الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(36) باب صلة الرحم- من حديث “لا يدخل الجنة قاطع”
|

(36) باب صلة الرحم- من حديث “لا يدخل الجنة قاطع”

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

حياكم الله تعالى في هذا الدرس العلمي، وهو الدرس 36، في التعليق على كتاب البِرَّ والصلة والآداب من «صحيح مسلم»، في هذا اليوم الثلاثاء، 14 من شهر صفر، من عام 1443 للهجرة.

وقد وصلنا في التعليق على «صحيح مسلم» إلى صلة الرحم.

وتكلمنا في الدرس السابق عن جملة من الأحكام والآداب المتعلقة بصلة الرحم، ووصلنا إلى حديث جبير بن مطعم .

عقوبة قاطع الرحم

قال الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه»:

(2556) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ.

يعني عن جبير بن مطعم .

عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث أيضًا من طريق أخرى:

عن جُبَيْرٍ  أنَّ النبيِ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ.

معنى الوعيد بقوله : لا يدخل الجنة

قوله عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة. هذا الحديث من أحاديث الوعيد، وأهل السنة والجماعة فهموها بمجموع ما ورد في أحاديث الوعد والوعيد، فأخذوا بمجموع النصوص الواردة، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة عمومًا -سواء كانت قطيعة رحم أو غيرها- مؤمن بإيمانه في الدنيا، فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله تعالى؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه، لكنه لا يخلد في النار.

وعلى ذلك؛ فقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: لا يدخل الجنة قاطع رحم. هذا من نصوص الوعيد، وإلا فليس معناه أنه يحرم عليه دخول الجنة، قد يكون المعنى: أنه لا يدخلها في أول الأمر مع السابقين، بل يعاقب بتأخيره.

وقد يكون ذلك حمَلَه بعض أهل العلم على من يستحل القطيعة بلا سبب.

وبكل كل حال، لا يدل الحديث على أنه يحرم عليه دخول الجنة، لكنه يدل على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب.

لماذا لا نحمله على ظاهر الحديث فنقول: إنه لا يدخل الجنة أبدًا؟

الجواب: لأن هناك نصوصًا أخرى دلت على أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله تعالى، وأنه إذا دخل النار لا يُخلَّد في النار، فنحن نُعمِل جميع النصوص، لا نأخذ بطرف من النصوص ونهمل طرفًا آخر منها.

الطوائف التي ضلت في نصوص الوعد والوعيد

لذلك ضل في هذا الأمر طائفتان:

  • الطائفة الأولى: طائفة أخذت بنصوص الوعيد وأهملت نصوص الوعد، فأتوا إلى مثل هذا الحديث: لا يدخلُ الجنة قاطع رحم، والأحاديث الأخرى التي فيها الوعيد في حق مرتكب الكبيرة؛ مثل قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء: 93]. ونحو ذلك من النصوص، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خالد مخلد في النار، لا يدخل الجنة أبدًا. وهو في الدنيا: المعتزلةُ قالوا: في منزلة بين منزلتين. والخوارجُ قالوا: إنه يكون كافرًا.
    ولا شك أن هذا المنهج باطل منحرف.
  • يقابله منهج آخر، الذي ضلت فيه الطائفة الأخرى، وهو منهج المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، أخذوا بعض النصوص؛ مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: إنّ الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله [1]. ونحو ذلك، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب.
    وهذا أيضًا منهج باطل منحرف.

منهج أهل السنة في نصوص الوعد والوعيد

أهل السنة والجماعة جمعوا بين نصوص الوعد والوعيد، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله عذَّبه، وإن شاء عفا عنه، لكنه إذا دخل النار لا يخلد في النار، فأهل الكبائر الذين ماتوا على التوحيد لا يخلدون في النار عند أهل السنة والجماعة.

وهذا هو القول الذي يدل له مجموع النصوص الواردة.

وعلى ذلك يُحمل قول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: لا يدخل الجنة قاطع. على أن المقصود لا يدخلها ابتداء، أو أن هذا من نصوص الوعيد، ويجمع بينها وبين نصوص الوعد بأن هذا يدل على أن قاطع الرحم أنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وأنه ربما لو استمر على هذه القطيعة ربما تكون سببًا لرجحان كفة سيئاته فيدخل النار، لكنه مع ذلك لو دخل النار وهو قد مات على التوحيد لا يخلد في النار أبد الآباد، وإنما يكون مصيره إلى الجنة؛ لأن أهل الكبائر الذين ماتوا على التوحيد لا يخلدون في النار؛ وإنما يكون مصيرهم إلى الجنة برحمة أرحم الراحمين.

من فوائد حديث: لا يدخل الجنة قاطع

  • دل هذا الحديث على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة قاطع. وكل معصية ورد فيها الوعيد بنفي دخول الجنة فإنها من الكبائر.

ضابط الكبيرة

وضابط الكبيرة: هي: كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة؛ من لعنة أو غضب أو نار، أو نفي إيمان أو نفي دخول الجنة، ونحو ذلك.

وعلى هذا فقطيعة الرحم تدخل تحت هذا الضابط، فتكون قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وقاطع الرحم يكون فاسقًا.

صلة الرحم سبب في كثرة الرزق وطول العمر

ننتقل بعد ذلك لحديث أنس .

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(2557) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ، يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.

ثم ساق المصنف هذا الحديث من طريق أخرى:

عن أنس أنَّ النبي قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.

ومعنى قوله: من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه. يعني: يُوسَّع له في رزقه ويزاد، ويكثر رزقه.

ومعنى قوله: يُنسأ له في أثره. يُنسأ يعني: يؤخر والأثر هو الأجل، أي: يمد له في عمره، يطيل الله عمره.

فمعنى الحديث: من أحب أن يزيد الله في رزقه، وأن يطيل عمره؛ فليصل رحمه، هذا هو معنى هذا الحديث.

فدل هذا على أن صلة الرحم من أسباب بسط الرزق، ومن أسباب طول العمر.

