشة رضي الله عنها، كان ذلك في أيام التشريق، هذا يدل على أن أيام التشريق داخلةٌ في مسمَّى العيد، فالذي يظهر أن أيام التشريق تدخل في ذلك.

فإذنْ: الأصل في الدف، نقول: إنه محرمٌ، إلا ما استثناه النص، وهو كونه في النكاح للنساء، وفي العيد.

نعم، أحسنت، هذا يكثر السؤال عنه، ضرب الدف للنكاح متى يكون؟ هل يكون مثلًا عند الدخول، أو لو تأخرت المناسبة، أو تقدمت مناسبة مثلًا الاحتفال بهذا النكاح؟

الذي يظهر أن المناسبة ما دامت مرتبطة بالنكاح فيجوز ضرب الدف فيها.

نعم، ولو تعددت، ولو كانت بعد الدخول بمدةٍ، يعني: في بعض البيئات وبعض الأسر يجعلون هناك مناسبةً، زيارة البنت لأهلها أو كذا، يجعلون هناك مناسبة احتفالٍ، لكنها مرتبطةٌ بمناسبة الزواج، ما دامت المناسبة مرتبطة بالزواج فلا بأس، المهم أن تكون مناسبةً مرتبطةً بالزواج؛ سواءٌ كان في يوم الدخول، أو بعده أو قبله، المهم أن تكون مناسبةً مرتبطةً بالنكاح، هذا للنساء.

حكم ضرب الدُّف للرجال في النكاح

أما الرجال فمحل خلافٍ، هل يجوز ضرب الدف للرجال في النكاح، أم أن ذلك خاصٌّ بالنساء؟ والخلاف في هذه المسألة خلافٌ قويٌّ، فمن العلماء من قال: إن هذا خاصٌّ بالنساء، بدليل أن هذا هو المعروف في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يكن الرجال يضربون الدفوف.

والقول الثاني: أنه إذا جاز للنساء جاز للرجال؛ لأن العلة واحدةٌ، وهي إعلان النكاح، وإعلان النكاح كما أنه يكون للنساء يكون كذلك من الرجال.

والخلاف في هذه المسألة خلافٌ قويٌّ، ولم يتحرر لي فيها القول الراجح.

بِمَ تكون الرقية؟

قال: “ولا بأس بأسماء الله تعالى، وكذلك التعويذ به”. يظهر أن العبارة فيها سقطٌ.

نعم الذي يظهر هو نسخةٌ: لا بأس بأسماء الله تعالى. لكن الذي يظهر: أن السقط: (بالرقية)، “لا بأس (بالرقية) بأسماء الله تعالى”؛ بدليل العطف، قوله: “وكذلك التعويذ به”، النسخة التي بين أيديكم، هذا يمكن أضيفت (الرقية) اجتهادًا من الناس، وإلا فالنسخة ليس فيها: (الرقية).

لكن الأقرب أن يقال: إن السقط هو: (الرقية)، “ولا بأس بالرقية بأسماء الله تعالى، وكذلك التعويذ به”.

والرقية الشرعية؛ سواءٌ أكانت بالقرآن، أم بالسنة، أم بأسماء الله تعالى، فلا بأس بها، وقد جاء في حديث أبي سعيدٍ  أن جبريل أتى النبي فرقاه، وقال: بسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك؛ من شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يشفيك [20].

فقوله: بسم الله أرقيك بسم الله، فرقاه باسم الله تعالى من كل شيءٍ يؤذيك، ومن شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يشفيك. رواه مسلمٌ، يجوز أن تقول: بسم الله، بسم الرحمن، بسم العزيز أرقيك، فالرقية بأسماء الله تعالى مشروعةٌ، وهكذا الرقية بالقرآن، والرقية بالأحاديث الواردة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- التي فيها الرقية مثلًا: أعيذك بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، ونحو ذلك.

حكم طلب الرقية

ولكن ما حكم طلب الرقية؟ أن يطلب الإنسان من آخر أن يرقيه بالقرآن؟

نقول: الأولى تركه، وهو جائزٌ، لكن الأوْلى تركه، وذلك؛ لأن النبي لما ذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ؛ ذكَر أوصافهم، فقال: هم الذين لا يَسترْقون، ولا يَكْتَوُون، ولا يَتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون [21].

قوله: لا يسترقون يعني: لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، وإن كان طلب الرقية مباحًا، لكنهم لكمال توكلهم على الله لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، وهكذا أيضًا: لا يكتوون، مع أن طلب الكَيَّ جائزٌ، لكن لكمال توكلهم على الله لا يطلبون من أحدٍ أن يكويهم، ولا يتطيرون يعني: لا يتشاءمون، وعلى ربهم يتوكلون، ذكر الوصف الجامع الذي تفَرَّعَت منه الأوصاف السابقة، أن عندهم قوة توكلٍ على الله ​​​​​​​.

وأما أن الإنسان يَرقي فهذا لا بأس به، بل قد يكون مستحبًّا؛ لأن فيه إحسانًا لأخيك المسلم ونفعًا له، كونك ترقي غيرك لا بأس بذلك، فإذنْ طلب الرقية هذا هو الذي قلنا: إنه ينافي كمال التوكل على الله ​​​​​​​، لذلك؛ فالأولى تركه.

