|

(2) من قاعدة “المشقة تجلب التيسير”

كنا قد وصلنا في “القواعد والأصول الجامعة” للشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله إلى القاعدة الثالثة.

نبدأ على بركة الله، نقرأ عبارة المؤلف رحمه الله.

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والحاضرات وجميع المسلمين.

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير

قال المؤلف رحمه الله: القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير.

وجميع رُخص الشريعة وتخفيفاتها مُتفرعةٌ عن هذا الأصل، قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].

هذه القاعدة إحدى القواعد الكلية الكبرى الخمس التي تكلمنا عنها، أو أشرنا لها في درس الأمس، وهذه القاعدة متفقٌ عليها بين العلماء، فهي محل إجماعٍ، وسيذكر المؤلف الأصل لهذه القاعدة، ثم بعد ذلك يشير إلى الضابط للمشقة الجالبة للتيسير، ثم فروع هذه القاعدة.

نستمع أولًا لأصل هذه القاعدة من الأدلة التي ساقها المؤلف.

أدلة قاعدة: المشقة تجلب التيسير

قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

فهذه الآيات وغيرها دليلٌ على هذا الأصل الكبير.

أولًا: جميع الشريعة حنيفية سمحة، حنيفية في التوحيد، مبنيةٌ على عبادة الله وحده، لا شريك له، سمحةٌ في الأحكام والأعمال، فالصلوات خمس فرائض في اليوم والليلة، لا تستغرق من وقت العبد إلا جزءًا يسيرًا، والزكاة جزءٌ يسيرٌ من مال العبد من الأموال المتمولة دون أموال القنية، وهي في كل عامٍ مرةً، وكذلك الصيام شهرٌ واحدٌ من كل عامٍ.

وأما الحج فلا يجب في العمر إلا مرةً واحدةً على المُستطيع، وبقية الواجبات عوارض بحسب أسبابها، وكلها في غاية اليُسر والسهولة.

هذه الشريعة مبناها على اليُسر والسهولة ورفع الحرج عن المُكلفين، وقد رفع الله تعالى عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وجعل الله تعالى هذه الأمة خير أمةٍ أُخرجت للناس.

ولهذا أيضًا فإن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي قال: يُؤتى بنوحٍ عليه الصلاة والسلام، فيُقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم، فيُقال لأُمته: هل بلَّغ؟ فيقولون: لا. فيقول الله له: مَن يشهد لك؟ فيقول: أُمة محمدٍ. فتشهد هذه الأمة لنوحٍ بأنه قد بلَّغ، فيقول قوم نوحٍ: كيف يشهدون بأنه قد بلَّغ وهم إنما أتوا بعدنا؟! فيقولون: أخبرنا نبينا بأنه قد بلَّغ، فنشهد على ما أخبرنا به نبينا، وذلك قول الله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] [1].

وأيضًا جاء في بعض الآثار: أنه ما من أحدٍ يوم القيامة إلا ويتمنى أنه من هذه الأمة، وقال عليه الصلاة والسلام: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة [2]، وفي بعض الروايات: أن الجنة مئةٌ وعشرون صفًّا، وأن هذه الأمة ثمانون صفًّا [3]، يعني: ثلثا أهل الجنة، مع أن هذه الأمة بالنسبة لسائر الأمم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.

شعرةٌ في جلد ثورٍ، يعني: ما قيمتها؟

ومع ذلك تكون إما نصف أهل الجنة، أو ثلثي أهل الجنة، وهذا من إكرام الله ​​​​​​​ لهذه الأمة التي هي خير أمةٍ أُخرجت للناس.

فمبناها إذن على اليُسر والسهولة ورفع الحرج عن المُكلفين؛ ولهذا قال ​​​​​​: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

وقد شرع الله لكثيرٍ منها أسبابًا تُعين عليها، وتُنشط على فعلها، كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس، والجمعة، والأعياد، وكذلك الصيام يجتمع فيه المؤمنون في شهرٍ واحدٍ، لا يتخلف منهم إلا معذورٌ بمرضٍ، أو سفرٍ، أو غيرهما، وكذلك الحج.

ولا شك أن الاجتماع يُزيل مشقة العبادات، ويُنشط العاملين، ويُوجب التنافس في أفعال الخير، كما جعل الله الثواب العاجل والثواب الآجل الذي لا يُقادر قدره أكبر معينٍ على فعل الخيرات، وترك المنهيات.

ثم إنه مع هذه السهولة في جميع أحكام الشريعة إذا عرض للإنسان بعض الأعذار التي تُعجزه أو تشقُّ عليه مشقةً شديدةً.

