الرئيسية/دروس علمية/دروس من الحرم- عمدة الفقه/(12) تتمة كتاب الجنائز- من قوله: “والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة..”
|

(12) تتمة كتاب الجنائز- من قوله: “والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة..”

مشاهدة من الموقع

دروسٌ من الحرم

صِفَة الصلاة على الميت

وصِفَة الصلاة على الميت، قال:

“والصلاة عليه: يكبر، ويقرأ الفاتحة من غير استفتاحٍ”.

يعني: من غير أن يأتي بدعاء الاستفتاح: «سبحانك اللهم وبحمدك،..». هذا لا يؤتى به في الصلاة على الجنازة، أو أي دعاءٍ من أدعية الاستفتاح؛ لأن الصلاة على الجنازة مبناها على التخفيف، فلا يؤتى فيها بدعاء الاستفتاح، وإنما تُكبِّر وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لقول الله : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98]. ثم تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وتقرأ سورة الفاتحة، وذلك؛ لقول أبي أمامة : السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن [1]، وقد رواه النسائي وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ.

ثم يكبر ويصلي على النبي ؛ لحديث أبي أمامة السابق، قال: يقرأ بأم القرآن. ثم يصلي على النبي ، والأكمل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية: اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ [2].

ثم يكبر التكبيرة الثالثة، ويدعو فيها للميت؛ لقول أبي أمامة في الحديث السابق، ثم يكبر، ثم يخلص الدعاء للميت.

صيغة الدعاء للميت عند الصلاة عليه

وهذا الدعاء ورد فيه عدة صيغٍ، والأمر فيه واسعٌ، ولك أن تدعو للميت بما تشاء، لكن مما ورد: ما ساقه المصنف رحمه الله: “اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم إنك تعلم مُنقَلَبنا ومَثْوَانا، وأنت على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان”.

وفي لفظٍ، الذي ساقه المصنف: “على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتَوَفَّه عليهما، اللهم اغفر له -وإن كانوا جماعةً يقول: اللهم اغفر لهم وإن كانوا اثنين يقول: اللهم اغفر لهما- وارحمه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكرم نُزُله ووسع مُدخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّهِ من الذنوب والخطايا، كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدِله دارًا خيرًا من داره، وجِوارًا خيرًا من جواره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه”.

وإن دعا بأي دعاءٍ فلا بأس، والأهم في الدعاء أن يدعو له بالمغفرة والرحمة، ويكررها، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه يكررها، فإن الميت بحاجةٍ للدعاء له بالمغفرة، والدعاء له بالرحمة.

معنى قوله “وأبدله .. زوجًا خيرًا من زوجه”

واستشكل بعض العلماء قوله في هذا الحديث: زوجًا خيرًا من زوجه [3]، فهل معنى ذلك: أننا ندعو له بأن يبدل الله الرجل بزوجةٍ أخرى أو المرأة بزوجٍ آخر؟

الجواب: أن التبديل هنا ليس تبديل العين، وإنما تبديل الوصف، فإن التبديل؛ إما أن يكون بالعين، وإما أن يكون بالصفة، تبديله هنا المراد به تبديل الوصف؛ لأن أهل الجنة ينزع الله ما في صدورهم من غلٍّ، فيكونون على أصفى حالٍ، وأحسن حالٍ، فتبدل هذه الزوجة بأن تكون على صفةٍ أحسن من الحال التي كانت عليها في الدنيا، وهذا الزوج بأن يكون على صفةٍ أفضل من الحال التي كان عليها في الدنيا، هذا أقرب ما قيل في هذه المسألة، فمثلًا الرجل الذي يشتكي من سوء خلق زوجته، نقول له: اطمئن في الآخرة ينزع ما في قلبها من الغِل، وتكون على أحسن صورةٍ وأحسن حالٍ.

وهكذا المرأة التي تشتكي من سوء خلق زوجها، ولا تريده في الآخرة، نقول: اطمئني؛ فهذا الزوج سيكون في الآخرة -إذا كان في الجنة- على أحسن حالٍ وأحسن صفةٍ؛ لأن الله ينزع ما في قلوب أهل الجنة من الغِل، ويكون بينهما الصفاء والمودة، ولا يكون بينهم شيءٌ من الغل أو الحقد أو سوء الخلق، أو غير ذلك مما يكون في الدنيا.