كيف يُبسط في الرزق ويُطال في العمر، والأرزاق والآجال مكتوبة؟

فإن قال قائل: كيف تكون صلة الرحم من أسباب بسط الرزق وطول العمر، والآجال والأرزاق مقدرة مكتوبة؛ كما قال الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34]، وكتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة [2]. فكيف تكون صلة الرحم سببًا لبسط الرزق وطول العمر؟

أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة:

  • فقال بعضهم: إن المراد بذلك: بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، حكاه القاضي عياض رحمه الله، لكن هذا ضعيف.
  • والقول الثاني: أن المراد بالزيادة هنا: البركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، والبركة في رزقه.
  • والقول الثالث: أنَّ بسط الرزق وطول العمر نسبي، وأن المراد بذلك أن من يصل رحمه يزاد له في رزقه، ويطيل الله عمره حقيقة، ولكن هذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما في اللوح المحفوظ، فما في اللوح المحفوظ لا يزيد ولا ينقص، وعلى ذلك دل قول الله ​​​​​​​: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39]. و”أم الكتاب”: اللوح المحفوظ.

فالصحف التي بأيدي الملائكة يكتب فيها أن عمر فلان ابن فلان مثلًا ستون، إلا إن وصل رحمه فعمره سبعون.

والذي يكتب في اللوح المحفوظ أن عمره سبعون، ويكتب في الصحف التي في أيدي الملائكة بأن رزق فلان ابن فلان كذا، فإن وصل رحمه فيكون رزقه كذا، والذي في اللوح المحفوظ هو رزقه بعد البسط والزيادة.

وهذا معنى الآية: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39]، فالصحف التي بأيدي الملائكة يدخلها المحو والإثبات، لكن ما ينتهي إليه الأمر هو الذي يكتب في اللوح المحفوظ، فلا يدخله المحو ولا الإثبات

وهذا هو القول الراجح: أن بسط الرزق وطول العمر إنما يكون بالنسبة للصحف التي بأيدي الملائكة، وأما ما في اللوح المحفوظ فلا يدخله محو ولا إثبات، ولا زيادة ولا نقص.

وإلى هذا تدل الآية الكريمة: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39].

بسط الرزق وطول العمر أمرٌ نِسبيٌّ

فإن قال قائل: نجدُ في الواقع أناسًا من أوصل الناس رحمًا لأرحامهم، ومع ذلك يموتون وأعمارهم قصيرة وأرزاقهم ضيقة، فكيف نجمع بين هذا الحديث وبين ما نراه في الواقع؟

الجواب: أن المقصود ببسط الرزق وطول العمر النِّسبي، فهذا الذي عمره قصير، يعني مثلًا: مات وعمره أربعون سنة، وهو واصل لرحمه، لو لم يصل رحمه لمات قبل ذلك، لربما مات وعمره ثلاثون، لكن بسبب صلته لرحمه مُدَّ له في عمره، بدل أن يموت وعمره ثلاثون، مات وعمره أربعون.

كذلك هذا الذي رزقه ليس واسعًا، لو لم يصل رحمه لكان رزقه أضيق من ذلك، فزِيد له في رزقه وبُسِط له في رزقه بسبب صلته لرحمه.

فوائد من حديث: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ..

  • دل هذا الحديث على أن جزاء صلة الرحم وثواب صلة الرحم عظيم عند الله ​​​​​​​؛ ففي الآخرة: الأجر العظيم، والثواب الجزيل، وأما في الدنيا: فينال الواصل جزاءً مُعجَّلًا، وذلك ببسط الرزق وطول العمر.
  • وأيضًا: بأن ييسر الله له أموره، فإن الله لما خلق الخلق قامت الرحم، وتعلقت بالعرش، وقالت: يا ربِّ هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله لها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لكِ [3]. فتكفَّل الله ​​​​​​​ للرحم بأن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها.

معنى وصْلِ مَن وصَلها

ما معني: يصل من وصلها؟

أي: يصل من وصل رحمه بكل خير وبِر وتوفيق وتيسير، فتجد أن الواصل لرحمه أموره ميسرة، وتجد أنه يكون موفقًا في حياته سعيدًا، بخلاف القاطع لرحمه؛ فإن الله يقطعه من كل بِر وتوفيق وتيسير، تجده من أضيق الناس عيشًا، ومن أكثرهم قلقًا، وأعظمهم نكدًا؛ بسبب قطيعته لرحمه.

فصلة الرحم لها ثواب معجل في الدنيا، وقطيعة الرحم لها عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، حديث أبي بكرة ، وهو حديث عظيم، يقول فيه النبي : ما من ذنب أجدر من أن يُعجِّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدّخره له في الآخرة؛ من البغي، وقطيعة الرحم[4]. يعني: هاتان المعصيتان هما أكثر الذنوب تعجيلًا لعقوبتهما في الدنيا، تُعجل في الغالب عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة: البغي وقطيعة الرحم.

ما معنى البغي؟

البغي معناه التعدي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فالتعدي على الآخرين -في الغالب- عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة.

المعصية الثانية: قطيعة الرحم، فعقوبتها في الغالب معجلة في الدنيا قبل الآخرة.

فضل صلة الأقارب القاطعين للرحم

ننتقل بعد ذلك إلى حديث أبي هريرة .

قال الإمام مسلم في «صحيحه»:

(2558) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ له النبي : لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ.

قوله: وأحلمُ عنهم ويجهلون علي. الجهل هنا معناه: القبيح من القول.

وقوله: فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ “المَلُّ”: هو الرماد الحار، أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم.

وقوله: لا يزال معك من الله ظهير. أي: مُعين عليهم ما دمت على ذلك.

هذا الرجل أتى النبي ، واشتكى له أن له أقارب وأرحامًا يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم ويسيئون إليه، ويحلم عليهم ويجهلون عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصاه بالصبر، وقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تَسِفُّهم المَلَّ يعني: يلحقهم العار بذلك، ولا يزال معك من الله معين عليهم ما دمت على ذلك.

من فوائد حديث: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ..