لا شك أنَّ الاجتماع مما يُزيل مشقة العبادة؛ ولهذا نجد أن الناس في شهر رمضان لا يجدون مشقةً كبيرةً في صيام شهر رمضان؛ وذلك لأجل اجتماعهم، بينما الإنسان لو أراد أن يصوم شهرًا من غير رمضان لوجد مشقةً، فلا شك أن الاجتماع مما يُخفف العبادة.

خفّف عنه تخفيفًا يُناسب الحال، فيصلي المريض الفريضة قائمًا، فإن عجز صلى قاعدًا، فإن عجز فعلى جنبه، ويُومئ بالركوع والسجود، ويصلي بطهارة الماء، فإن شقَّ عليه أو عدمه عدل إلى التيمم.

أقسام المشاقّ المتعلقة بالعبادة

إذن هنا المشاقّ تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: مشاقٌّ لا تنفك عنها العبادة

وهي مشاقٌّ يسيرةٌ، فمثلًا: صلاة الفجر قد تقترن بها مشقة كون الإنسان يقوم من فراشه ويُصلي، خاصةً إذا كان الجو باردًا مثلًا، فهذه مشقةٌ، لكن لا تنفك عن العبادة، وهي مشقةٌ يسيرةٌ محتملةٌ، فهذه لا عبرةَ بها، ولا يقول أحدٌ: إنه سيُؤخر صلاة الفجر؛ لأن عليَّ مشقةً في الاستيقاظ؛ لأن هذه مشقةٌ غير مُعتبرةٍ، ولا تنفك عنها العبادة.

مثلًا: مشقة صيام شهرين متتابعين لمَن وجبتْ عليه كفارةٌ مُغلظةٌ، فيها مشقةٌ، لكنها مشقةٌ محتملةٌ للإنسان صحيح البدن؛ ولذلك ليس للإنسان أن يعدل إلى الإطعام وهو قادرٌ على الصيام.

ونجد أن بعض الناس في هذه المسألة يعدل إلى الإطعام مباشرةً، يقول: عليَّ مشقةٌ. لكن عندما يُسأل: هل صمتَ شهر رمضان كاملًا؟ يقول: نعم.

إذن نقول: هذه المشقة لا بد منها؛ لأنها كفارةٌ مُغلظةٌ، ولا تنفك عنها العبادة.

ولذلك ينبغي لمَن استُفتي أن يسأل المُسْتَفْتي، إذا قال: لا أستطيع أن أصوم شهرين متتابعين. يقول: هل صمتَ شهر رمضان؟ إن قال: نعم، إذن فأنت تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين.

وما يرتبط بهذه العبادة من المشقة فهذه مشقةٌ محتملةٌ، وكفارةٌ مُغلظةٌ، وهي لا تكون إلا على عملٍ كبيرٍ، لا تكون إلا على قتل نفسٍ خطأ مثلًا، أو شبه عمدٍ، أو على جماعٍ في نهار رمضان، فيه انتهاكٌ لحُرمة الشهر، أو الظِّهار، وهو قولٌ منكرٌ وزورٌ، أي: لا تكون إلا على أمرٍ كبيرٍ؛ ولذلك فيها الكفارة مُغلظةً.

فمثل هذه المشاقّ لا عبرةَ بها، اللهم إلا إذا كان لا يستطيع فعلًا: إما -مثلًا- لكبر سنٍّ، أو مرضٍ، أو ضعفٍ، أو نحو ذلك.

فهذه من المشاقّ التي لا تنفك عنها العبادة، فلا اعتبار لها.

القسم الثاني: مشاقٌّ تنفك عنها العبادة

وتنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • القسم الأول: مشقةٌ عظيمةٌ جدًّا، فهي مُعتبرةٌ ومُوجِبةٌ للتخفيف، وستأتي أمثلةٌ عن هذا.
  • والقسم الثاني: مشقةٌ يسيرةٌ جدًّا، وهذه غير مُعتبرةٍ، ولا تُوجب التخفيف.
  • والقسم الثالث: مشقةٌ وسطٌ بينهما، وهذه محل اجتهادٍ ونظرٍ، فإذا كانت تغلب المشقة تُلحق بالقسم الأول، وإذا كانت المشقة محتملةً فتُلحق بالقسم الثاني.