والنبي لمَّا صلى على جنازةٍ -كما في حديث عوف بن مالكٍ – دعا لصاحب الجنازة دعاءً عظيمًا، يقول الراوي: حتى تمنيت أني مكان ذلك الميت [4].

لهذا؛ ينبغي أن يُخلِص المصلي الدعاء للميت، وقد ورد في حديث أبي هريرة : إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء [5].

فينبغي الاجتهاد في الدعاء للميت؛ لأنه هو المقصود من الصلاة على الجنازة.

قال: “ثم يكبر”. يعني: التكبيرة الرابعة.

عدد التسليمات في صلاة الجنازة

“ويسلم تسليمةً واحدةً عن يمينه”. وذلك؛ لأن صلاة الجنازة مبنيةٌ على التخفيف؛ فيكتفي فيها بتسليمةٍ واحدةٍ، ولو سلم تسليمةً ثانيةً فلا بأس، فالأمر في هذا واسعٌ.

عدد التكبيرات في صلاة الجنازة

وجاء في حديث عبدالله بن أرقم: أن النبي صلى على جنازةٍ فكبر خمسًا [6]، وهذا قد رواه مسلمٌ.

وكان عليٌّ إذا صلى على جنازةٍ، فإن كان صحابيًّا كبر عليه خمسًا، وإن كان بدريًّا كبر عليه ستًّا.

فزيادة التكبيرات أحيانًا -خاصة من يعتقد أنه صاحب فضلٍ- لا بأس به؛ فقد ورد عن النبي ، وورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإلا الأصل أنها أربع تكبيراتٍ، لكن إن زاد أحيانًا وكبر خمسًا أو ستًّا لفضل ومكانة ذلك المصلَّى عليه، فلا بأس بذلك، ويكون ما بين التكبيرات الزوائد دعاءً للميت.

قال: “ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ”.

لما ثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرةٍ على الجنازة، فعندما يكبر التكبيرة الأولى يرفع يديه إما إلى فروع أذنيه، أو إلى منكبيه.

“والواجب من ذلك” يعني: الواجب مما مضى في الصلاة على الجنازة، “التكبيرات” يعني: الأربع، “والقراءة” يعني: قراءة الفاتحة “والصلاة على النبي “.

أما التكبيرات وقراءة الفاتحة فهي واجبةٌ، لكن الصلاة على النبي ذهب بعض أهل العلم إلى أنها مستحبةٌ هذا هو القول الراجح؛ لأنها في الصلاة المفروضة ليست واجبةً على القول الراجح، فكذلك هنا، وأدنى دعاء الحي للميت، يعني: يجب أدنى ما يدعو به الحي للميت، والمقصود من الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت، وما من ميتٍ يقوم على جنازته أربعون، لا يشركون بالله شيئًا، فيشفعون فيه، إلا شفعهم الله فيه، وكلما كان عدد المصلين أكثر كان ذلك أفضل وأنفع للميت.

قال: “والسلام” يعني: يسلم عن يمينه تسليمةً واحدةً.

حكم صلاة الجنازة على القبر

“ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر”، والصلاة على القبر مشروعةٌ لمن فاتته الصلاة على الجنازة، وقد كان هناك امرأةٌ تَقُمُّ المسجد، وافتقدها النبي ، فسأل عنها، فقيل: إنها ماتت. قال: أفلا كنتم آذنتموني؟! دُلُّوني على قبرها. وذهب إلى قبرها وصلى عليها [7]، وصلى على أم سعدٍ وقد مضى على دفنها شهرٌ [8]

فإذا كان في حدود الشهر، ولم يُصَلِّ على الجنازة، فإنه يذهب ويصلي على القبر، مثال ذلك: رجلٌ مات قريبٌ له عزيزٌ؛ كأبيه أو أمه أو أخيه، وكان مسافرًا أو غائبًا ثم قدم، فيذهب إلى قبره ويصلي عليه.