  • أولًا: أن من أعظم ما يكون من صلة الرحم أن يصل الإنسان من قطعه من أرحامه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها [5]، يعني: هذا الواصل حقيقة.
    وهذا الرجل كان له قرابة يصلهم ويقطعونه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إنه لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. فهذا من أعظم ما يكون من صلة الرحم.
  • ثانيًا: دل هذا الحديث على أن من وصل من قطعه، وأحسن إلى من أساء إليه فإنه:
    • ينال من الله ​​​​​​​ الأجر والثواب.
    • أن هذا الذي قد أحسن إليه مع إساءته له.. أن هذا الإحسان يَنزِل في قلبه منزلة النار المحرقة لما يجد من ألم الخزي والفضيحة؛ لقوله : لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ. يعني: كأنما تطعمهم الرماد الحار؛ فإن الإنسان إذا أساء، وأتى أحد وأحسن إليه، وهو يسيء إليه وذاك يحسن، فيلحقه في قرارة نفسه ألم شديد، هذا معناه قوله: فكأنما تسفهم الملَّ. يعني لا تظن أنهم مرتاحون وسعيدون بذلك، بل هم يتألمون بهذا الفعل الذي تقوم أنت به من إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، فكأنك تحرجهم بذلك، ويجدون بذلك ألم الخزي والفضيحة.
  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أن من وصل رحمه التي تقطعه، فإن الله ​​​​​​​ يكون معينًا له عليهم، وظهيرًا؛ لقوله : وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ.
    والمعنى: أن الله يؤيدك بالصبر على جفائهم، وحسن الخلق معهم، فيؤثرك الله عليهم، ويُعليك عليهم في الدنيا والآخرة ما دمت على ذلك في إحسانك إليهم مع إساءتهم لك.

تحريم التحاسد والتباغض والتدابر

ننتقل بعد ذلك للباب الذي بعده: 

7 – بَابُ تحريمِ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّدَابُرِ

(2558) حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طرق أخرى، وساقه بلفظ:

 لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا.

في هذا الحديث: نهى النبي عن هذه الأمور: التباغض والتحاسد والتدابر والهجران والقطيعة.

قوله: لا تباغضوا أي: لا تفعلوا الأسباب التي تؤدي إلى البغضاء بينكم، فإن البغضاء أثرٌ لأفعال تسبقها، فلا تفعلوا ما يؤدي إلى الشحناء والبغضاء بينكم وبين إخوانكم المسلمين.

ولا تحاسدوا: الحسد: سنقف معه وقفة.

ولا تدابروا التدابر معناه: أن كل واحد منهما يهجر أخاه ويعطيه دبره، فيكون بينهما شيء من التدابر، هذا معنى التدابر، يعني يكون بينهما هجران، وكل منهما يعطي الآخر دبره -وهذا فيه إشارة للهجران- فيصد عنه ويعرض، فكأنه يقول: لا يعرض بعضكم عن بعض.

وكونوا عباد الله إخوانًا أي: ليتعامل كل منكم مع إخوانه المسلمين بمعاملة المؤمنين.

ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فلا يجوز الهجران فوق ثلاثة أيام، وأما أقل من ثلاثة أيام فيجوز، وهذا من باب مراعاة أحوال النفوس؛ فإن الإنسان مجبول على الغضب، ومجبول على أنه لا يتحمل بعض المواقف، فسمح له في أن يهجر أخاه المسلم ثلاثة أيام فقط، لا يزيد عليها، ما زاد عليها فإنه يكون حرامًا.

وهذا يدل على عظمة هذه الشريعة، ومراعاتها لأحوال النفوس؛ لأن هؤلاء بشر، يبقون بشرًا، فلو قيل: لا يجوز أن يهجر المسلم أخاه مطلقًا. ربما شقَّ ذلك عليه، لكن جُعل له مساحة ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة أيام لا يجوز الهجران بعدها.

وقوله: لا تحاسدوا يعني نقف مع الحسد وكلام العلماء في تعريفه.

الحسد: أولًا: ما معنى الحسد؟ ما تعريف الحسد؟

إذا قيل: الحسد، وفلان يحسد فلانًا. فما معنى الحسد؟

الحسد، قال جمهور العلماء: إن الحسد حقيقته تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذا هو التعريف المشهور.

وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: الحسد هو كراهة نعمة الله على غيره.

وبعض طلبة العلم يرجح تعريف ابن تيمية رحمه الله.

لكن عندما نتأمل في التعريفين فليس بينهما فرق؛ فالخلاف لفظي، لماذا؟

لأن من كره نعمة الله على غيره فقد تمنى زوالها، كيف يكره نعمة الله على غيره ولا يتمنى زوالها؟ كل من كره نعمة الله على غيره فقد تمنى زوالها، ولهذا؛ ابن تيمية رحمه الله نفسه قال: إن من كره النعمة على غيره تمنى زوالها.

وعلى ذلك: لا يكون هناك فرق بين التعريفين، فسواء عرفت الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن المحسود، أو عرفته بأنه كراهة نعمة الله تعالى على غيره؛ فالتعريفان بمعنًى واحدٍ.

أسباب الحسد

ما هي أسباب الحسد؟ ما الأسباب التي تؤدي إلى الحسد؟

  • الحسد له عدة أسباب؛ من أبرزها: العداوة والبغضاء، فالعداوة والبغضاء تسبب الحسد.
  • كذلك أيضًا: التعلق بالدنيا، وحب الرياسة، وطلب الجاه؛ لأن من وُجد لديه ذلك يحسد غيره غالبًا، يريد أن ينفرد بهذا الشيء ولا يكون أحد مثله، أو أفضل منه.
  • كذلك أيضًا من أسباب الحسد: الكِبْر والبغي والتطاول على الآخرين.
  • وأيضًا من أسباب الحسد: كثرة المجاورة والمخالطة ونحو ذلك.

