|

(7) من قوله “ومن أراد النوم يُغلِق بابه..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

من الآداب التي قبل النوم

نبدأ أولًا بشرح (فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة) لابن عقيلٍ الحنبلي رحمه الله تعالى، وكنا قد وصلنا إلى آداب النوم.

“فصلٌ: ومن أراد النوم يُغلِق بابه، ويوكي سقاءه، ويغطي إناءه، ويُطفئ سِرَاجه، كذلك رُوي في السنن عن النبي ، وكره أحمد غسل اليد للطعام، وقد ورد في الخبر غسل اليد له، ولعله ما صح عند أحمد”.

الشرح:

قال: “فصلٌ: ومن أراد النوم يغلق بابه، ويوكئ سقاءه، ويغطي إناءه، ويطفئ سراجه، كذلك رُوي في السنن عن النبي …”.

“ومن أراد النوم”.

هذه جملةٌ من الآداب التي ينبغي فعلها قبل النوم، ذكر المؤلف أربعة آدابٍ، وهذه الآداب مأخوذةٌ من حديث جابرٍ ، أن النبي قال: غَطُّوا الإناء، وأَوْكُوا السِّقَاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج؛ فإن الشيطان لا يَحُل سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً [1]. هذا الحديث في “الصحيحين”.

وأيضًا جاء في صحيح البخاري ومسلم عن جابرٍ ، أن النبي قال: إذا كان جُنْح الليل، أو أمسَيتم، فكُفُّوا صِبيانكم؛ فإن الشيطان ينتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعةٌ من الليل، فخَلُّوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأَوْكُوا قِرَبَكم واذكروا اسم الله، وخَمِّروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تَعْرُضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم… [2].

فتضمنت هذه الآداب:

  • أولًا: إغلاق الباب

قال: “يغلق بابه”.

وفائدة إغلاق الباب: الحراسة من الشياطين؛ فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، لكن لا يفتح بابًا مغلقًا إذا ذكر اسم الله تعالى، فإذا قلت عند إغلاق الباب: بسم الله. فإن الشيطان لا يمكن أن يدخل إلى هذا المكان، فهذا من رحمة الله تعالى بعباده، ولكن ذكر بعض الشراح؛ منهم الحافظ ابن حجر في “الفتح”، قال: إن هذا الذكر يمنع من دخول الشيطان من الخارج، لكنه لا يمنع من أن يكون الشيطان قد دخل قبل إغلاق الباب. فهذا لا يخرجه هذا الذكر؛ إنما هذا يمنع من دخول الشيطان من الخارج، فعندما تغلق الباب وتقول: بسم الله. لا يمكن لأي شيطانٍ أن يدخل هذا المكان من الخارج.

ومن ذلك أيضًا الصيانة وحراسة الأنفس من اللصوص وغيرها؛ فإغلاق الباب فيه مصالح دنيويةٌ، وفيه ما أخبر به النبي من العصمة من دخول الشياطين إلى ذلك المكان.

والأمر هنا للاستحباب ليس للوجوب؛ لأنه في باب الآداب.

  • الأدب الثاني: “ويوكئ سقاءه”

الإيكاء: هو شد فم السِّقَاء بالوِكَاء، والوكاء هو حبل يُشَد به رأس السقاء، أو ما يسمى بالقِرْبة، وكانوا إذا كان هناك سقاءٌ أو قِرْبة ونحوه، يشدون رأسه بحبلٍ، وهذا الحبل هو الوكاء، وهو مذكورٌ في قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في اللَّقَطة: اعرف وكاءها وعفاصها [3]. الوكاء الحبل الذي يربط به كيس النَّفَقَة الذي توضع فيه النفقة الذي هو العِفَاص.

“فيوكئ سقاءه” يعني: يَشُد رأس السقاء بالحبل، وقد كان الناس قديمًا يشربون من الأسقية الماء واللبن ونحو ذلك، فأُمروا بربط هذا السقاء، لا يكون مفتوحًا، وإذا ربط فإن الشيطان لا يستطيع أن يحُل سقاءً قد رُبط، لكن بشرط أيضًا أن يذكر اسم الله تعالى عند الربط، وأيضًا فيه منافع أخرى؛ منها: حفظه أيضًا وصيانته من الحشرات ونحوها، مما قد يسبب الأذى أو المرض.

  • الأدب الثالث:

    “ويغطي إناءه”

تغطية الإناء مشروعةٌ، سواءٌ أكان الإناء فيه ماءٌ، أو فيه طعامٌ، أو حتى كان فارغًا، لكن مع ذكر اسم الله تعالى.