حكم الصلاة على الغائب

قال: “وإن كان الميت غائبًا عن البلد صلى عليه بالنية”. الصلاة على الميت صلاة الغائب، قد ورد عن النبي أنه صلى صلاة الغائب على النجاشي [9].

النجاشي ملك الحبشة، لمَّا كان الصحابة في العهد -المكي هنا في مكة- ينالهم أذًى عظيمٌ من كفار قريشٍ، أذِنَ لهم النبي بالهجرة، ووجد أن أفضل الأماكن التي يهاجرون إليها الحبشة؛ لأن فيها ملكًا صالحًا عادلًا، لا يظلم عنده أحدٌ، وإن لم يكن مسلمًا، لكنه كان يتحرى العدل، فهاجر إليه الصحابة الهجرة الأولى والثانية، وأراد كفار قريشٍ أن يسلمهم إليهم، فأبى، ثم إن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لما أراد كفار قريشٍ تسليم الصحابة إليهم دعا الصحابة وكان فيهم جعفر بن أبي طالبٍ ، وأراد كفار قريشٍ تحريض النجاشي على الصحابة، فقالوا: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأتى جعفر وقرأ عليه أول سورة مريم، فتأثر النجاشي تأثرًا عظيمًا، وأعجبه الإسلام، لكنه خشي إن أسلم أن يذهب عنه الملك، فلا يصبح ملكًا، فأسلم وكتم إسلامه، أخفى إسلامه، وأكرم الصحابة إكرامًا عظيمًا، ومنع أي أحدٍ من أن يتعرض لهم بأذًى، وانظر إلى الفرق بينه وبين كسرى ملك الفرس لما دعاه النبي للإسلام مزَّق كتاب النبي ، وكان رجلًا أحمق، فدعا عليه النبي بأن يمزق الله ملكه، فمزق الله ملكه [10].

وأما هِرَقل ملك الروم فكان رجلًا عاقلًا، لكنه آثر الملك، ولم يوفق للإسلام، لما أتاه كتاب النبي عظَّمه، وقال: ائتوني بمن كان هنا من العرب، فوافق أن أبا سفيان كان في الشام، فدعا أبا سفيان وسأله عشرة أسئلةٍ، لولا أن المقام ضيقٌ لذكرناها، لما سأله عشرة أسئلةٍ قال أبو سفيان: فلولا أني خشيت أن يؤثر علي كذبًا لكذبت، يعني يستنكف أن يقال: كذب؛ لأن الكذب صفةٌ ذميمةٌ، حتى عند كفار قريشٍ، قال هرقل: لئن كان ما تقول حقًّا ليملكن صاحبك هذا موضع قدمي هاتين، ولوددت أن أذهب وأقبل قدميه لولا ما أنا فيه من الملك، وعرف أنه نبي، وعرف أن ما جاء به حق، لكنه آثر الدنيا على الآخرة، آثر الملك، والنجاشي وفَّقه الله أسلم، وكتم إسلامه، فبقي ملكًا على الحبشة وهو مسلمٌ، لكنه لم يُعلِم أحدًا بإسلامه، فلما مات النجاشي أُخبرَ النبي عن طريق الوحي بأنه مات، مات بأرضٍ ولم يُصَلِّ عليه فيها أحدٌ؛ لأنه لا أحد يعلم بإسلامه، فدعا النبي الصحابة، وقال: إنه مات اليوم رجلٌ صالحٌ. وكبر أربعًا، وصلى عليه صلاة الغائب [11].

على من تُشرع صلاة الغائب؟

ومن هنا قال العلماء بمشروعية الصلاة على الغائب، لكن من الذي يصلَّى عليه؟ اختلف العلماء في ذلك:

  • فمنهم من قال: يصلَّى على كل رجلٍ صالحٍ، ولكن يَرِد على هذا أنه مات في عهد النبي أناسٌ صالحون كثيرٌ، ولم يصل عليهم صلاة الغائب.
  • ومنهم من قال: يصلَّى على من كان له أثرٌ عظيمٌ في نفع الإسلام والمسلمين، كالعالم الكبير، والأمير الصالح، أو الملك الصالح، ولكن يَرِد على هذا أن الخلفاء الراشدين الأربعة -ولا يخفى عظيم أثرهم ونفعهم- لما ماتوا لم يَرِد أن الصحابة خارج المدينة صلوا عليهم.
  • وقال بعض أهل العلم: إن الصلاة على الغائب إنما تشرع على من مات ولم يصلِّ عليه أحدٌ؛ لأن الصلاة على الميت من فروض الكفاية، فإذا مات ببلدٍ ولم يصلِّ عليه أحدٌ شرعت الصلاة على الغائب، وهذا هو القول الراجح في المسألة؛ لأن النبي صلى صلاة الغائب على رجلٍ واحدٍ وهو النجاشي؛ لكونه مات ببلدٍ لم يصلِّ عليه فيها أحدٌ؛ لأنه أسلم وأخفى إسلامه، فهذا هو القول الراجح، اختاره أبو العباس ابن تيمية وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم.

إذنْ القول الراجح في الصلاة على الغائب: أنها إنما تشرع إذا كان ذلك الغائب مات ببلدٍ، ولم يصلِّ عليه أحدٌ، والعام الماضي كان هنا في المسجد الحرام أتى إليَّ رجلٌ وقال: إن قريبًا له قد اعتقل، ثم قتل ولم يصل عليه أحدٌ، وذكر من صلاحه وحفظه للقرآن في بلدٍ من البلدان، يعني حصل أن قتل هذا الرجل، ويذكر من صلاحه وتقواه، فطلبت منه أن يصلوا عليه صلاة الغائب؛ لأنه قال: مات ولم يصل عليه أحدٌ، لم يعلم أهله عنه، وذكر من صلاحه وتقواه، فطلبت منه أن يصلوا عليه صلاة الغائب.

إذنْ: الصلاة على الغائب، القول الراجح أنها إنما تشرع إذا مات في بلدٍ ولم يصل عليه فيها أحدٌ، ولكن مع ذلك لو طلب ولي الأمر من المسلمين الصلاة على أحدٍ أخذًا بأحد هذه الأقوال، فإن المسلم يكون مع الجماعة ولا ينفرد برأيه، ويصلي عليه معهم، وحكم الحاكم يرفع الخلاف؛ لأن هذه مسائل خلافيةٌ اجتهاديةٌ، هذا فيما يتعلق بالصلاة على الغائب، نعم.

القارئ:

قال رحمه الله: ويستحب دفن الميت في لَحْدٍ، ويُنصَب اللَّبِن عليه نصبًا، كما صُنِع برسول الله ، ولا يُدخَل القبر آجُرًّا”.

حكم الميت إذا تعذر تغسيله وغسل أحد الزوجين للآخر

الشيخ: نعم، بقي في العبارة السابقة: “ومن تعذر غسله لعدم الماء، أو الخوف عليه من التقطع؛ كالمجذوم والمحترق، أو لكون المرأة بين رجالٍ، أو الرجل بين نساءٍ، فإنه ييمم”.

يعني: إذا تعذر تغسيل الميت بكونه محترقًا، أو لكون به مرضٌ مُعْدٍ، أو لكونها امرأةً بين رجالٍ، أو رجلًا بين نساءٍ، فإنه ييمم؛ وذلك بأن يقوم من يتولى تجهيز الميت بضرب يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجه الميت وظاهر كفيه، ويكفي ذلك عن تغسيله، إلا أن لكل واحدٍ من الزوجين غسل صاحبه؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله إلا نساؤه [12].

ولأن أبا بكرٍ الصديق أوصى بأن تغسله زوجته أسماء بنت عميسٍ رضي الله عنها فغسَّلَته.

وعليٌّ  غسل زوجته فاطمة بنت النبي .  

فلا بأس بتغسيل أحد الزوجين الآخر، وكذلك أم الولد مع سيدها، وأم الولد هي الأمة إذا ولدت من سيدها تصبح أم وَلَدٍ، فلها أن تغسل سيدها إذا مات.

حكم الشهيد إذا مات في المعركة

والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل؛ لقول عامة أهل العلم، ولم يصلَّ عليه؛ لأن شهداء أحدٍ أمر النبي بدفنهم في ثيابهم، ولم يغسلوا، ولم يصَلَّ عليهم [13]، وذلك إكرامًا لهم؛ لأنهم شهداء.