والحسد غالبًا يكون بين الأقران، وأرباب الصنعة الواحدة في الغالب، يعني ما تجد مثلًا إنسانًا كبيرًا يحسد صغيرًا في الغالب، ولا تجد مثلًا فلاحًا يحسد طبيبًا، أو طبيبًا يحسد فلاحًا، تجد أن الفلاحين يحسد بعضهم بعضًا، والأطباء يحسد بعضهم بعضًا، وطلبة العلم يحسد بعضهم بعضًا، فأرباب الصنعة الواحدة يحسد بعضهم بعضًا غالبًا، قد يكون هناك حالات قليلة ونادرة تخرج عن هذا، لكن غالبًا أن الحسد يقع بين الأقران، وبين أرباب الصنعة الواحدة.

مفاسد الحسد

والحسد فيه مفاسد كثيرة؛ أول هذه المفاسد:

  • أنَّ الحاسد يعترض على حكمة الله ​​​​​​​ وقضائه وقدره، الحاسد يعترض على نعمة الله تعالى، وذلك؛ لأن الحاسد إذا تمنى زوال النعمة عن غيره فكأنه اعترض على حكمة الله، وأن فلانًا لا يستحق هذه النعمة، ولهذا يقول الشاعر:
ألا قُل لمن ظل لي حاسدًا أتدري على من أسأتَ الأدبْ؟
أسأتَ على الله في حُكمه  إذا أنت لم ترض لي ما وَهَبْ

فهو اعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته.

  • أيضًا من مفاسد الحسد: أن الحسد هو أول ذنب عُصِيَ الله تعالى به في السماء بعد خلق آدم ؛ كما ذكر الله ذلك عن إبليس اللعين أنه حسد أبانا آدم  لما أظهر الله تعالى فضل آدم  وأمر الملائكة بالسجود له، فحسده إبليس وقال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء: 61]
  • وهو أيضًا: أول ذنب عُصِيَ الله تعالى به في الأرض بالنسبة للبشر؛ كما قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27]. فهو إنما قتله؛ لأنه حسده على نعمة الله عليه؛ لأن الله تقبَّل من أخيه ولم يتقبَّل منه.

ثم إن الله تعالى ذكر الحسد من صفات شرار الخلق، وهو من صفة إبليس.

وذكر الله تعالى أن الحسد من صفات الكفار، فذكره من صفات اليهود والنصارى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا لماذا؟ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109].

وكذلك اليهود كانوا يتشوفون لظهور نبيٍّ، فلما ظهر هذا النبي من العرب حسدوا العرب على هذا الشرف العظيم ولم يؤمنوا به، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعرفون أنه نبي، وأنه مرسل من عند الله كما يعرفون أبناءهم.

ولهذا عبدالله بن سلام لما أسلم سأله بعض الصحابة فقالوا له: أكنت تعرف رسول الله مثلما تعرف ابنك؟ قال: وأكثر!

فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكنهم لم يؤمنوا به حسدًا، حسدوا العرب على هذا الشرف وهذا الفضل العظيم.

وهو أيضًا: داء الأمم السابقة، ومن أسباب هلاكها؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران: 19]. فهذا البغي بسبب الحسد.

والحاسد لا يخلو غالبًا من البغي على المحسود؛ إما بلسانه أو بأفعاله، ولذلك؛ تجد أن من حسد شخصًا -في الغالب- يقع في عرضه، يغتابه، يسخر منه، يستهزئ به، كل ذلك بسبب الحسد.

وربما تعدى ذلك إلى أفعال، يفعل أمورًا فيها أذية له بسبب الحسد؛ ربما رفع فيه شكاية، وربما كذب عليه وزوَّر عليه كلامًا لم يقله؛ بسبب الحسد والبغي.

المؤمن الصادق سليم الصدر لإخوانه

وينبغي للمسلم أن يبتعد عن الحسد، وأن يحرص على سلامة الصدر؛ فإنَّ الحاسد هو الذي يتألم قبل المحسود، ولذلك ذكر الله أن من نعيم أهل الجنة: أن الله نزع من قلوبهم الغِل، فالله تعالى قد نزع من قلوب أهل الجنة الغل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: 47]، فالله تعالى ذكر هذا في مَعرِض الامتنان على أهل الجنة، وأن هذا من نعيم أهل الجنة، أن الله نزع من قلوبهم الغل؛ لأن الغل يسبب للإنسان الألم النفسي، ويسبب له الكبت والضيق والحرج، ولذلك أهل الجنة ينزع الله من قلوبهم الغل فلا يجدون هذه الآلام النفسية، فذهاب الغل نعيمٌ معجَّلٌ، من ليس عنده غل فهو في نعيم معجل؛ لأن الله ذكر ذلك من نعيم أهل الجنة، أن الله نزع من قلوبهم الغل.

وقد أثنى الله على الأنصار بسلامة صدورهم، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأنصار يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر: 9]. يعني حسدًا، لا يحسدون إخوانهم المهاجرين، فأثنى الله على الأنصار بسلامة صدورهم، وأنهم لا يحسدون إخوانهم المهاجرين.

أخرج ابن ماجه رحمه الله بسند صحيح، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله قيل له: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كُلُّ مخموم القلب صدوق اللسان. قالوا: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي، النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غِلَّ، ولا حسد [6]. هذا مخموم القلب: التقي، النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غِلَّ، ولا حسد [7]. يعني: أنه سليم الصدر، صدوق اللسان، وسليم الصدر هذا هو أفضل الناس.

وهذا يدل على أن سلامة الصدر منزلة رفيعة، ومنزلة علية وصف الله تعالى بها أولياءه، ووصف بها المؤمنين الصادقين.

فينبغي أن يحرص المسلم على أن يحقق هذه الخصلة، أن يكون سليم الصدر لإخوانه المسلمين، لا يحمل على أي أحد من إخوانه المسلمين الحسد أو الغل أو الغش أو البغي، أو نحو ذلك؛ وإنما يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

فينبغي أن يجاهد الإنسان نفسه، وأن يحرص على سلامة صدره؛ من الحسد، ومن الغل، ومن الحقد، ومن البغضاء.

