الرئيسية/دروس علمية/دروس من الحرم- عمدة الفقه/(11) كتاب الجنائز- من قوله: “وإذا تُيُقِّن موته أُغمِضت عيناه..”
|

(11) كتاب الجنائز- من قوله: “وإذا تُيُقِّن موته أُغمِضت عيناه..”

مشاهدة من الموقع

دروسٌ من الحرم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

اللهم ربنا اشرح لنا صدورنا، ويسر لنا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

نتناول بالشرح في هذا الدرس كتاب الجنائز من كتاب “العمدة في الفقه”، للموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، وسننتهي -إن شاء الله ​​​​​​​– من كتاب الجنائز، ونقف عند كتاب الزكاة، وسيكون هذا هو آخر درسٍ في الفقه في هذه الدورة -إن شاء الله تعالى- مؤمِّلين أن نستكمل الشرح في دوراتٍ قادمةٍ بإذن الله .

كتاب الجنائز

نبدأ أولًا بالاستماع لعبارة المؤلف رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لمؤلف هذا الكتاب ولشيخنا ولجميع الحاضرين.

يقول المصنف رحمه الله:

كتاب الجنائز

وإذا تُيُقِّن موته أُغمِضت عيناه، وشُدَّ لَحْيَاه، وجُعل على بطنه مرآةٌ أو غيرها، كحديدةٍ، فإذا أخذ في غسله سترت عورته، ثم يعصِر بطنه عصرًا رقيقًا، ثم يَلُفُّ على يده خرقةً فينَجِّيه بها، ثم يوضئه، ثم يغسل رأسه ولحيته بماءٍ وسِدْرٍ، ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يغسله كذلك مرةً ثانيةً وثالثةً، يُمِرُّ في كل مرةٍ يده، فإن خرج منه شيءٌ غسله وسَدَّه بقطنٍ، فإن لم يستمسك فبطينٍ حُرٍّ، ويعيد وضوءه، وإن لم يَنْقَ بثلاثٍ زاد إلى خمسٍ، أو إلى سبعٍ، ثم يُنَشفه بثوبٍ، ويجعل الطيب في مَغَابنه ومواضع سجوده، وإن طيَّبه كلَّه كان حسنًا، ويجمِّر أكفانه، وإن كان شاربه أو أظافره طويلةً أخذ منه، ولا يُسرِّح شعره، والمرأة يضفَّر شعرها ثلاثة قرونٍ، ويسدل من ورائها.

الشرح:

آداب الجنائز:

يقول:

كتاب الجنائز

الجنائز: جمع جنازةٍ، وهي اسمٌ للميت، أو للسرير أو النعش الذي يوضع عليه الميت.

  • تلقين الميت

ويستحب عند الاحتضار تلقين الميت (لا إله إلا الله)؛ لقول النبي : لقِّنوا موتاكم: لا إله إلا الله [1]، رواه مسلم؛ ولقوله: من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة [2].

فينبغي تلقين المحتضر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ لتكون آخر كلامه من الدنيا، وهذه اللحظة -لحظة الاحتضار- من اللحظات العصيبة في حياة الإنسان، بل هي أصعب لحظةٍ في حياته؛ إذ إنه في هذه اللحظة ينتقل من عالمٍ إلى عالمٍ، من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وعندما تحين ساعة الاحتضار يُصاب الإنسان بخوفٍ وبحزنٍ؛ أما الخوف فمما هو أمامه، لا يدري ما أمامه، وأما الحزن فيحزن على ما ترك من أهلٍ ومالٍ وبنين، ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أن الملائكة تنزل عليه في تلك اللحظات العصيبة تطمئنهم وتبشرهم، كما قال الله ​​​​​​​: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [فصلت:30]، يعني: عند الاحتضار، أَلَّا تَخَافُوا يعني: مما أمامكم، فهذا نفيٌ للخوف؛ لأنه كما قلنا: يصاب المحتضَر بخوفٍ، فالملائكة تقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من أهلٍ ومالٍ وبنين، ثم تبشرهم البشارة العظيمة وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فيسَرُّون سرورًا عظيمًا، ويفرحون فرحًا كبيرًا، والإنسان إذا كان في موقفٍ عصيبٍ، ثم أتته بشارةٌ يكون لها وقعٌ عظيمٌ عليه، فهذا من رحمة الله بعباده المؤمنين: أن الملائكة تتنزل عليهم بتلك اللحظات العصيبة تطمئنهم وتبشرهم: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:31-32].