قال: خمِّروا آنيتكم واذكروا اسم الله [4]. وهذا عام للإناء إذا كان فيه طعامٌ، أو لم يكن فيه طعامٌ، والحكمة من ذلك صيانة هذا الإناء عن عبث الشياطين، فمن رحمة الله تعالى لبني آدم أنهم إذا غطَّوُا الإناء وذكروا اسم الله لا تتعرض له الشياطين، حتى لو لم يجد الإنسان ما يغطي به هذا الإناء، قال: ولو أن تَعْرُضوا عليها شيئًا[5]. جاء في بعض الروايات: ولو تَعْرُضُ عودًا [6]. يعني: غَطِّه بأي شيءٍ، لكن اذكر اسم الله عليه.

في السَّنة ليلة ينزل فيها وباءٌ..

قد جاء في “صحيح مسلمٍ” أن النبي قال: إن في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يوافق إناءً لم يُخَمَّر إلا وقع فيه [7]. هذا في “صحيح مسلمٍ”، ينزل وباءٌ لا يوافق ولا يصادف إناءً لم يخمَّر يعني: لم يُغَطَّ إلا وقع فيه، وهذا من الأمور التي أخبر بها النبي والتي لا يدركها الناس بالحس، لكن يجب اعتقاد أن ما قاله النبي حقٌّ.

وهذه الليلة لم يحددها النبي ، وذكر ابن القيم في “زاد المعاد”: إن الأعاجم يقولون: إنها في كانون الأول. كانون الأول أي شهر؟

نعم، كانون الأول ديسمبر، يعني فيها، ويَحتَمِل أن تكون في غيرها، يعني: مما يعرفها الناس بالتجارب، لكن الذي أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها ليلةٌ من ليالي السنة، والله أعلم متى تكون، ولذلك؛ تجد بعض الناس يصاب بوعكةٍ، ولا يدري ما السبب؟ قد يكون السبب هو هذا الوباء، وقع في هذا الإناء الذي لم يُغَطَّ وأكل فيه أو شرب فيه ولم يغسله، فأصابه هذا الوباء، فإذنْ يجب اعتقاد أن ما قاله النبي حقٌّ.

فوائد تغطية الإناء

تغطية الإناء إذنْ يستفاد منه:

  • أولًا: صيانته عن هذا الوباء الذي ينزل في ليلةٍ من ليالي السنة.
  • وأيضًا: صيانته عن الشياطين من أن تعبث بهذا الإناء.
  • وصيانته كذلك من الحشرات والهوامِّ ونحوها، ولهذا؛ ينبغي للإنسان دائمًا أن يحرص على هذا الأدب، أن تكون أواني المطبخ مغطاةً، ولا تكون مكشوفةً، حتى كوب الماء الذي مثلًا يوضع عند برادة المياه يغطيه، إما أن يضع عليه شيئًا، أو يقلبه.

طيب، إذا أتيتَ ووجدت كوب الماء مكشوفًا ماذا تعمل؟ تغسله؛ لأنه ربما يكون قد وقع فيه الوباء الذي أخبر به النبي .

فإذنْ السُّنة: أن الإنسان يغطي الأواني كلها، إلا إذا كان مثلًا داخل دولابٍ مغطًّى، لكن إذا كان مكشوفًا، فإما أن يضع عليه شيئًا، وإما أن يقلبه.

إذا كان فيه ماءٌ يغطيه بالماء الذي فيه؛ لأنه قد يتوقع فيه وباءً، قد يكون وقع فيه هذا الوباء.

لا…

طيب إذا وقع الوباء في هذا الماء، المقصود تغطيته بشيءٍ له جِرْمٌ.

نعم حتى لو لم يُغَطَّ تغطيةً كاملةً، يكفيه أن يذكر اسم الله ​​​​​​​، ولهذا؛ قال: ولو أن تَعْرُضُوا شيئًا. (شيئًا) للتقليل، وفي روايةٍ: عودًا.

  • قال: “ويُطفئ سراجه”

أيضًا هذا الأدب الرابع من آداب النوم، إطفاء السراج، والسراج: هو المصباح، وكان هو وسيلة الإضاءة سابقًا، كان الناس إضاءتهم بالوَدَكِ والزيت ونحوه، أما في الوقت الحاضر يسر الله تعالى للناس الكهرباء.

الحكمة من الأمر بإطفاء المصابيح

فإطفاء السراج جاء تفسير الأمر بذلك، أو بيان الحكمة، بقول النبي : أطفئوا المصابيح؛ فإن الفُوَيْسِقَة ربما جرَّت الفَتِيلة؛ فأحرقت أهل البيت [8]. هذا في “الصحيحين”.