هل الغبطة من الحسد؟

ليس من الحسد المذموم: الغِبطة، وهي أن يتمنى مثل نعمة الله على الغير من غير كراهة لنعمة الله على ذلك الإنسان، وهذا هو المذكور في قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا حسد يعني: لا غبطة إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته يعني: على إنفاقه في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها [8] يعني: ينبغي ألا يُغبط أحد إلا أحد هذين الرجلين، وفي الحديث الآخر: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق [9]. ينبغي ألا يغبط إلا هؤلاء.

فالغبطة محمودة إذا كان الإنسان يتمنى أن يكون مثل غيره، لكن لا يتمنى زوال النعمة عن غيره، ولا يكره نعمة الله على غيره.

فسلامة الصدر من أخلاق المؤمنين الصادقين، ومن صفات أولياء الله تعالى وعباده المتقين.

فينبغي للمسلم -وخاصة طالب العلم- أن يحرص على سلامة صدره على إخوانه المسلمين، وأن يبتعد عن الحسد، ويبتعد عن الغِل، وأن يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويظهر أثر ذلك في تعامله معهم، بأن يتعامل معهم بأخلاق المؤمنين؛ من المحبة والمودة، واللين والبشاشة، والتواضع وخفض الجناح، ونحو ذلك.

تحريم هجر المسلم فوق ثلاث

والكلام عن هجر المسلم سيأتي في الباب الآتي، ننتقل إليه:

قال: 

8 – بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ

(2560) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طرق أخرى، وساقه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

وساقه من حديث أبي هريرة

أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ.

يقال: الهَجر، ويقال: الهِجرة، وكلاهما بمعنًى واحدٍ.

ومعنى هجران المسلم، يعني قطيعة المسلم؛ لا يكلمه، ولا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، يعتزله، هذا هو هجران المسلم.

دل هذا الحديث على تحريم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام، وعلى أنه يجوز ذلك في حدود ثلاثة أيام فأقل؛ وذلك مراعاة لأحوال النفوس، فإن الإنسان مجبول بطبعه على الغضب، وقد لا يقبل إذا قيل له: إنه لا يجوز لك الهجران مطلقًا، فيترك يومًا ويومين وثلاثة، حتى يُنفِّس عما في نفسه، وبعد ذلك نقول: لا يجوز لك أن تهجر أخاك أكثر من ثلاثة أيام.

في حدود ثلاثة أيام فأقل، لا بأس، وإن كان الأفضل تركه، لكن لا بأس أن يهجر الإنسان أخاه ثلاثة أيام فأقل.

أما أكثر من ثلاثة أيام فلا يجوز.

فوائد من حديث: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ..

  • دل هذا الحديث على تحريم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام، وهذا هو الأصل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. ولكن إذا كان في الهجر مصلحة شرعية؛ كأن يكون هذا الذي يريد أن يهجره مرتكبًا لمنكر، أو مقيمًا على معصية، وإذا هجره أكثر من ثلاثة أيام، فربما يؤدي ذلك الهجر إلى أن يرتدع هذا الإنسان عن تلك المعصية، فهذا الهجر لا بأس به وإن زاد على ثلاثة أيام.
    ومما يدل لذلك: ما جاء في «الصحيحين»: أن النبي هجر الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأمر بهجرهم خمسين ليلة، فزاد ذلك على ثلاثة أيام، حتى إن كعب بن مالك  يقول: إنه يأتي ويسلم على النبي عليه الصلاة والسلام فلا يرد عليه، يقول: فأنظر هل حرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟ لا يرد عليه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هجره، وأمر المسلمين بهجره، هو ومن معه، الثلاثة الذين خُلِّفوا، وكان في ذلك الهجر مصلحة عظيمة؛ فإن هؤلاء الثلاثة تابوا إلى الله تعالى توبة عظيمة ذكرها الله في القرآن فقال: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: 118]. فكان هذا الهجرُ سببًا لأن يتوبوا إلى الله تعالى هذه التوبة العظيمة.

حكم الهجر لمصلحة شرعية

فإذا كان الهجر فيه مصلحة شرعية فلا بأس أن يزيد على ثلاثة أيام؛ مثل: أن يكون مثلًا هذا الإنسان يرتكب منكرًا، يكون مقيمًا على معصية، فيُهجَر لأجل أن يترك تلك المعصية وذلك المنكر، فهذا لا بأس به وإن زاد على ثلاثة أيام.

أما إذا كان سبب الهجر أمورًا دنيوية، يعني ليس في ذلك أمور شرعية، فلا يجوز أن يزيد الهجر على ثلاثة أيام، وإذا زاد على ثلاثة أيام فإنَّ هذين المتهاجرين يأثمان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل. لا يحل، يعني: يحرم لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.

  • أيضًا من فوائد هذا الحديث: أنَّ الهجر يزول بمجرد إلقاء السلام ورَدِّه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. ولهذا؛ قال مالك والشافعي وبعض الأئمة: إن السلام يقطع الهجران، ويرفع الإثم ويزيله.
    فالحد الأدنى لإزالة الهجر هو: إلقاء السلام، ورد السلام.
    فإذا كنت تلقي السلام على هذا الإنسان، فمعنى ذلك أنك لم تهجره.
    فإذَنْ الهجرُ يزول بإلقاء السلام ورده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. يعني: خيرهما الذي يزيل الهجر، وذلك بإلقاء السلام.

وعلى ذلك: يمكن أن يُستفاد هذا المعنى مع بعض الناس الذين كثرةُ الاحتكاكِ بهم تؤذي الإنسان؛ فإن بعض الناس أخلاقهم سيئة، وربما إذا خالطهم الإنسان أو احتك بهم آذوه، فكيف يتعامل معهم؟

نقول: يقلل الاحتكاك بهم، لكن لا يهجرهم، يسلم عليهم، يرد عليهم السلام، لكن يقلل الاحتكاك بهم، وبذلك لا يكون هاجرًا لهم، ويسلم من شرهم.

وقد أخبر النبي بأن أبواب الجنة تفتح في يومين من أيام الأسبوع، وهما يوما: الاثنين والخميس، فيغفر لكل من لا يشرك بالله شيئًا، إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا [10]، أي: أن من كان بينه وبين أخيه المسلم هجران وقطيعة وشحناء يُحرَم من هذه المغفرة.