قال: “وينحَّى عنه”.

يعني: عن الشهيد الذي قتل في المعركة، ينحَّى عنه الحديد والجلود التي كان يلبسها.

“ثم يُزَمَّل ويكفَّن في ثيابه”، فإذنْ من مات في المعركة -معركةٍ بين الكفار والمسلمين- فإنه يكفن في ثيابه، لا يغسل، ولا يصلى عليه، والمُحْرِم يغسَّل بماءٍ وسِدْرٍ، ولا يُلْبَس مخيطًا، يعني: لا يكفن في لباسٍ مفَصَّلٍ، وإنما في إزارٍ ورداءٍ، والأحسن في إحرامه، ولا يُقَرَّب طيبًا، ولا يغطَّى رأسه؛ لقول النبي في قصة الذي وقصته راحلته: اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفنوه في ثوبيه، ولا تُمِسُّوه طِيبًا، ولا تُخمِّروا رأسهوفي رواية:ولا تحنِّطوهفإنه يبعث يوم القيامة ملَبِّيًا [14].

دفن الميت

ننتقل بعد ذلك إلى دفن الميت:

القارئ:

قال: “ويستحب دفن الميت في لَحْدٍ، ويُنْصَب عليه اللّبِن نصبًا، كما صُنع برسول الله ، ولا يُدخَل القبر آجُرًّا، ولا خشبًا، ولا شيئًا مما مسته النار، ويستحب تعزية أهل الميت، والبكاء عليه غير مكروهٍ”.

حكم دفن الميت

الشيخ: طيب، دفن الميت فرض كفايةٍ، وكما ذكرنا أول الدرس أن هذا من إكرام الله للإنسان، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس: 21].

قال: “ويستحب دفن الميت في لحدٍ” وهو أن يُشق في جانب القبر شقٌّ فيوضع فيه الميت، هذه هي السنة، “كما فُعل برسول الله ، وينصب عليه اللّبِن نصبًا”.

بأن يوضع اللَّبِن على القبر، كما صُنع بالنبي .

“ولا يدخل في القبر آجرًا”: وهو الطين المطبوخ، الآجر: هو الطين المطبوخ، “ولا خشبًا ولا شيئًا مسَّته النار”؛ لأن ذلك لم يُنقل عن النبي ، ولا عن أحدٍ من الصحابة، وإنما نقل عنهم نصب اللبن على اللحد في أسفل القبر.

حكم دفن الميت في صندوق

كذلك أيضًا يكره أن يدفن الميت في صندوقٍ، كما يفعل في بعض البلدان، فإن هذا مكروهٌ عند عامة أهل العلم، إلا أن تكون الأرض رِخْوةً، ولا يمكن دفن الميت إلا بهذه الطريقة، فتزول الكراهة للحاجة، وأما مع عدم الحاجة؛ فإن دفن الميت بصندوقٍ مكروهٌ.

تعزية الميت

ويستحب تعزية أهل الميت.

والبكاء عليه غير مكروهٍ، إذا لم يكن معه نَدْبٌ ولا نياحةٌ، ولا بأس بزيارة القبور للرجال، ويقول إذا مَرَّ بها أو زارها: سلامٌ عليكم أهل دار قومٍ مؤمنين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون، اللهم لا تَحْرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية.

وأي قربةٍ فَعَلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك. 

معنى التَّعْزِية

ويستحب تعزية أهل الميت، والعزاء معناه: الصبر والسلوان عن المصيبة، وتعزية أهل الميت الدعاء لهم بالصبر والثبات، وأيضًا تذكيرهم بذلك، وتعزية أهل الميت سُنةٌ، وقد جاء في الحديث عن النبي أنه قال: ما من مؤمنٍ يعزِّي أخاه بمصيبةٍ، إلا كساه الله من حُلَل الكرامة يوم القيامة [15]، رواه ابن ماجه والبيهقي، وهو حديثٌ حسنٌ.

أحسن صيغ التعزية

ومن أحسن صيغ التعزية التي تقال، ما قاله النبي لابنته لما مات ابنها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمًّى، فلْتصبر ولْتحتسب [16].