وأما غير المؤمنين، فإن الملائكة عندما تريد انتزاع أرواحهم من أجسادهم ترتدُّ في أجسادهم؛ فتضربهم الملائكة، وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يعني: بالضرب، أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام:93]، ثم تنتزع الملائكة أرواحهم انتزاعًا، وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1]، فانظر إلى الفرق العظيم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين.

إذن: المحتضر السنة تلقينه (لا إله إلا الله)، كلمة التوحيد.

  • إغماض عيني الميت

قال: “إذا تُيُقِّن موته أغمِضَت عيناه”؛ لأن النبي أغمض عيني أبي سلمة  لما توفي، وقال: إن الروح إذا قُبِض تَبِعه البصر [3]، رواه مسلمٌ.

الإنسان مكون من جسدٍ وروحٍ، وحقيقة الموت مفارَقَة الروح البدن، فعند الموت الروح تفارق البدن؛ فإن كان من أهل الجنة صَعِدت هذه الروح إلى أعلى عليين، وإن كان من أهل النار كانت في أسفل سافلين، ثم يبقى هذا البدن، ويصبح ترابًا، ولا يبقى منه إلا عَجْبُ الذَّنَب، وهو العَصْعَص، آخر العمود الفِقَري، إلا الأنبياء ومن شاء الله من الصديقين والشهداء، فلا تأكل الأرض أجسادهم، وأما من عداهم فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولا يبقى إلا عَجْبُ الذَّنَب، ومنه يُرَكب الخلق يوم القيامة، فيكون النعيم والعذاب على الروح في فترة البَرْزَخ، ويكون له نوع تعلقٍ بالبدن خاصةً، في أول دفنه؛ لأنه في أول دفنه يَسمع قرْع نعالهم، ويسأله الملكان فيكون هناك نوع تعلقٍ بالبدن في أول الدفن، ثم يصبح هذا الجسد ترابًا، ويكون النعيم أو العذاب على هذه الروح، وهذه الروح أمرها عجيبٍ، لم يستطع البشر أن يعرفوا كُنْهَها، ولا حقيقتها، وذلك؛ لأنها ليست من عالم المادة؛ وإنما من عالمٍ آخر، لا يستطيع البشر معرفته، ولهذا؛ لما سئل النبي عن الروح توقف حتى أنزل الله قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85].

والعَجَب أن الإنسان يخوض في أمور الغيب، وفي أمورٍ لا يستطيع أن يعرف حقيقتها، مع أنه لا يستطيع أن يعرف حقيقة الروح التي بين جنبيه، وهذا يدل على ضعف الإنسان، وعلى محدوديَّة عقله وقُوَاه وإدراكه، فلْيعرف الإنسان حدود عقله، ولا يبحث في أكثر من ذلك؛ فإنه لن يستطيع.

وهنا، تأملْ قول النبي : إن الروح إذا قُبض [4]، وهذا دليلٌ على أن الروح تقبض، فهي شيءٌ محسوسٌ، تبعه البصر، والبصر ينظر إلى هذه الروح وهي تقبض وتصعد، ولذلك؛ بعد قبض الروح تبقى العينان غالبًا مفتوحتين، فالسنة إغماض العينين؛ حتى لا يَقبُح منظره.

  • شد لحيي الميت

قال: “وشُدَّ لَحْيَاه”. أيضًا عندما يموت الإنسان تسترخي عضلاته، وربما انفتح فمه، فإذا كان فمه مفتوحًا فينبغي شد لَحْيَيْه؛ لئلا يقبُح منظره كذلك.

  • وضع مرآة أو حديدة على بطن الميت

“وجعل على بطنه مرآةً أو غيرها”، كحديدةٍ، يقولون: لئلا ينتفخ بطنه، وهذه آدابٌ ينبغي أن يفعلها من كان حول الميت، ولكن القول بالاستحباب يحتاج إلى دليلٍ، لكن هذه مما ينبغي مراعاتها.