ولذلك؛ من كان بينه وبين أحد من الناس هجران أو قطيعة، فعليه أن يبادر ويزيل هذه القطيعة، وهذا الهجر حتى ينال هذا الفضل، ويدخل في مغفرة الذنوب، فإنه في كل يوم اثنين وخميس تفتح أبواب الجنة، ويُغفر لكل من لا يشرك بالله شيئًا، يعني من صغائر الذنوب إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء فلا تغفر ذنوبهما، لا تغفر الصغائر، ويقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا. أي أنهما يحرمان هذه المغفرة بسبب ما بينهما من هجران وقطيعة.

ما الحد الأدنى لإزالة الهجر؟

والحدُّ الأدنى لإزالة هذا الهجران والقطيعة: هو أن يسلم عليه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. فينبغي إذا كان بينك وبين أحد من الناس قطيعة أو هجران -على الأقل- أن تزيل هذا الهجران بأن تسلم عليه، وتبتغي بذلك الأجر عند الله ، فهذا خير عند الله ، وخير أيضًا عند الناس، خير عند الله تعالى؛ لأنه  قال: وخيرهما.. . يعني عند الله، وكذلك عند الناس، فالناس يُثنون على هذا الإنسان الذي أتى لهذا الذي حصل بينه وبينه هجران، وهو الذي بدأ بالسلام؛ يثنون عليه، ويذكرونه بالمحامد والمحاسن، وأن هذا الإنسان قد بدأ من تلقاء نفسه، وأزال الهجران بينه وبين أخيه المسلم.

فإذَنْ إذا كان بينك وبين أحد هجران أو قطيعة فينبغي أن تبادر وأن تزيل هذا الهجران والقطيعة، حتى ولو كان هو الذي أخطأ، ابدأ أنت وكن خيرًا منه، وحتى تنال الخيرية المذكورة في هذا الحديث: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.

ألا تريد أن تكون أنت خيرًا من هذا الذي قد حصل بينك وبينه هجران؟

إذَنْ، ابدأ أنت بالسلام، وابدأ بإزالة القطيعة بإلقاء السلام والتحية عليه ابتغاء الأجر والثواب من الله .

تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجُش

قال المصنف رحمه الله تعالى: 

9 – بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ وَنَحْوِهَا

(2563) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث بألفاظ أخرى.

ما الظن المنهي عنه؟

نبدأ أولًا بأول هذا الحديث العظيم، قال: إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث. المراد بالظن المنهي عنه: ظن السوء، وذلك بأن يظن بالآخرين ظن السوء.

قال الخطابي رحمه الله تعالى: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس؛ فإن ذلك لا يملكه.

ومراد الخطابي: أن المُحرَّم من الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به.

فإذَنْ، سوء الظن الذي يستقر في النفس ويستمر عليه الإنسان هو الذي يؤاخذ به، إذا كان هذا بدون قرينة وبدون دليل فهذا لا يجوز، ولهذا؛ قال عليه الصلاة والسلام: فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث. في الغالب أن يكون هذا توهمًا، ويكون كذبًا، ولا يكون حقيقة.

فينبغي للمسلم أن يحرص على أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، وأن يحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل، وأن تعتذر عن أخيك المسلم، تقول: ربما يقصد كذا، تحمله على أحسن المحامل، فإن لم تجد ما تعتذر به عنه، قل: لعل له عذرًا ولا نعلمه، وتحسن الظن بإخوانك المسلمين.

بعض الناس مبتلًى بسوء الظن بالناس، تجد أنه يسيء الظن بالآخرين، وينظر للآخرين بمنظار سيئ، فلذلك سوء الظن هذا قد يتسبب في أخلاق سيئة، سوء الظن هو السبب للتجسس؛ فإن الذي يتجسس إذا ساء ظنه يتجسس عليه، وإلا لو كان حسن الظن به لما تجسس عليه.

فإذن التجسس هو من آثار سوء الظن.

كذلك سوء الظن يجعله يحتقره، يجعله يستهزئ به، يجعله يسخر منه؛ لأنه لا يرى له قدرًا، ولا يرى له قيمةً، فهو قد أساء به الظن.

والمطلوب من المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، ولهذا؛ قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12].

وفي هذا الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث. فالظن الذي ليس معه دليل ولا قرائن تدل على صدقه ينبغي أن يجتنبه المسلم؛ فإنه أكذب الحديث.

ولَأَنْ تُخطئ في حسن الظن خير من أن تخطئ في سوء الظن، لَأَنْ تُحسِن الظن بإنسان فتخطئ خير من أن تسيء به الظن فتخطئ.

وبقية الحديث نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم؛ لأن الحديث طويل وله روايات متعددة؛ فنؤجل الكلام عن بقية الحديث للأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.

فنقف عند قوله: ولا تحسَّسوا.

ونجيب الآن عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة والأجوبة

هل العاصي يجيب على أسئلة القبر؟

س: في حديث البراء ، عند نزول ملك الموت ، ذكر المؤمن والكافر، فما مصير الموحد العاصي، هل يجيب أسئلة القبر؟

ج: إذا كان كافرًا أو منافقًا فإنه لا يجيب، يقول: هاه! هاه! لا أدري. أما إذا كان مؤمنًا، حتى وإن كان عنده معاصٍ، فإنه يجيب عن أسئلة الملكين: من ربك؟ ما دينك؟ ما هذا النبي الذي بعث فيكم؟

وهذه الأسئلة وهذا الامتحان لا تكون للشهيد الذي قتل في سبيل الله ؛ كفى ببارقة السيوف امتحانًا واختبارًا له، وإذا كان لا يُسأل هذا الشهيد، فمن باب أولى أنه لا يسأل الصديقون ولا الأنبياء والرسل؛ لأنهم فوق السؤال، فهم لا يحتاجون إلى أن تسألهم الملائكة، كما ذكر ذلك أهل العلم، فالأنبياء والصديقون والشهداء، هؤلاء لا يُسألون، إنما من كان دونهم هم الذين يسألون هذه الأسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ ما هذا النبي الذي بعث فيكم؟

هذا قرره بعض أهل العلم؛ جمعًا بين الأدلة الواردة في هذه المسألة، والله أعلم.