هذه أحسن صيغ التعزية: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيءٍ عند بأجلٍ مسمًّى، فاصبر واحتسب.

وإن قال: أحسن الله عزاءك، وآجرك في مصيبتك، ونحو ذلك، فلا بأس، وغفر الله لميتكم، ودعا له بالرحمة؛ لا بأس، الأمر في هذا واسعٌ، يأتي بأية صيغةٍ، لكن أكمل الصيغ هي ما وردت في الحديث السابق: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمَّى، فلتصبر ولتحتسب.

ولا تتحدد التعزية بثلاثة أيامٍ، كما هو شائعٌ عند بعض العامة، وإنما التعزية تكون ما دام أثر المصيبة باقيًا، فلو أن إنسانًا فقد عزيزًا ولقيته بعد أسبوعٍ، وأثر المصيبة لا زال باقيًا فلا بأس أن تعزيه، ولا يتحدد ذلك بثلاثة أيامٍ، واجتماع أهل الميت لقبول العزاء لا بأس به؛ لأن الناس الآن في الوقت الحاضر مع كثرتهم يَشُق على المعزِّين أن يذهبوا لكل واحدٍ كونهم يجتمعون في مكانٍ واحدٍ، ويأتيهم الناس لا بأس، مع الحذر من التوسع في ذلك، فبعض الناس يقلب هذا العزاء كأنه فرحٌ، ويضعون سُرَادِقًا، ويضعون أطعمةً وأشربةً، وكأنه فرحٌ، ينبغي عدم التوسع، وإنما يجلس أهل الميت لتقبل العزاء في مكانٍ، من باب التيسير على المعزين، ولا يصنع أهل الميت الطعام للناس، وإنما إذا تَبَرَّع أحدٌ من الناس لصنع الطعام لهم من جيرانهم أو أقاربهم فلا بأس؛ لقول النبي اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا؛ فقد أتاهم ما يشغلهم [17].

فإذا صنَع أقاربهم أو جيرانهم لهم طعامًا؛ لكونهم قد انشغلوا بالمصيبة، فهذا من الأمور الحسنة، وأما أن أهل الميت هم الذين يصنعون الطعام للناس، هذا غير مشروعٍ، فإذنْ ينبغي التقَيُّد بالسنة في هذا وعدم التوسع فيه.

قال: “والبكاء عليه” يعني: على الميت “غير مكروهٍ، إذا لم يكن معه نَدْبٌ ولا نِيَاحةٌ”. مجرد البكاء من غير رفع صوت لا بأس به، وقد بكى النبي على ابنه إبراهيم، وقال إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون [18].

ولما مات ابن الفضيل بن عياضٍ قام يضحك، فسئل قال: أضحك رضًا بقضاء الله وقدره، لكن قال أهل العلم: إن مقام النبي أعظم من مقام الفضيل؛ لأن النبي جمع بين الرحمة والرضا، وأما الفضيل لم يستطع الجمع، وإنما اقتصر على الرضا، لم يستطع الجمع، الرحمة مع الرضا، فمقام النبي أعلى وأعظم.

حال الإنسان عند المصيبة

والإنسان عندما تصيبه مصيبةٌ لا يخلو من أربع حالات:

  • الحالة الأولى: التسخُّط إما بالقول أو بالفعل، إما بالقول كأن يعترض على القضاء والقدر، ويقول مثلًا: يا رب ماذا فعلت حتى أصاب بهذه المصيبة؟ ولماذا أصبت من بين سائر الناس؟ ونحو ذلك، مما فيه اعتراض على قضاء الله وقدره، فهذا محرَّمٌ، أو يكون بالفعل كأن يلطم خده، أو يشق جيبه، أو يقطع شعره، فهذا العمل محرمٌ كذلك، ومن كبائر الذنوب، وقال عليه الصلاة والسلام: ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية [19].
  • الحالة الثانية: الصبر، وإن كان قد لا يرضى بالمصيبة، لكنه صابرٌ قابضٌ على نفسه، يحبس لسانه عن أن يتكلم بكلامٍ محرمٍ، وجوارحه عن أن تتصرف تصرفاتٍ محرمةً، فهذا حكمه الوجوب، الصبر معناه: حبس النفس عن الجَزَع، وحبس اللسان عن التشكِّي، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرمة، فالحالة الثانية الصبر، وحكمه الوجوب.
  • الحالة الثالثة: الرضا، كيف الرضا؟ يعني: يصاب الإنسان بمصيبةٍ فيرضى بها؛ لأنه يقول: هذه الدنيا فانيةٌ، وأنا إذا رضيت بهذه المصيبة، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإن الله يعوضني عن ذلك بصلواتٍ ورحمةٍ وهدايةٍ وأجرٍ وثوابٍ ورفعةٍ، فيرضى بذلك، وهذا المقام مقام الرضا اختلف العلماء في حكمه، والقول الراجح: أنه مستحبٌّ وليس واجبًا؛ لأنه لا يستطيع كثيرٌ من الناس الوصول إلى هذه المرتبة، ولا نستطيع أن نُلزم الناس بالرضا بالمصيبة، لكن نقول: يجب عليكم الصبر، الرضا مرتبةٌ عليَّةٌ، لا يصل لها إلا الصالحون، ولا يصل لها إلا أولياء الله .
  • المرتبة الرابعة: الشكر، وهي مرتبةٌ أعلى من الرضا، يصاب بمصيبةٍ فيحمد الله ويشكره؛ لأن هذا بقضاء الله وقدره، ولأنه يَنال بذلك أجرًا وثوابًا، ورفعة وتكفيرًا للسيئات، وهدايةً ورحمةً، فيصاب فيحمد الله ويشكره، وإذا قلنا: إن الرضا مستحبٌّ، فالشكر من باب أولى أنه مستحبٌّ، فأصبحت المقامات أربعًا:

الأولى: التسخط، وحكمه محرمٌ.

الثاني: الصبر، وحكمه واجبٌ.

الثالث: الرضا، وحكمه مستحبٌّ.

الرابع: الشكر، وحكمه مستحبٌّ.

من يعيد لنا هذه الحالات الأربع عندما يصاب الإنسان بمصيبة؟

تفضل.

الأول: التسخط؛ إما بالقول أو بالفعل، وهذا حكمه محرمٌ.

الثاني: الصبر، وحكمه واجبٌ.

الثالث: الرضا، وحكمه مستحبٌّ.

الرابع: الشكر، وحكمه مستحبٌّ.

حكم الندب والنياحة على الميت

قال: “إذا لم يكن معه نَدْبٌ ولا نِيَاحةٌ”.

الندب والنياحة محرَّمٌ، النياحة معناها: رفع الصوت بالبكاء، وهي من كبائر الذنوب، قال : النائحة إذا لم تَتُب تُقام يوم القيامة، وعليها سِربالٌ من قَطِرانٍ، ودرعٌ من جَرَبٍ [20] رواه مسلمٌ.

وقال: أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت [21].

فالنياحة محرمةٌ، رفع الصوت بالبكاء محرمٌ.

وهكذا أيضًا: الندب وتعداد محاسن الميت على وجه الجزع والتسخط، هذا كله محرمٌ.

حكم زيارة القبور

قال: “ولا بأس بزيارة القبور للرجال”.

بل زيارة القبور للرجال: مستحبةٌ؛ لقول النبي : كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة [22]، فزيارة القبور الغرض منها: الاتعاظ والاعتبار.

وأما النساء: فمحل خلافٍ بين العلماء، والقول الراجح: أنه لا تجوز زيارة النساء للقبور؛ لأن النبي  لعن زوَّارات القبور [23].

صيغة السلام على المقابر

قال: “ويقول إذا مر بها” يعني زائر القبر “أو زارها: سلامٌ عليكم أهل دار قومٍ مؤمنين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون”.

وفي الروايات الأخرى: “السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون”. بالتعريف: “السلام”، أصح في الرواية: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية، وإن دعا بغير ذلك فلا بأس.

وختم المؤلف كتاب الجنائز بقوله: “وأي قربةٍ فعلها وجعل ثوابها للمسلم” للميت المسلم “نفعه ذلك”.