ومن أمثلة المشاقّ الكبيرة ما ذكره المؤلف: أن الإنسان إذا عجز عن أن يصلي قائمًا، فإنه يصلي قاعدًا، والعجز هنا إما أن يكون بعدم الاستطاعة، ما يستطيع أن يصلي قائمًا، ولو قام لسقط، وهذا ظاهرٌ، وأيضًا يُلحق بذلك ما إذا كان يستطيع القيام، لكنه تلحقه مشقةٌ يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، فلو صلى قائمًا لفاته الخشوع، ولانشغل بنفسه، وما استطاع أن يخشع في صلاته، فهنا له أن يصلي قاعدًا.

ضابط المشقة المُيسرة

إذن نأخذ ضابطًا للمشقة المُيسرة، والتي تكون سببًا للترخيص، نقول: الضابط في ذلك عندما تتجاوز المشقة الحدود المعتادة، والطاقة البشرية السَّوية، كما لو كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو بعضه، أو إلى وقوع خللٍ في صاحبه: إما في نفسه، أو ماله، هذا هو الضَّرر.

إذن لا بد أن تكون المشقة تتجاوز الحدود المعتادة، أما لو كانت في الحدود المعتادة فإنها لا تكون مُوجبةً للتخفيف، هذا هو الضابط؛ لأنه لا انفكاك للتكاليف الشرعية عنها، فجميع التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقةٍ: الصلوات الخمس مرتبطةٌ بمشقةٍ، صيام رمضان مرتبطٌ بمشقةٍ، إخراج الزكاة وبذلها، ومُفارقة المال المحبوب للنفوس، والمجبولة عليه النفوس فيه مشقةٌ، الحج فيه مشقةٌ، فجميع التكاليف الشرعية لا تنفك من مشقةٍ، لكن المشقة المُوجبة للتخفيف والتيسير هي التي تخرج عن حدود المعتاد، يعني: تكون مشقةً غير معتادةٍ، وخارجةً عن الطاقة البشرية السَّوية، فهذه تكون مُوجبةً للتخفيف.

والمسافر لما كان في مظنة المشقة أُبيح له الفطر والقصر، والجمع بين الصلاتين، والمسح على الخُفين ثلاثة أيامٍ بلياليها، ومَن مرض أو سافر كُتب له ما كان يعمل.

بالنسبة للمسافر: المسافر رخَّص له الشارع رُخصًا، منها: القصر للصلاة الرباعية، والجمع، والفطر في نهار رمضان، وتمديد مدة المسح على الخفين إلى ثلاثة أيامٍ، كونها ثلاثة أيامٍ بلياليهن، لكن ما عِلة الترخص بالقصر في السفر؟

ليست العلة المشقة، لو كانت العِلة المشقة لقلنا: إن المسافر إذا لم يشقّ عليه ليس له الفطر في نهار رمضان، وليس له القصر، وهذا خلاف الإجماع.

إذن ما العِلة؟

العِلة هي السفر نفسه، عِلة الترخص برُخَص السفر هي السفر، فأقام الشارع المظنة مقام الحقيقة؛ لأن السفر لما كان مظنةً للمشقة جعله الشارع هو العِلة؛ ولذلك يجوز الفطر في نهار رمضان ولو لم يلحق المسافر أدنى مشقةٍ بالإجماع، وله الترخص برُخَص السفر ولو لم تلحقه مشقةٌ؛ له القصر ولو لم تلحقه مشقةٌ، وقام الشارع هنا -يعني: لما كان السفر مظنةً للمشقة- بجعله هو العِلة في الترخص.

ومَن مرض أو سافر كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا.

“ومَن مرض أو سافر كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا”، وهذا جاء في حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين: إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مُقيمًا صحيحًا [4].

وهذا من ثمرة المُداومة على الأعمال الصالحة، يعني: إذا داومتَ على عملٍ صالحٍ -ولو كان قليلًا- تستفيد فائدتين:

الفائدة الأولى: أن هذا العمل مع مرور الوقت يكون كثيرًا، فإن القليل مع القليل يكون كثيرًا.

الفائدة الثانية: أنه لو عرض لك عارضٌ سيُكتب لك الأجر كاملًا.

مثال ذلك: كنت تُحافظ على صلاة الضحى كل يومٍ، ولا تترك صلاة الضحى، فكم تكون صليتَ لله تعالى مع نهاية السنة؟

أكثر من سبعمئة ركعةٍ.

لاحظ: مع أنها ركعتان في اليوم، إلا أنها خلال سنةٍ كاملةٍ تكون أكثر من سبعمئة ركعةٍ.

أيضًا لو عرض لك عارضٌ: سافرتَ، أو مرضتَ، أو أنك نسيتَ مثلًا، فيُكتب لك الأجر كاملًا، كأنك صليتها، وهذه من ثمار المُداومة على العمل الصالح؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ [5].