  • الإسراع بدفن الجنازة

والسنة الإسراع بدفن الجنازة قبل أن ينتفخ بطنه، وقبل أن تظهر على هذه الجنازة آثار التعفن، فمن الإحسان للميت الإسراع بدفنه، كما قال النبي : أسرعوا بالجنازة؛ فإنها إن تكن صالحةً فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم [5]

ثم بيَّن المؤلف صفة غُسل الميت، والله تعالى كرَّم ابن آدم، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21]، مع أنه بعد موته يصبح جثةً هامدةً، والروح قد فارقت هذا البدن، لكن مع ذلك فإن الله تعالى كرمه، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي [المائدة:31].

فغَيْرُ الإنسان هل يدفن؟ الحيوانات إذا ماتت الطيور لا تدفن، وأما الإنسان فإنه يدفن، تكريمًا له، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21]، والله تعالى كرَّم بني آدم وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70]، هل بنوا آدم هم أفضل الخلق؟ ظاهر الآية أنهم من المفضلين، لكن ليسوا هم أفضل الخلق؛ لأن الله قال: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا، ولم يقل: فضلناهم على الخلق، فالله كرَّم بني آدم، وكرَّم الله المسلم على وجه الخصوص، فإن المسلم يُعتنَى به بعد موته عناية ًعظيمةً، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له، ثم يدفن، فهو تكريمٌ عظيمٌ للمسلم، مع أنه سيودع في التراب، ومع ذلك يغسل وينظف ويكفن، وهذا من باب التكريم له.

حكم تغسيل الميت

وتغسيل الميت فرض كفايةٍ، إذا قام به بعض من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه جميعًا أثموا.

صفة غسل الميت

وبيَّن المؤلف صفة غسل الميت، فقال: “إذا أخذ في غسله سُترت عورته”. يجب ستر عورة الميت، فلا ينظر إليها لا الغاسل ولا غير الغاسل؛ لأن الميت له حرمةٌ، لا يجوز كشف عورته، ولا النظر إلى عورته.

“ثم يعصِر بطنه عصرًا رفيقًا”، وذلك؛ لأن الإنسان -كما ذكرنا- إذا مات ارتخت عضلاته، فربما خرج من بطنه الأذى، فحتى يتأكد من خروج ما في بطنه، ينبغي للغاسل أن يعصِر بطنه برفقٍ؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لربما خرج منه شيءٌ بعد تغسيله وتكفينه.

“ثم يلُف”، يعني الغاسل “على يده خرقةً” وفي الوقت الحاضر يمكن القفازات مثلًا “فينَجِّيه بها” يعني: يغسل فرجه مما خرج منه من الأذى، لكن يكون ذلك من وراء حائلٍ؛ إما خرقةٍ، أو قُفَّازٍ، أو نحو ذلك، ولا يمسه بدون ذلك.

“ثم يوضئه وضوءه للصلاة”؛ لقول النبي لمن غسَّل ابنته: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها [6].

“ثم يغسل رأسه ولحيته بماءٍ وسدرٍ”؛ لقوله في الذي وقصته دابته: اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ [7]، ولا بأس باستخدام الصابون والشامبو في الغسل أيضًا؛ لأن المقصود بالسدر التنظيف، وفي الوقت الحاضر وُجد منظفاتٌ حديثةٌ، مثل الشامبو والصابون ونحوه.

“ثم يغسل شقه الأيمن، ثم شقه الأيسر”، ثم يغسل كذلك مرةً ثانيةً وثالثةً، يُمِرُّ في كل مرةٍ يده، يعني على بطنه؛ ليخرج ما في بطنه من الأذى، فإن خرج منه شيءٌ غسله، يعني غسل مكان الأذى، وسده بقطنٍ، يعني سد موضع خروج الأذى، وهو الدبر، سده بقطنٍ، فإن لم يَستمسِك يعني: مكان خروج الأذى؛ لأنه أحيانًا لا يستمسك بسبب ارتخاء العضلات.

قال: “فبِطينٍ حُرٍّ”. والطين الحر: هو الذي لم يخلط برملٍ، يعني: طينٌ خالصٌ، لم يخلط برملٍ، يقولون: إن هذا الطين له نفوذٌ وقوةٌ في منع خروج الأذى، أو أنه يسده بقطنٍ مثلًا يكفي ذلك، ويعيد وضوءه لأجل خروج هذا الأذى.