هل يُقاس طلب التداوي على طلب الرقية؟

طيب، هل يقاس على ذلك التداوي، أو أن هذا خاصٌّ فقط بطلب الرقية وطلب الكي؟

الذي يظهر أن هذا خاصٌّ بطلب الرقية والكي، ولا يشمل ذلك التداوي؛ لأن طلب الرقية لو شُفي الإنسان بسبب هذه الرقية، ففي الغالب أن قلب هذا الإنسان يتعلق بالراقي، ولذلك؛ تجدون أسرع ما يشتهر الرقاة، ويَتدافع عليهم الناس؛ نظرًا لتعلُّق النفوس بهم، وهذا التعلق ينافي كمال التوكل على الله، وهكذا أيضًا في الكي كذلك، لو كَوَى هذا الإنسان شخصًا، ثم شُفيَ في الغالب أنه يتعلق به، هذا التعلق ينافي كمال التوكل على الله، لكن الطبيب عندما يصف دواءً، هل يحصل هذا التعلق؟ لا يحصل، فالذي يظهر أن هذا خاصٌّ بطلب الرقية والاكتواء، ولا يشمل ذلك التداوي، التداوي يبقى على الإباحة، التداوي مباحٌ، ليس مستحبًّا ولا واجبًا، وإنما هو مباحٌ، قال ابن تيمية رحمه الله: لا أعلم سالفًا أوجب التداوي، هو مباحٌ، إلا إذا كان ترك التداوي يفضي إلى التهلكة، هنا قد يقال بوجوبه، كما لو كان مثلًا إنسانٌ عنده فشلٌ كلويٌّ، ويقول: أنا أريد أن أترك غسل الكُلَى، هذا نعلم أنه يفضي للتهلكة، فهذا من باب إلقاء النفس للتهلكة.

قال: “وكذلك التعويذ به” يعني: التعويذ والرقية بمعنًى متقاربٍ، لكن الرقية التي تكون بغير القرآن، فكما قال النبي : اعرِضوا علي رُقاكم [22]. فإذا اشتملت على محاذير شرعيةٍ فإنها لا تجوز؛ كأن تشتمل على دعاء غير الله، أو الاستغاثة بغير الله، أو أن تكون مجهولةً، وهذا الغالب عليها أن تكون مجهولةً، أو طلاسم، أو كلماتٍ غير مفهومةٍ، فإنها لا تجوز، تكون محرمةً، لا بد أن تكون كلماتها معروفةً وواضحةً ومفهومةً.

فإذنْ: الرقية من غير القرآن، نقول: لا نحكم عليها حتى ننظر في محتواها، كما قال عليه الصلاة والسلام: اعرِضوا علي رُقاكم. فتعرض هذه الرُّقى على أهل العلم، فإن كانت سالمةً من المحاذير الشرعية، فلا بأس بها، وإن كان فيها محاذير شرعيةٌ فإنها تمنع.

نعم، الذي يظهر أن هذا خاصٌّ بطلب الرقية وبالاكتواء، وأنه لا يشمل التداوي، فلا نقول: إن ترك التداوي أفضل، وذلك؛ لأن الاسترقاء والاكتواء لهما خصوصيةٌ -كما ذكرنا- وهي: تعلق قلب المرقي، والذي قد كُوِيَ بمن رقَى أو كوَى عند حصول الشفاء، يتعلق قلبه به، لكن هل يتعلق قلبه بالطبيب إذا شُفي؟ لا يتعلق، يعني: إذا وصف الطبيب له وصفةً علاجيةً، واستعملها، وشفاه الله تعالى ما يتعلق قلبه بالطبيب، كما يتعلق لو أتاه راقٍ ورَقَاه وشُفي، أو أتاه إنسانٌ وكَوَاه وشُفي.

وعلى ذلك: فلا نقول: إن ترك التداوي أفضل، بل نقول: إن التداوي مباحٌ، وقد يجب إذا قُطِع بهلاك المريض، أما إذا لم يُقطَع بهلاك المريض يبقى مباحًا.

نعم، الأدوية المعنوية هي الرقية؛ التداوي بالقرآن، بالسنة، بالأدعية، هذا المقصود، هذا تركه أولى، لكنه جائزٌ، وبعض الناس قد لا يتحمل أن يكون مثلًا مرضه شديدًا، أو يكون مصابًا بسحرٍ، فلا بأس حينئذٍ أن يسترقي؛ لأنه يرى أن المصلحة في استرقائه أكثر من بقائه هكذا.

ونكتفي بهذا القدر في شرح فصول الآداب، نقف عند قوله: “والتداوي بالحجامة..”.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 5784، ومسلم: 2085.
2 رواه البخاري: 5787.
3 رواه البخاري: 3665.
4 رواه الترمذي: 1731، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنسائي: 5336.
5 رواه أبو داود: 4084.
6 رواه أبو داود: 4093، وابن ماجه: 3573، وأحمد: 11256.
7 رواه أبو داود: 4096.
8 رواه أبو داود: 4010، والترمذي: 2803، وابن ماجه: 3750، وأحمد: 27038.
9 رواه البخاري: 3462، ومسلم: 2103.
10 رواه مسلم: 2102.
11 رواه أبو داود: 4212، والنسائي: 5075، وأحمد: 2470.
12 رواه الترمذي: 2165، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنسائي في السنن الكبرى: 9175، وأحمد: 177.
13 رواه مسلم: 338.
14 رواه الترمذي: 1637، وقال: حسنٌ، وابن ماجه: 2811، وأحمد: 17300.
15 رواه البخاري: 5590.
16 رواه البخاري: 6149، ومسلم: 2323.
17 رواه البخاري: 952، ومسلم: 829.
18 رواه الترمذي: 1089، وابن ماجه: 1895.
19 رواه أحمد: 24855.
20 رواه مسلم: 2186.
21 رواه البخاري: 5705، ومسلم: 218.
22 رواه مسلم: 2200.