فروع قاعدة: المشقة تجلب التيسير

ويتفرع عن هذا الأصل: الأعذار التي تُسقط حضور الجمعة والجماعة.

هذه الأعذار مُفصلةٌ في كتب أهل العلم؛ كتب الفقه.

ومن فروعها: العفو عن الدم اليسير النَّجس، والاكتفاء بالاستجمار الشرعي عن الاستنجاء، وطهارة أفواه الصبيان ولو أكلوا النجاسة، وكذلك الهِرُّ؛ كما قال النبي : إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات [6].

وكذلك العفو عن طين الشوارع ولو ظُنَّت نجاستها، فإن عُلمتْ عُفِيَ عن الشيء اليسير.

ومن ذلك: الاكتفاء بنضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوةٍ، وقيئه.

هذه من فروع هذه القاعدة، وفروعها كثيرةٌ جدًّا، من فروعها:

  • العفو عن الدم اليسير النجس، وقد وردتْ آثارٌ عن الصحابة في التسامح والعفو عن الدم اليسير.
    والضابط فيه: ما لا يستفحش عُرْفًا، كما لو خرج من الإنسان -مثلًا- من أنفه رعافٌ، وكان الدم يسيرًا، فإن هذا ليس نجسًا، أما الدم الكثير فإنه نجسٌ، وقد حُكِيَ الإجماع عليه.
  • كذلك الاكتفاء بالاستجمار عن الاستنجاء، حتى مع وجود الماء، فلك أن تستجمر حتى مع وجود الماء، مع أن الاستجمار لا يستأصل جميع النجاسة، لا بد أن تبقى بقايا يسيرةٌ جدًّا من النجاسة، لكن هذا مما عفا عنه الشارع.

هل للإنسان أن يستجمر مثلًا بالمناديل مع وجود الماء؟

نقول: نعم، بعض العامة يظن أنه ليس له أن يستجمر مع وجود الماء، وهذا غير صحيحٍ، فلو كنت -مثلًا- في الطائرة، أو في أي مكانٍ، وأردتَ أن تستخدم المناديل بعد قضاء الحاجة، ولا تستخدم الماء، فلك ذلك، وكان أكثر الصحابة يستجمرون، ولا يستنجون بالماء، ولكن الأكمل الاستجمار، ثم الاستنجاء، هذا هو الأكمل، وتفاصيل هذه المسألة مذكورةٌ في كتب الفقه.

  • كذلك طهارة أفواه الصبيان ولو أكلوا النجاسة، يعني: الصبي نعلم أنه قد يُلامس النجاسة، فيُحمل على أن الأصل فيه الطهارة.
  • كذلك الهِرّ: فالهِرّ بوله وروثه نجسٌ، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات [7]، فيُغفر عن سُؤر الهِرِّ، وسُؤْره: ما يبقى بعد الهِرِّ من الطعام ومن الشراب، فيُعفى عنه؛ لمشقة التَّحرز منه.
  • كذلك العفو عن طين الشوارع ولو ظُنَّت نجاستها، لما كان الناس في السابق يمشون على التراب والطين، لم تكن الشوارع مُسفلتةً، يأتون المساجد يصلون، وربما تكون في هذه الشوارع نجاسةٌ، فتُحمل على أن الأصل فيها الطهارة.
  • وكذلك الاكتفاء بنضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، فيكفي فيه النَّضح، والمقصود بـ”النضح” أن يصب عليه الماء من غير فركٍ، هذا هو المقصود، يصب عليه الماء من غير فركٍ، يعني: لا يجب فركه، لكن لا بد من صبِّ واستيعاب الماء عليه، فيكفي في الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوةٍ النَّضح.

وهذه المسائل كلها من فروع هذه القاعدة.

وكذلك العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحِلِّها، فالأصل الطهارة إلا ما عُلمتْ نجاسته، والأصل الحِلّ في الأطعمة إلا ما عُلِمَ تحريمه.

وهذا أصلٌ عظيمٌ: الأصل في الأشياء الطهارة، فلو أردتَ أن تصلي في أي مكانٍ لا تسأل: هل هذا طاهرٌ أم نجسٌ؟ بل إن هذا السؤال غير مشروعٍ، فالأصل هو الطهارة، فَصَلِّ فيه، إلا إذا علمت أنه نجسٌ.

طيب، لو سقطت ملابس الإنسان في دورة المياه، كذلك نستصحب هذا الأصل، فالأصل الطهارة، حتى لو كان في دورة المياه، الأصل هو الطهارة، فنحمل ذلك على الأصل.

يعني: هذا أصلٌ عظيمٌ، الماء الأصل فيه الطهارة.