“فإن لم يَنْقَ بثلاثٍ زاد إلى خمسٍ أو إلى سبعٍ”، أو أكثر من ذلك “ثم ينشفه بثوبٍ” أو مِنشَفَةٍ “ويجعل الطِّيب في مَغَابنه ومواضع سجوده” يُجعل الطيب في جبهته وأنفه، ويُجعل في ركبتيه وقدميه وكفيه.

“وإن طيَّبه كله كان حسنًا”، لو أنه مرَّر الطيب على جميع بدن الميت كان هذا حسنًا، “ويجمِّر أكفانه” يعني: يبخرها؛ لحديث: إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا [8]، حديث رواه الإمام أحمد، وسنده حسن، وإن كان شاربه أو أظافره طويلةً أخذ منها، وذلك؛ لأن قص هذه الأظافر والشعر مستحبٌ في الحياة، قالوا: فكذلك بعد الوفاة.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يستحب الأخذ من شعر أو أظافر الميت؛ لأنه لا يستفيد من ذلك، وهذا هو القول الراجح، أنه لا يستحب الأخذ من شعر وأظافر الميت، وإنما تترك ومصيره إلى التراب، وإنما المقصود التنظيف فقط، ولأن هذا لم يُؤثر ولم يرد عن النبي ، فالقول الراجح: أنه لا يؤخذ من شعره ولا من أظفاره شيءٌ.

قال: “ولا يسرّح شعره”، وذلك؛ لأنه يؤدي هذا التسريح إلى تقطيع شعره، “والمرأة يضفَّر شعرها ثلاثة قرونٍ، ويُسدَل من ورائها”؛ لقول النبي لمن غسَّل ابنته. وقول أم عطية رضي الله عنها لما ذكرت تغسيل بنت النبي : فضفرنا شعرها ثلاثة قرونٍ [9]، فيجعل شعر المرأة ثلاثة قرونٍ خلفها، يُسدَل من ورائها.

هذا باختصارٍ صفة تغسيل الميت، ولو قُدِّر أنه لم يفعل ذلك، وصب الماء على الميت أجزأ ذلك، كما في الحي في غسل الجنابة، هناك صفةٌ كاملةٌ للغسل، وهناك صفةٌ مجزئةٌ، والصفة المجزئة: أن يعم الماء جميع بدنه، فلو أنه عم الماء جميع بدن الميت أجزأ، ولكن الأكمل والأحسن: أن يكون ذلك بهذا التفصيل الذي أشرنا إليه.

صفة تكفين الميت

ننتقل بعد ذلك إلى صفة تكفين الميت:

ثم يكفن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، يدرج فيها إدراجًا، وإن كُفن في قميصٍ وإزارٍ ولُفَافةٍ فلا بأس، والمرأة تكفن في خمسة أثوابٍ: في درعٍ ومِقنَعةٍ وإزارٍ ولفافتين.

وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيُّه في ذلك، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، وفي غسل المرأة الأم، ثم الجدة، ثم الأقرب فالأقرب من نسائها، إلا أن الأمير يقدَّم في الصلاة على الأب ومن بعده.

الشرح:

يقول: “ثم يكفن في ثلاثة أثوابٍ” يعني: في ثلاث لفائف بيضٍ، السنة: أن يكون الكفن أبيضَ؛ لقول النبي : إن من خير ثيابكم البَيَاض، البسوها، وكفنوا فيها موتاكم [10]

“ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ”؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: كُفن رسول الله في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ [11]، متفق عليه.

قال: “يُدرج فيها إدراجًا”. ومعنى هذا الإدراج: أن تبسط اللفافة الأولى على الأرض، ثم تبسط الثانية فوقها، ثم تبسط الثالثة فوقها، ثم يوضع الميت عليهن مستلقيًا، ثم تُرَد هذه اللفائف على الميت.