إذا كان المؤذن يقيم على طريقة الأحناف فماذا يفعل المصلي؟

س: المسجد الذي أصلي فيه مسجد للأحناف، وطريقة الإقامة للصلوات عندهم مختلفة، فماذا أفعل؟

ج: نعم الحنفية يعتمدون طريقة أو أذان أبي محذورة ، ويعتمدون إقامة أبي محذورة ، وإقامة أبي محذورة كصفة أذان بلال، وهي صفة صحيحة، فلا بأس بأن يكون الأذان أو الإقامة بإحدى الصفات الواردة عن النبي ، فهؤلاء الأحناف على طريقة الإمام أبي حنيفة في أن الإقامة تكون على طريقة إقامة أبي محذورة ، وإقامة أبي محذورة وإقامة بلال، كلاهما قد وردت بهما السنة، فالأمر في هذا واسع.

ما يعمل من بدأ الطواف من الركن اليماني؟

س: شخص بدأ بالطواف من الركن اليماني بالخطأ، ثم لما وصل لنهاية الشوط تبين له الخطأ، فهل يكمل الطواف أم يبدأ من جديد؟

ج: ما كان من الركن اليماني إلى الحجر الأسود فهذا لا يحتسب، ما بعد الحجر الأسود هنا يبدأ في سبعة أشواط، فالطواف يبدأ من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وأما الركن اليماني فهو قبل الحجر، فمعنى ذلك: أنه إذا بدأ من الركن اليماني يكون قد ابتدأ قبل الحجر الأسود، هذه المسافة التي ما بين الركن اليماني والحجر الأسود مُلْغَاة لا تحسب، وما بعدها يحتسب.

حكم شراء الذهب بالتقسيط

س: ما حكم شراء الذهب بالتقسيط؟

ج: الذهب عند شرائه بالأوراق النقدية لا بد فيه من التقابض يدًا بيدٍ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح؛ هاءَ وهاءَ، يدًا بيدٍ، سواءً بسواءٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيدٍ [11].

فهنا اختلفت الأجناس، اختلف الذهب عن الوَرَق النقدي، فهنا يشترط شرط واحد: وهو التقابض، فلا بد من التقابض، فبيع الذهب بالتقسيط يفتقد هذا الشرط، يفتقد شرط التقابض، ولذلك؛ فإنه لا يجوز، لا بد أن يكون بيع الذهب بالوَرَق النقدي حالًّا، ولا يجوز أن يكون مؤجلًا.

متى يبدأ الترخص برخص السفر؟

س: متى يبدأ الإنسان الترخص برخص السفر؟

ج: يبدأ الترخص برخص السفر بعد مفارقة عمران البلد الذي هو فيه، وليس من حين مغادرة بيته؛ وإنما من مفارقة العمران؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وقرر هذا أهل العلم، ولذلك فإن النبي في حجة الوداع تجهز للسفر، ولبس لباس السفر، وصلى صلاة الظهر في المدينة أربع ركعات لم يترخص برخص السفر، ثم سار فلما وصل إلى ذي الحليفة ووصل لها قبل العصر صلى صلاة العصر ركعتين، صلى الظهر في المدينة أربعًا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين، فالمسافر إنما يترخص برخص السفر بعد مفارقة العمران، فمثلًا مدينة كبيرة مثل مدينة الرياض لا يبدأ بالترخص برخص السفر حتى يفارق آخر أحياء مدينة الرياض من الجهة التي سافر إليها، يعني من أي جهة، وفي الغالب أن نقاط التفتيش توضع على مداخل المدينة، فهذه من القرائن التي يمكن أن يستأنس بها في هذا، فآخر حي من أحياء المدينة بعد مفارقته هنا يبدأ في احتساب مسافة السفر، وأما بالنسبة للاستراحات ومحطات الوقود فهذه لا تعتبر، المعتبر هو آخر حي من أحياء المدينة، آخر عمران للمدينة أو البلد الذي هو مقيم فيه، فيبدأ بحساب المسافة، وأقل مسافة للسفر هي (80 كيلو مترًا)، فإذا كانت المسافة (80 كيلو مترًا) من مفارقة العمران فيعتبر سفرًا، أما إذا كانت أقل من (80) فلا يعتبر سفرًا.

فعلى سبيل المثال: المسافة الآن ما بين الرياض والخَرْج أصبحت أقل من مسافة السفر، أقل من (80 كيلو مترًا)، فليس لمن ذهب إلى الخَرْج أن يترخص برخص السفر، كذلك ما بين الرياض إلى حُرَيملاء مثلًا أقل من مسافة السفر، أقل من (80 كيلو مترًا)، كذلك ما بين الدمام إلى الجبيل أقل من (80 كيلو مترًا)، إذا حسبتها من آخر عمران الدمام إلى أول عمران الجبيل.

كذلك مثلًا ما بين مكة إلى جدة إذا حسبتها من آخر عمران جدة مثلًا إلى أول عمران مكة أقل من (80 كيلو مترًا)، إذا حسبتها بهذه الطريقة تجد أن المسافة أقل من (80 كيلو مترًا)، ولذلك لا يترخص برخص السفر.

لكن بعض الناس يحسبها بطريقة خاطئة، يحسبها من بيته وهذا خطأ؛ لأنه إذا حسبها من بيته فتكون المسافة غير صحيحة.

أيضًا أنبه هنا إلى قضية أخرى، وهي أن بعض الناس يعتمد في حساب مسافة السفر على اللوحات الموجودة على الشوارع، هذه اللوحات تحسب المسافة إلى وسط المدينة، وليس إلى أول العمران، ولذلك؛ لا يعتمد عليها، فإذا قال مثلًا: بقي على الرياض (100 كيلو)، يقصدون إلى وسط مدينة الرياض (100 كيلو)، وبالنسبة لرخص السفر من آخر عمران البلد الذي أنت فيه إلى أول عمران المدينة التي تريد أن تصل إليها، فهذه هي المسافة.