إذن الأشياء كلها الأصل فيها الطهارة، فلا تنتقل عن هذا الأصل إلا بيقينٍ.

كذلك أيضًا الأصل في الأطعمة الحِلُّ إلا ما عُلم تحريمه.

وهذه كلها من فروع هذه القاعدة.

ومن فروعها: الرجوع إلى الظنِّ إذا تعذر أو تعسر اليقين في تطهير الأبدان والثياب والأواني وغيرها، ودخول الوقت.

الرجوع إلى الظنِّ عند تعذر اليقين؛ لأنه أحيانًا قد لا يتيسر تيقن الطهارة: طهارة البدن، وطهارة الثوب، ونحو ذلك، فيكفي في ذلك غلبة الظنِّ.

كذلك أيضًا عند دخول الوقت، لما كان الناس في السابق أيضًا لم تكن عندهم تقاويم، فيرجع في ذلك إلى غلبة الظنِّ، فإذا غلب على الظنِّ دخول الوقت فيكفي ذلك.

وكذلك أيضًا الإنسان يُفطر في نهار رمضان إذا غلب على ظنِّه غروب الشمس؛ ولذلك جاء في “صحيح البخاري” عن أسماء رضي الله عنها قالت: “أفطرنا على عهد النبي يوم غَيْمٍ، ثم طلعت الشمس” [8]، معنى ذلك: أنهم أفطروا بناءً على غلبة الظنِّ، وليس بناءً على اليقين.

ومن فروعها: أن المُتمتع والقارن قد حصل لكلٍّ منهما حجٌّ وعمرةٌ تامان في سفرٍ واحدٍ؛ ولهذا وجب الهدي على كلٍّ منهما شكرًا لهذه النعمة.

المُتمتع والقارن يجب عليهما الهدي -هدي الشُّكران-؛ وذلك لأن كلًّا منهما قد حصل على عمرةٍ وحجةٍ تامان في سفرةٍ واحدةٍ، فكان من شكر نعمة الله ​​​​​​​ أن يذبحا هَدْيًا.

ويدخل في هذا الأصل: إباحة المُحرمات -كالميتة ونحوها- للمُضطر كما سيأتي، وإباحة ما تدعو الحاجة إليه: كالعرايا؛ للحاجة إلى الرطب، وكذلك إباحة أخذ العِوَض في مسابقة الخيل والإبل والسهام، وإباحة تزوج الحُرِّ للأمة إذا عدم الطَّول، وخاف العَنَت.

كل هذه من فروع هذه القاعدة: إباحة الميتة للمُضطر؛ رفعًا للحرج والمشقة، وإباحة ما تدعو إليه الحاجة: كالعرايا، وبشروطٍ مذكورةٍ في كتب أهل العلم، وكذلك إباحة أخذ العِوَض في مسابقة الخيل والإبل والسهام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا سَبْقَ إلا في خُفٍّ، أو نَصْلٍ، أو حافرٍ [9].

إباحة تزوج الحُرِّ للأمة بشرطين:

الشرط الأول: إذا عدم الطَّول، يعني: المهر.

الشرط الثاني: إذا خاف العَنَت، يعني: الزنا، كما في قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا يعني: تحصيل المهر، أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ يعني: الحرائر الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يعني: الإماء مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ، ثم قال في آخر الآية: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ يعني: الزنا مِنْكُمْ [النساء:25]، فاشترط الله تعالى لنكاح الأمة شرطين:

الشرط الأول: ألا يستطيع طَوْل الحُرة، يعني: مهر الحُرة.

والشرط الثاني: أنه يخاف على نفسه الزنا.

ومن فروعها: حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأً أو شبه عمدٍ؛ لأنه لم يقصد القتل، وهو معذورٌ، فناسب أن تحمل عنه العاقلة تحملًا لا يشقّ عليهم بأن تُوزع عليهم كلهم، كلٌّ على قدر ماليته، وتُؤجل عليهم ثلاث سنين، وهل يتحمل القاتل معهم إذا كان غنيًّا، كما هو الصحيح، أم ينفردون بالتَّحمل، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؟

العاقلة تحمل الدية في القتل الخطأ وشبه العمد، وقد كان الناس على هذا في الجاهلية، وأقرَّ ذلك الإسلام؛ لأن في هذا نوعًا من التكافل والتعاون، وتُؤجل عليهم الدية إذا عجزوا، لكن هل يدخل معهم القاتل؟ هل القاتل يتحمل معهم الدية، أم أن الدية على العاقلة؟

  • المشهور من مذهب الحنابلة: أن الدية على العاقلة، والقاتل ليس عليه شيءٌ.
  • القول الثاني: أن القاتل إذا كان غنيًّا فإنه يتحمل معهم الدية، وهذا هو الذي رجحه المؤلف رحمه الله.