أطفئوا المصابيح؛ فإن الفويسقة ما هي الفويسقة؟ الفأرة ربما جرَّت الفَتِيلة؛ فأحرقت أهل البيت. فالحكمة من الأمر بإطفاء المصباح هو ما يُخشى من حصول الحريق ونحوه؛ فإنه ربما تأتي بعض الهوام؛ كالفأر ونحوها، ويُحَرِّك السراج، فيحصُل الحريق، والإنسان إذا نام لا يدري ما يدور حوله، فربما تأتي بعض هذه الهوام من الفئران وغيرها، فتحرك هذا السراج، فيقع ما لا تحمد عُقْباه.

ولهذا؛ في الحديث الآخر، حديث ابن عمر رضي الله عنهما، يقول النبي : لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون [9]. لا تتركوا النار؛ لأن هذه المصابيح كانت توقد من نارٍ، توقد من الزيت ومن الوَدَكِ، ونحو ذلك، لكن هل ينطبق هذا الآن على الكهرباء في الوقت الحاضر؟

الذي يظهر أن هذا لا ينطبق على الكهرباء في الوقت الحاضر، فيعني الإنسان لو نام ومصباح الكهرباء مضاء لا بأس؛ لأنه في مأمنٍ من وقوع هذا الحريق الذي أشار إليه النبي ؛ فأمور الناس الآن اختلفت، فيكون إطفاء السراج إذنْ لمن؟ للناس في الزمن السابق لمَّا كانوا يوقدون بالسُّرُج؛ خشية أن يحصل حريقٌ بسبب الفئران ونحوها.

لكن مع ذلك، الأولى: إطفاء إضاءة المصباح الكهربائي؛ لأن بقاءها مضاءةً وقت النوم فيه نوع من الإسراف، لا فائدة من ذلك، ثم حتى أيضًا الأطباء يقولون: إن النوم في الظلام أفضل صحيًّا للبدن، وأن هناك خلايا لا تفرز إلا في وقت الظلام، ولا تفرز في وقت النهار، وأن الإنسان إذا نام عند المصباح الكهربائي يسبب له هذا مشاكل صحيةً، وهذا من حكمة الله ​​​​​​​؛ لأن الله تعالى جعل الليل لباسًا، فمن حكمة الله تعالى أن الإنسان يتوافق مع هذا الكون، فينام وقت الليل، ولذلك؛ نوم الليل أنفع من نوم النهار، لكن بكل حالٍ، نقول: هذا على سبيل الأولوية، الأَولى أن يُطفِئ المصباح الكهربائي، ومع ذلك لو لم يطفئه لم يكن عليه بأسٌ في هذا، الأمر في هذا واسعٌ.

لكن العلة التي لأجلها أمر النبي بالإطفاء غير موجودةٍ في الوقت الحاضر، اللهم إلا أن يقال: إن في بقائها مضاءةً نوعٌ من الإسراف،

حكم إطفاء المدفأة عند النوم

المِدفأة تختلف حسب نوعيتها، بعضها قد تكون خطرًا على الإنسان، وهذه يمكن يقال فيها ما يقال في السُّرُج، فينبغي إطفاؤها، وبعضها تكون آمنةً، فالأمر فيها واسعٌ.

وإذا كان يحتمل أن تتسبب في حريقٍ، فيقال بذلك.

إذا كانوا في مكانٍ مغلقٍ كخيمةٍ ونحوها، أما إذا كان في مكانٍ مفتوحٍ فالأمر واسعٌ، لكن لو كانوا في مكانٍ مغلقٍ أيضًا، حتى هذا فيه خطورةٌ أيضًا، فيه خطورةٌ أن يناموا والنار موقدةٌ.