فإذا كانت المسافة (80 كيلو مترًا) فأكثر، فهي مسافة سفر، وإن كانت أقل من (80 كيلو مترًا) فلا تعتبر مسافة سفر.

حكم من يحصل له مضايقات بسبب إعفاء اللحية

س: أنا في بلد يصعب علي إعفاء اللحية فيه، وربما تحصل لي مضايقات؟

ج: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ،[التغابن: 16]، القاعدة الشرعية: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: وما أمرتكم فيه بأمر فأتوا منه ما استطعتم [12]، لكن لا بد أن يغلب على ظنك حصول الضرر، أما إذا كان مجرد توهم فهذا لا يلتفت إليه؛ لأن بعض الناس عنده خوف شديد وشكوك وتهيؤات؛ هذه لا يعول عليها، لكن لو كان يغلب على ظنك حصول الضرر؛ فالضرورات تبيح المحظورات، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

حكم وضع المُحرِمة غطاءً شفافًا أمام العينين

س: هناك غطاء للوجه تضعه المحرمة على وجهها، لكنه شفاف أمام العينين ليس مفتوحًا كالنقاب فهل يصح استخدامه عند الإحرام؟

ج: نعم، لا بأس، ما دام أنه ليس كالنقاب، ليس له فتحة النقاب، فلا يعتبر نقابًا، لا يأخذ حكم النقاب، المرأة المحرمة ممنوعة من النقاب، أو ما كان يشبه النقاب مثل البرقع، أما إذا كان غطاء وليس فيه فتحة للعينين، فهذا لا يشبه النقاب، ولا تكون المرأة المحرمة ممنوعة منه.

حكم إلقاء السلام على من يقرأ القرآن

س: ما حكم إلقاء السلام على من يقرأ القرآن؟

ج: لا بأس بذلك؛ لأنه إذا كان يشرع إلقاء السلام على المصلي إذا كان يحسن الرد، فالذي يقرأ القرآن من باب أولى، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا مرَّ به الصحابة سلموا عليه وهو يصلي، وكان يرد عليهم بالإشارة هكذا من غير كلام، وهذه هي السُّنة، أن المصلي يسلَّم عليه، ويرد بالإشارة بظهر كفه هكذا. فإذا كان يشرع السلام على المصلي، فعلى الذي يقرأ القرآن من باب أوْلى.

وأما قول بعض الناس: إنك تشوش عليه. فهذا غير صحيح، قارئ القرآن يتوقف عن القراءة ويرد السلام، ثم يعود ويكمل القراءة من الموضع الذي قد توقف عنده؛ لأن مصلحة إفشاء السلام أعظم مما قد يخشى من التشويش على القارئ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أفشوا السلام بينكم [13].

وقوله: أفشوا. يدل على الشيوع والكثرة، يعني: أكثروا من إلقاء السلام والتحية بينكم في كل مناسبة؛ لأن هذا من أسباب حصول المحبة والمودة بين المسلمين.

ولذلك؛ نقول: لا بأس بأن تسلم على من يقرأ القرآن، ويتوقف ويرد عليك السلام، ثم يكمل القراءة؛ لا بأس بذلك.

حكم طاعة الأم في الزواج بمن لا يرغب فيها

س: إذا كانت الأم تُكرِه ولدها على الزواج ببنت أختها وهو لا يريد؟

ج: هنا لا يجب عليه أن يطيع أمه في ذلك؛ لأن القاعدة الشرعية: إنما الطاعة في المعروف [14]. وليس من المعروف أن الأب أو الأم يكره ابنه أو ابنته على الزواج بمن لا يرتضيه، هذا زواج، وهذا شركة عمر، فليس واجبًا شرعًا على الابن أو البنت أن يطيع أباه أو أمه في ذلك، ولا يأثم بهذا، لكن مع ذلك كما قال الله تعالى فيما لو أمر الوالدان ولدهما بالشرك، قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، يعني: لا تطعهما فيما أمراك به، لكن مع ذلك أحسن إليهما، وصاحبهما في الدنيا معروفًا، فلا يلزمك أن تقبل بهذا الزواج، لكن نقول كما قال ربنا سبحانه، صاحب أمك في الدنيا معروفًا، وأحسن إليها وتلطف بها وارفق بها، لكن لا يلزمك أن تستجيب لطلبها بأن تتزوج من بنت أختها، وإنما الزواج يكون على حسب قناعتك، فإذا لم تقتنع بذلك لا يلزمك أن تجيب طلب أمك أو أبيك للزواج؛ لأن هذا ليس من المعروف الذي تجب الطاعة فيه، لكن مع ذلك إذا رفضْتَ فينبغي أن يكون ذلك برفق وبلطف وبلين، وأن تُوَسِّط أيضًا من يقنع والدتك بذلك؛ لأن كل إنسان له مفاتيح، وهناك أناس يقتنع منهم، فأمك لها من الأخوات أو من الخالات من تقتنع بكلامها، فوسِّط من يقنع والدتك بذلك حتى تبقى أيضًا علاقتك بوالدتك علاقة جيدة وتَبَرَّها، ويُبَيَّن لها أن هذا لا يلزم شرعًا، لا يلزم الابن أن يطيع أمه في أن يتزوج بمن تريد أمه، ما دام أنه لا يريد الزواج من هذه المرأة.

والقاعدة العظيمة في هذا الباب: إنما الطاعة في المعروف.

ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 5401.
2 رواه مسلم: 2653.
3 رواه البخاري: 4830، ومسلم: 2554.
4 رواه أبو داود: 4902، وابن ماجه: 4211، وأحمد: 20398.
5 رواه البخاري: 5991.
6, 7 رواه ابن ماجه: 4216.
8 رواه البخاري: 73، ومسلم: 816.
9 رواه مسلم: 815.
10 رواه مسلم: 2565.
11 رواه مسلم: 1587 دون ذكر: هاء وهاء.
12 رواه مسلم: 1337.
13 رواه مسلم: 54.
14 رواه مسلم: 1840.