وفروع هذا الأصل كثيرةٌ، وقد حصل التوضيح بهذه الأمثلة.

أسباب التخفيف والتيسير

فروع هذه القاعدة كثيرةٌ جدًّا، وبقيت مسألةٌ وهي: أسباب التخفيف.

أسباب التخفيف حصرها بعض الفقهاء في سبعة أسبابٍ:

الأول: السفر، وبرخصه: القصر، والجمع، والفطر في نهار رمضان.

الثاني: المرض، وبرخصه: الجمع بين الصلاتين، فالمريض الذي يشقّ عليه أن يصلي كل صلاةٍ في وقتها له الجمع.

الثالث: الإكراه، ومن رُخَصه: جواز النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب، كما في قول الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106].

الرابع: النسيان، كما لو أكل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان.

الخامس: الجهل، كما لو غطَّى رأسه وهو مُحْرِمٌ جاهلًا مثلًا، أو انتقبت المرأة وهي جاهلةٌ، وهي مُحرمةٌ.

السادس: العُسْر وعموم البلوى: كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كما مثلنا بالنجاسة التي تبقى بعد الاستجمار مثلًا، ونحو ذلك.

السابع: النَّقص، وبسببه لم يُكلَّف الصبي والمجنون.

فهذه إذن أسباب التخفيف والتيسير: السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعُسْر، وعموم البلوى، والنَّقص.

طيب، أيضًا من القواعد المُتفرعة عن هذه القاعدة قاعدةٌ مشهورةٌ في كتب القواعد الفقهية، ويُعبرون عنها: “إذا ضاق الأمر اتَّسع”، ويقولون: إن أول مَن قالها الإمام الشافعي.

وأيضًا قاعدة: “الضَّرورات تُبيح المحظورات”، و”الضَّرورات تُقدر بقدرها”، كل هذه قواعد مُتفرعةٌ عن هذه القاعدة.

ونكتفي بهذا القدر في الكلام عن هذه القاعدة، وننتقل بعد ذلك إلى القاعدة الرابعة.

القاعدة الرابعة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا مُحرَّم مع الضرورة

القاعدة الرابعة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا مُحرم مع الضرورة، قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

هذه القاعدة قاعدةٌ عظيمةٌ، قد دلَّت لها أدلةٌ كثيرةٌ، وهي محل اتفاقٍ بين العلماء: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا مُحرم مع الضرورة.

وسيبدأ المؤلف أولًا بذكر الأصل لهذه القاعدة، ثم بعد ذلك فروعها، نبدأ أولًا بأصل هذه القاعدة.

أدلة قاعدة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة

قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

وثبت في الصحيح عنه أنه قال: إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم [10].

وهذه القاعدة تضمنت أصلين.

هنا الأصل في هذه القاعدة: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وأيضًا قول النبي : إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم.

أيضًا في بعض نسخ الكتاب المؤلف ذكر دليلًا آخر في بعض النسخ، وهو قول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، ويعتبر أصلًا لهذه القاعدة.

وهنا ذكر الله تعالى الاستطاعة شرطًا لوجوب الحج، مع أنها شرطٌ لوجوب جميع الأعمال، ليس الحج فقط، وإنما لجميع الأعمال، ولكن لما كان الحج يختص بأنه يحتاج إلى بذل نفقاتٍ كثيرةٍ، وإلى جهدٍ كبيرٍ، خاصةً في الأزمنة السابقة؛ نصَّ الله تعالى على هذا الشرط: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

إذن الاستطاعة شرطٌ في الصلاة، وفي الصيام، وفي جميع العبادات، لكن الله تعالى نصَّ عليها في الحج؛ لأن الحج –كما ذكرنا– يحتاج إلى نفقاتٍ، ويحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ، فذكر الله تعالى هذا الشرط، وقد كان الناس في أزمنةٍ سابقةٍ بعضهم يبقى أشهرًا -بل سنين- حتى يصل إلى البيت الحرام.

أصلان في قاعدة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة

وهذه القاعدة تضمنت أصلين:

أحدهما: سقوط كل واجبٍ مع العجز.

والثاني: إباحة المحظورات عند وقوع الاضطرار إليها، كما قال تعالى أيضًا في الأصل الثاني بعدما حرم الميتة والدم وما عُطف عليهما: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3]، وقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فهذه الآية صريحةٌ بحِلِّ كل مُحرَّمٍ اضطر العبد إليه، ولكن الضرورة تُقدر بقدرها، فإذا اندفعت الضرورة وجب على المُضطر الكفّ.