حكم إهداء القُرَب للأموات

وهذه المسألة محل خلافٍ بين العلماء، إهداء القُرَب للأموات، فمن أهل العلم من منع ذلك، إلا فيما ورد فيه النص، والذي ورد فيه النص هو الحج والعمرة، والصدقة والدعاء، هذه متفقٌ عليها، وأنها تصل للميت، وأما ما عداها، فمحل خلافٍ.

والقول الراجح: أنها تصل للميت، لكنها من قبيل الجائز غير المشروع، فهي جائزةٌ، لكنها غير مشروعةٍ، لا يُحَثُّ الناس عليها؛ لأن النبي لم يفعلها، ولم يفعلها الصحابة، ولم يأمر الصحابةَ أن يفعلوها، لكنه أذِنَ لمن استأذنه في ذلك أن يفعل هذا، وأذِنَ لمن قال: إن أمي قد افتُلِتَت نفسها -يعني ماتت- فجأةً، وأُراها لو كانت حيَّةً لتصدقت، أيجزئ عنها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم [24]، فدلَّ هذا على أن أجر الصدقة يصل للميت.

وأيضًا قال: من مات وعليه صيامٌ صام عنه وَلِيُّه [25]، فدلَّ هذا على أن أجر الصيام يصل للميت، ويقاس عليه غيره؛ كتلاوة القرآن، لو قرأ القرآن وأهدى ثوابه للميت يصل الثواب للميت، لكن الأفضل ترك هذا، ويقتصر المسلم على الدعاء للميت؛ لقول النبي : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له [26]، فهنا ذَكَر الدعاء عليه الصلاة والسلام، فدلَّ هذا على أن أفضل ما يفعله الحي للميت هو الدعاء، الدعاء لهذا الميت.

والعجب أن بعض الناس -خاصةً عندما يأتي هنا للحرم- همه الأكبر إهداء الثواب للأموات، وينسى نفسه! يعتمر عن الميت، ولا يعتمر عن نفسه، يطوف عن الميت، ولا يطوف عن نفسه، يقرأ القرآن ويهبه للميت، وكأنه سيعيش عمرًا مديدًا! الميت كما أنه بحاجةٍ لعملٍ صالحٍ فأنت أيضًا بحاجةٍ لعملٍ صالحٍ، وما أحسن أن تجعل هذا لك، وتدعو للميت، هذا هو الأحسن والأكمل، فعندما تعتمر تجعل عمرةً لك، وتدعو للميت بالمغفرة، وتدعو له بالرحمة.

أما أن الإنسان يُهدي أعماله للأموات، وينسى نفسه، ليس هذا من الحكمة، إنما يبدأ الإنسان بنفسه، ويدعو لميته.

وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا شرحه في هذه الدورة، ونقف عند كتاب الزكاة، سنفتتح به -إن شاء الله – الدورة القادمة، ولعلها -إن شاء الله- تكون قريبةً بإذن الله ​​​​​​،​ وسيعلن عنها في حينها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه النسائي: 1989.
2 رواه البخاري: 3370، ومسلم: 406.
3, 4 رواه مسلم: 963.
5 رواه أبو داود: 3199، وابن ماجه: 1497.
6 رواه مسلم: 957.
7 رواه البخاري: 458، ومسلم: 956.
8 رواه الترمذي: 1038.
9 رواه البخاري: 1245، ومسلم: 951.
10 رواه البخاري: 4424.
11 رواه البخاري: 1320.
12 رواه أبو داود: 3141.
13 رواه البخاري: 1343.
14 رواه البخاري: 1265، ومسلم: 1206.
15 رواه ابن ماجه: 1601، والبيهقي: 7087.
16 رواه البخاري: 1284، ومسلم: 923.
17 رواه ابن ماجه: 1610.
18 رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315.
19 رواه البخاري: 1294، ومسلم: 103.
20, 21 رواه مسلم: 934.
22 رواه الترمذي: 1054، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
23 رواه الترمذي: 1056، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 1574، وأحمد: 8449.
24 رواه البخاري: 1388، ومسلم: 1004.
25 رواه البخاري: 1952، ومسلم: 1147.
26 رواه مسلم: 1631.