قال: “وإن كُفن في قميصٍ وإزارٍ ولفافةٍ فلا بأس”. القميص: هو الثوب، هو هذا الثوب الذي نلبسه، إن كفن في قميصٍ وإزارٍ ولفافةٍ فلا بأس بذلك، وأما المرأة فإنها تحتاج إلى مزيد سترٍ، ولذلك؛ تكفن في خمسة أثوابٍ: في درعٍ، والدرع: هو الثوب الذي له كمانٌ، ومِقنَعةٍ: وهو ما تُقنِّع به المرأة رأسها، وإزارٍ ولفافتين، فهذه الأثواب الخمسة؛ لقول أم عطية رضي الله عنها: فكفنَّاها -تعني بنت النبي – في خمسة أثوابٍ.

من أحق الناس بغسل الميت والصلاة عليه ودفنه؟

قال: “وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيُّه”. فإذا أوصى الإنسان بأن يغسله فلانٌ، أو أن يكفنه فلانٌ، أو أن يدفنه فلانٌ، أو أن يصلِّي عليه فلانٌ، فهذا الوصي هو أحق الناس به، وقد أوصى أبو بكرٍ الصديق بأن تغسِّله زوجته أسماء بنت عميسٍ، فغسلته رضي الله تعالى عنها. 

وتغسيل أحد الزوجين للآخر لا بأس به، فهذا أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه غسلته زوجته، وعليٌّ غسل فاطمة زوجته بنت النبي

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله إلا نساؤه [12]

بعد الوصي: “ثم الأب ثم الجد”، والأب والجد يقدمان على غيرهما؛ لأنهما أكثر شفقةً، فالأب لديه عاطفة الأبوة، وهكذا في المرأة: الأم، ثم الجدة، فالأم لها عاطفة الأمومة، ولذلك؛ بين الأب وولده أحكامٌ لا توجد بين غيرهما، فلو أن الأب قتل ولده لم يُقَدْ به، لم يُقتَصَّ له منه؛ لأن الأب السوي لا يمكن أن يقدم على قتل ولده؛ لما أودع الله فيه من عاطفة الأبوة، وهكذا الأم أيضًا.

وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، بشرط ألا يضره، وألا يأخذه ويعطيه ولدًا آخر.

فإذنْ يقدم بعد الوصي الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، وبالنسبة للمرأة بعد الوصي تقدم الأم، ثم الجدة، ثم الأقرب ثم الأقرب من نسائها، وهذا الترتيب إنما يكون عند المشاحَّة، وأما عند عدم المشاحة، فالأمر فيه سعةٌ، لكن هذا الترتيب يذكره الفقهاء عند المشاحة، لو تشاحُّوا، كلٌّ يريد تغسيل هذا الميت، فمن يقدم؟ فهنا يأتي هذا الترتيب.

قال: “إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده” قول المؤلف: “على الأب ومن بعده”. يقصد في الترتيب السابق؛ لأنه رتب الأحق بالوصي ثم الأب، فمعنى ذلك: أن الوصي مقدمٌ حتى على الأمير، لكن على الأب، ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب، يقدم الأمير على الأب ومن بعده في الترتيب السابق، وذلك؛ لأن الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما قال لسعيد بن العاص، وكان أمير المدينة حين مات أخوه الحسن بن عليٍّ : تقدم، فلولا أنها سنةٌ ما قدمتك [13]، وهذا كما ذكرت عند المشاحة، وأما عند عدم المشاحة فالأمر في ذلك واسعٌ.

الصلاة على الميت

ننتقل بعد ذلك لأحكام الصلاة على الميت:

الصلاة عليه: يُكبر ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر ويصلي على النبي ، ثم يكبر ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذَكَرنا وأُنَثَانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيِه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفَّه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونَقِّه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وجوارًا خيرًا من جواره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه، ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ، والواجب من ذلك: التكبيراتُ والقراءة والصلاة على النبي ، وأدنى دعاء الحي للميت، والسلام.

ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر، إلى شهر، وإن كان الميت غائبًا عن البلد صُليَ عليه بالنية، ومن تعذر غسله لعدم الماء، أو الخوف عليه من التقطع؛ كالمجذوم والمحترِق، أو لكون المرأة بين رجالٍ، أو الرجل بين نساءٍ، فإنه يُيَمم، إلا أن لكلٍّ من الزوجين غَسل صاحبه، وكذلك أم الولد مع سيدها.

والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصل عليه، وينحَّى عنه الحديد والجلود، ثم يُزَمَّل في ثيابه، وإن كفن بغيرها فلا بأس، والمُحْرِم يغسَّل بماءٍ وسِدرٍ، ولا يُلبَس مَخِيطًا، ولا يُقرَّب طِيبًا، ولا يغطَّى رأسه، ولا يُقْطع شعره ولا ظفره.

الشرح:

حكم الصلاة على الميت

الصلاة على الميت فرض كفايةٍ، وقد ذكر الله بقوله عن المنافقين: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة:84]، فنهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين، وهذا يدل على مشروعية الصلاة على غيرهم من المؤمنين، وقد كان هذا هو هدي النبي .

وقد ورد في فضل الصلاة على الميت الأجر العظيم، والثواب الجزيل، في حديث أبي هريرة  أن النبي قال: من شهد الجنازة حتى يصلَّى عليها، كان له قيراطٌ، ومن شهدها حتى تُدفن، كان له قيراطان قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين [14]، وفي روايةٍ: أصغرهما مثل جبل أحد [15]، فلما بلغ ابنَ عمر رضي الله تعالى عنهما هذا الحديث قال: لقد فرطنا إذًا في قراريط كثيرة.

فانظروا إلى هذا الأجر العظيم المرتب على الصلاة على الميت وعلى اتباع جنازته، هذا بابٌ عظيمٌ من أبواب الخير، ومن أبواب العمل الصالح، إذا صليت على الميت كان لك من الأجر قيراطٌ، مثل جبل أحدٍ حسناتٍ، فإن صليت عليه وتبعته حتى تدفن الجنازة كان لك قيراطان، فينبغي للمسلم أن يحرص على الصلاة على الميت، ولا بأس، بل هذا من المبادرة للعمل الصالح، أن يبحث المسلم عن المساجد التي يصلَّى فيها على الأموات، ويتحرى الصلاة فيها قصدًا لهذا الأجر والثواب، ومن كان موجودًا هنا في المسجد الحرام ففي جميع الأوقات يصلَّى على الأموات، وهذا أجرٌ عظيمٌ، وثوابٌ جزيلٌ، والعجب أننا نجد هنا في المسجد الحرام أن الإمام يصلي على الميت، وبعض المصلين جالسٌ لا يصلي مع الناس صلاة الجنازة من غير عذرٍ، ومن غير سببٍ، إما معه جواله ينظر فيه، وإما أنه يتحدث بأحاديث جانبيه من عن يمينه وعن شماله، وإما لغير ذلك، فهذا من الحرمان؛ لأن أمامه الآن عملًا يسيرًا أجره عظيمٌ، فإذا صليت على هذه الجنازة كان لك من الأجر قيراطٌ، مثل جبل أحدٍ حسناتٍ، وظاهر الأحاديث أن الأجر يتعدد بتعدد الجنائز، فلو صليت على ثلاثة أمواتٍ كان لك ثلاثة قراريط، الله أكبر! فانظر إلى عظيم الأجر والثواب المرَتَّب على ذلك، ولكن بعض الناس محرومٌ، ولذلك؛ ينبغي عند الصلاة على الميت هنا في المسجد الحرام إذا رأينا من يتكاسل أن ننصحه حتى لا يَفُوت عليه هذا الأجر وهذا الثواب.

والمرأة في ذلك كالرجل، المرأة يشرع لها أن تصلي على الميت، وقد صلى أزواج النبي على سعد بن أبي وقاصٍ ، فالمرأة في الصلاة على الميت كالرجل، لكنها لا تَتْبع الجنازة؛ لأنه قد ورد النهي عن أن تتبع المرأة الجنازة، لكنها تصلي على الميت.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 916.
2 رواه أبو داود: 3116، وهو في مسلم: 26 بلفظ: من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة.
3 رواه مسلم: 920.
4 سبق تخريجه.
5 رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944.
6 رواه البخاري: 167، ومسلم: 939.
7 رواه البخاري: 1265، ومسلم: 1206.
8 رواه أحمد: 14540.
9 رواه البخاري: 1254، ومسلم: 939.
10 رواه أبو داود: 3878، والترمذي: 994، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 3566 بنحوه.
11 رواه البخاري: 1273، ومسلم: 941.
12 رواه أبو داود: 3141.
13 المستدرك للحاكم: 4799.
14 رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945.
15 رواه مسلم: 945.