ويدخل في الأصل الأول كل مَن عجز عن شيءٍ من شروط الصلاة أو فروضها وواجباتها، فإنها تسقط عنه، ويصلي على حسب ما يقدر عليه من لوازمها.

والصوم مَن عجز عنه عجزًا مُستمرًّا -كالكبير والمريض الذي لا يُرجى بُرؤه- أفطر، وكفَّر عن كل يومٍ إطعام مسكينٍ، ومَن عجز عنه لمرضٍ يُرجى زواله أو لسفرٍ أفطر وقضى عدة أيامه إذا زال عذره.

والعاجز عن الحج ببدنه إن كان يرجو زواله صبر حتى يزول، وإن كان لا يرجو زواله أقام عنه نائبًا يحج عنه.

من معاني عدم الاستطاعة: عدم القدرة، وقلنا: الوجوب يتعلق بالاستطاعة.

من معاني عدم الاستطاعة: عدم القدرة، وكذلك أيضًا وجود المشقة الشديدة مع القدرة، فيأخذ حكم عدم القادر.

كما مثَّل المؤلف بالنسبة للصلاة: لو عجز عن شرطٍ من شروط الصلاة، هو قدر عليه، لكن مع مشقةٍ شديدةٍ، فهنا يسقط عنه هذا الشرط.

وجميع شروط الصلاة قد تسقط بالعجز عنها وعدم الاستطاعة، ما عدا شرطٍ واحدٍ، ما هو؟

جميع شروط الصلاة قد تسقط بالعجز عنها، ما عدا شرطٍ واحدٍ، وهو؟

طالب: دخول الوقت.

الشيخ: أحسنت، دخول الوقت.

فلو قدرنا أن الإنسان عجز عن جميع شروط الصلاة، نقول: صَلِّ على حسب حالك: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]؛ ولذلك لو افترضنا أن إنسانًا مريضًا عاجزًا عن جميع شروط الصلاة، إنسانٌ -مثلًا- لا يستطيع أن يتحرك، حصل له حادثٌ فلا يستطيع أن يتحرك، ولا يستقبل قبلةً، ولا يستطيع الطهارة، ولا يستطيع …، يعني: عاجزًا عن جميع شروط الصلاة، لكن عقله معه، نقول: صَلِّ على حسب حالك، حتى لو أن يصلي بقلبه؛ تطبيقًا لهذه القاعدة: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فإذا كنت تستطيع أن تُصلي بقلبك تُصلي بقلبك.

وبعض أهل العلم يقول: إنه إذا عجز عن الحركات سقطت عنه الصلاة، ولكن هذا القول محل نظرٍ، والصواب: أنه يصلي بقلبه؛ لأن القول بإسقاط الصلاة عنه فيه نوعٌ من قطع الصلة بربه ​​​​​​​، كونه يتصل بربه سبحانه، وله أن يصلي بقلبه خمس مراتٍ في اليوم والليلة، ولا شك أن هذا أقرب للأصول والقواعد الشرعية.

فنقول: صَلِّ بقلبك، وإذا كان يستطيع أن يتحرك ويقوم بالركوع والسجود فيفعل، وإذا كان يستطيع أن يصلي مُستلقيًا فإنه يفعل، وإذا كان يستطيع أن يصلي قاعدًا فإنه يفعل بحسب استطاعته، لكن لا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها.

نعم له الجمع بين الصلاتين: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، إذا كان يشقّ عليه ترك الجمع، لكن ليس له أن يترك الصلاة حتى يخرج وقتها: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وهكذا -مثلًا- مَن كان في طائرةٍ.

بعض الناس يكون في الطائرة، ويخشى -مثلًا- خروج وقت صلاة الفجر، ويقول: كيف أُصلي؟ المكان ضيقٌ، ما أستطيع.

نقول: صَلِّ على حسب حالك، ولو أن تُومئ بالركوع والسجود، ولو إلى غير قبلةٍ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لكن لا تدع الصلاة حتى يخرج وقتها.

لاحظ: أن جميع الشروط قد تسقط مُراعاةً لشرط الوقت، وهذا يدل على أن شرط الوقت آكد شروط الصلاة.

طيب، الأركان قد تسقط كذلك بالعجز عنها.