ومن الآداب قبل النوم: الوضوء والإتيان بالأذكار

نعم، كل هذه من الآداب التي أرشد إليها النبي ، يقاس عليها ما كان في معناها، والمؤلف ذكر هذه الآداب وكان يحسن أن يشير إلى أدبٍ عظيمٍ، وهو الوضوء قبل النوم، والإتيان بالأذكار قبل النوم، لو أن المؤلف أتى بذلك لكان حسنًا، وهذا قد أرشد إليه النبي ، الوضوء قبل النوم سنةٌ، كما جاء في حديث البراء : إذا أردت أن تنام فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك… [10]. فإذنْ السنة ألا ينام الإنسان إلا وهو على وضوءٍ، ويأتي بالأذكار، أذكار النوم؛ ومنها: قراءة آية الكرسي، والمعوذات؛ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق: 1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: 1]، يقرأها ثلاث مراتٍ مع النَّفْث، ينفث في يديه، ثم يمسح وجهه ورأسه، وما استطاع من جسده ثلاث مراتٍ، هذه كان النبي يحافظ عليها، حتى في مرضه، كان -عليه الصلاة والسلام- لا يتركها، فكان مع شدة المرض تفعل به عائشة رضي الله عنها كذلك، ثم تمسح بيديه وجهه ورأسه، هذا يدل على تأكد هذا الذكر، إذنْ السنة قبل أن تنام: أن تقرأ هذه السور الثلاث وتنفث، وتمسح وجهك ورأسك، وما استطعت من جسدك؛ النفث بعد قراءة كل آيةٍ، بعد قراءة كل آيةٍ، لكن المسح متى يكون؟ لم يَرِد، الأمر واسعٌ، يعني هل يكون مثلًا إذا قرأ السور الثلاث، أو إذا قرأ كل سورةٍ؟ الأمر في هذا واسعٌ، لم يثبت في هذا شيءٌ.

نعم النَّفْض كذلك، ورد في السنة، وبكل حالٍ، الأذكار قبل النوم كثيرةٌ؛ لعل من أراد ذلك يرجع لكتاب من كتب الأذكار، وأيضًا من الأفكار في هذا الدرس أننا نقرر كتابًا من كتب الأذكار -إن شاء الله- في درسٍ قادمٍ، ونُبيِّن الصحيح من الضعيف؛ لأن هذا من الأشياء العملية التي يحتاج لها الإنسان في حياته اليومية، فإن شاء الله تعالى يعني من ضمن الخيارات بعد انقضاء هذا الدرس نضع درسًا في الأذكار إن شاء الله تعالى.

قال: “وكره أحمد غسل اليد للطعام، وقد ورد في الخبر غسل اليد له، ولعله ما صح عند أحمد “.

حكم الترضي عن غير الصحابة

أولًا: التَّرَضِّي عن غير الصحابة هل هو مشروع أم أن هذا خاصٌّ بالصحابة؟

نعم، نقول: لا بأس به، لكن ينبغي عدم الإكثار منه، وأن يقتصر على جعله شعارًا للصحابة فقط، الترضي يكون عن الصحابة فقط؛ لأن الله تعالى ترضَّى عنهم لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18].

وأما ما عدا الصحابة، فيؤتى بدعاءٍ آخر، كالدعاء لهم بالرحمة ونحو ذلك، لكن لو ترضَّى عن غير الصحابة فلا بأس بذلك؛ لأن الترضِّيَ يعني سؤال الله ​​​​​​​ الرضا عن الإنسان، وهذا دعاءٌ طيبٌ، لكن ينبغي عدم الإكثار منه بالنسبة لغير الصحابة، فمثلًا الإمام أحمد تقول رحمه الله لكن لو قلت أحيانًا: رضي الله عنه. لا بأس.

نعم، لكن لا يكون شعارًا، يعني اصطلح العلماء على جعله شعارًا للصحابة فقط، لكن لو أتيت به أحيانًا لا بأس.

حكم غسل اليدين للطعام

قال: “وكره أحمد غسل اليد للطعام”.

الإمام أحمد رُوي عنه في ذلك روايتان: روايةٌ كما ذكر المصنف، كراهة غسل اليد للطعام، والرواية الثانية: استحباب غسل اليد للطعام.

أما الرواية الأولى، وهي كراهة غسل اليد للطعام، فلحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله خرج من الخلاء، فأُتِيَ بطعامٍ، فذكروا له الوضوء، فقال: أريد أن أصلي؛ فأتوضأ؟! [11]. وفي لفظٍ عند مسلمٍ قال: لم أُصَلِّ فأتوضأ [12]. وهو استفهام إنكارٍ، ومعناه: أن الوضوء إنما يكون لمن أراد أن يصلي، وأنا لا أريد الصلاة الآن، يعني: كأنه يقول لهذا القائل له: توضأ. قال: أنا لا أريد أن أصلي الآن، كيف أتوضأ؟! هذا هو المقصود.

ولكن هل المراد بالوضوء هنا الوضوء بمعناه الشرعي؟ أم أن المراد غسل اليدين؛ لأن الوضوء قد يطلق على غسل اليدين؟

قولان للعلماء، والصحيح: أن المراد به الوضوء بمعناه الشرعي، حمله القاضي عياضٌ على غسل الكفين، لكن هذا محل نظرٍ، الأصل في الوضوء إذا أُطلق أن المراد به الوضوء الشرعي.

ولكن دلالة هذا الحديث أيضًا على هذه المسألة غير ظاهرةٍ، فإنه -عليه الصلاة والسلام- لما أُتِيَ بطعامٍ ذكروا له الوضوء، الوضوء بمعناه الشرعي، ولهذا؛ قال: لم أصلِّ فأتوضأ. وأما حمل بعض العلماء ذلك على غسل اليدين، فهذا بعيدٌ، بدليل التعليل الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: لم أصل فأتوضأ.

قوله: لم أصل فأتوضأ. إشارةٌ إلى أن المقصود به الوضوء بمعناه الشرعي،

وأما القائلون بأنه يكره غسل اليد للطعام، فحملوا الوضوء على الوضوء بمعناه اللغوي، يعني: غسل الكفين، قالوا: النبي -عليه الصلاة والسلام- أتي بطعام ولم يغسل يديه، أنه يجاب عن ذلك بأن المراد الوضوء بمعناه الشرعي؛ بدليل أنه ذكر الصلاةَ، والصلاةُ إنما يكون الوضوء لها بمعناه الشرعي.

والقول الثاني: وهو روايته الثانية عن الإمام أحمد: استحباب غسل اليد قبل الطعام، وقد ذكر هذا القول أيضًا النووي واستظهره، قال: الأظهر: استحباب غسل اليدين قبل الطعام، إلا أن يتيقن نظافة اليد من النجاسة.

وقوله: “ولعله ما صح عند أحمد، وقد ورد في الخبر غسل اليد له”.

يشير إلى حديث سلمان ، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي فقال: بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده [13]. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، لا يصح من جهة الإسناد، ومن استدل به قال: إن المقصود بالوضوء هنا غسل اليدين، بركة الطعام الوضوء قبله، يعني: غسل اليدين قبله، وغسل اليدين بعده.

وقد أشار المؤلف إلى ضعف الحديث، ولهذا؛ قال: “ولعله ما صح عند أحمد”؛ فإن الإمام أحمد قال له مُهَنَّدٌ: ذكرت هذا الحديث لأحمد، فقال: ما حدث به إلا قيس بن الربيع، وهو منكر الحديث، فهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد، فلا يصح، فتبيَّن بهذا أن هذه المسألة لا يصح فيها شيءٌ.

والأظهر أنها من باب العادات، أن غسل اليدين قبل الطعام أو بعده من باب العادات، وليست من باب العبادات، فلا يقال: باستحباب غسل اليدين، ولا باستحباب ترك غسل اليدين؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيءٌ، والأحاديث المروية في ذلك؛ إما أنها صحيحةٌ غير صريحةٍ؛ كحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لم أصل فأتوضأ. أو أنها صريحةٌ، لكنها غير صحيحةٍ؛ كحديث سلمان ، فلم يثبت في هذه المسألة شيءٌ عن النبي ، ولذلك؛ فالقول الراجح: أن غسل اليدين قبل الطعام أو بعده من الأمور المباحة، وليست يعني هذه المسألة من مسائل العبادات؛ وإنما هي من مسائل العادات، فنقول للإنسان: إذا أردت أن تغسل يديك فافعل، إذا أردت ألا تغسل يديك فالأمر يرجع إليك، ولا يتعلق بهذا حكمٌ شرعيٌّ، ومن قال بأنه يستحب أو لا يستحب أو يكره، فهو مطالَبٌ بالدليل، ولم يثبت في هذه المسألة شيءٌ عن النبي ، فلا داعي لهذا التفصيل الذي ذكره المؤلف، لكن باعتبار أن المسألة رُوي فيها أحاديث، فلا بد من الإشارة لما قيل في هذه المسألة.

أيضًا بعض الناس ربما يقول باستحباب غسل اليدين، ويستدل بحديث سلمان : بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده. أو أنه يقول بالكراهة، ويستدل بما استدل به أصحاب القول الأول، فنقول: إن هذه من مسائل العادات، ولم يثبت فيها شيءٌ عن النبي .

ونكتفي بهذا القدر في فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة.

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للصواب والهداية وللخير والفلاح.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3304، ومسلم: 2012.
2, 5 رواه البخاري: 5623، ومسلم: 2012.
3 رواه البخاري: 2436، ومسلم: 1722.
4 رواه مسلم: 2012.
6 رواه البخاري: 5605، ومسلم: 2011.
7 رواه مسلم: 2014.
8 رواه البخاري: 3316، ومسلم: 2012.
9 رواه البخاري: 6293، ومسلم: 2015.
10 رواه البخاري: 247، ومسلم: 2710.
11, 12 رواه مسلم: 374.
13 رواه أبو داود: 3761، والترمذي: 1846، وأحمد: 23732.