طيب، أيضًا من فروع هذه المسائل: لو لم يستطع الإنسان أن يصلي خلف الإمام كما يحصل في المسجد الحرام مثلًا، ويحصل في مسجد الخيف، ويحصل في مسجد نمرة بعرفات، حيث تجد الناس قدام الإمام، يصلون قدام الإمام، فما الحكم في هذا؟

نقول: كونه يصلي خلف الإمام أكثر ما يمكن أن يقال عنه: إنه واجبٌ، والواجب يسقط بالعجز عنه، وإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فمن باب أولى أن يسقط هذا الواجب؛ ولذلك لا حرج في الصلاة قدام الإمام عند العجز عن الصلاة خلفه، فصلاة الذين يصلون قدام الإمام -مثلًا- في المسجد الحرام، أو في مسجد الخيف، أو في مسجد نمرة بعرفات؛ صلاتهم صحيحةٌ؛ لأنهم لا يستطيعون أن يصلوا خلف الإمام بسبب الزحام وكثرة الناس، وهذا لن يكون بأوجب من أركان وشروط الصلاة التي تسقط بالعجز عنها، وهذا من فروع هذه القاعدة.

فانظر إلى هذه القاعدة التي تدخل في مسائل كثيرةٍ، عند التأمل تجد أنها تدخل في مسائل كثيرةٍ.

وقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61]، وذلك في كل عبادةٍ توقفت على البصر، أو الصحة، أو سلامة الأعضاء: كالجهاد ونحوه؛ ولهذا اشتُرطت القدرة في جميع الواجبات، فمَن لم يقدر فلا يُكلفه الله ما يعجز عنه.

في جميع الواجبات والأركان والشروط قدرةٌ مُشترطةٌ.

وكذلك قال النبي في الحديث الصحيح: مَن رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان [11].

عند رؤية المنكر الواجب التغيير باليد لمَن يملك: كولي الأمر، أو مَن يُفوضه، فالإنسان في بيته يستطيع أن يُغير المنكر بيده إذا كان أبًا أو ولي الأمر، فإن لم يستطع فبلسانه، لكن إذا كان الإنسان يخشى أن يلحقه الضرر لو أنكر باللسان، ولم يستطع أن يُنكر باللسان، فينتقل للإنكار بالقلب، والإنكار بالقلب كل إنسانٍ يستطيعه، فلا أحد لا يستطيع الإنكار بالقلب؛ ولهذا قال: وذلك أضعف الإيمان.

وقال في النفقة والكسوة وتوابعها على الأهل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق:7]، وقال في الواجبات المالية: ابدأ بنفسك، ثم بمَن تعول [12].

حسب الاستطاعة، لكن لو عجز الزوج خاصةً عن النفقة على زوجته فلها أن تطلب الفسخ، وعند الفقهاء يقولون: إذا عجز الزوج عن النفقة على زوجته فلها أن تطلب الفسخ، وأن تصبر خيرٌ لها، لكن لها أن تطلب الفسخ، وهكذا لو عجز عن الوطء -مثلًا- لها أن تطلب الفسخ.

فروع قاعدة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة

ومن هذا الأصل: الكفَّارات المُرتبة، إذا عجز عن الأعلى انتقل إلى ما دونه، وأعذار الجمعة والجماعة داخلةٌ في هذا الأصل كما دخلتْ في الذي قبله.

وقال العلماء في محظورات الإحرام: والضرورات تُبيح للمُحرم المحظورات، وعليه الفدية، كما هو مُفصلٌ في كتب الفقه.

ومن فروعها: جواز الانفراد في الصفِّ إذا لم يجد موضعًا في الصفِّ الذي أمامه؛ لأن الواجبات التي هي أعظم من المُصافة بالاتفاق تسقط مع العجز، فالمُصافة من باب أولى وأحرى.

صحَّ عن النبي أنه قال: لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف [13]، وفي حديث وابصة بن معبد لما رأى النبيُّ رجلًا يُصلي خلف الصفِّ وحده أمره أن يُعيد الصلاة [14]، فلا تصح صلاة الفَذِّ خلف الصفِّ، لكن إذا أتى الإنسان ووجد الصفَّ مُكتملًا فإنه يبحث عن فرجةٍ، فإذا لم يجد إن أمكن أن يصلي عن يمين الإمام فعل، فإذا لم يمكن، كان الصف -مثلًا- مُكتملًا، ولا يستطيع الدخول والصلاة عن يمين الإمام، فنقول: يصلي خلف الصفِّ وحده، لماذا؟

لأن المُصافة غاية ما يُقال فيها: إنها واجبةٌ، والواجبات تسقط بالعجز عنها، فإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فواجب المُصافة يسقط بالعجز عنه من باب أولى.

هذا بناء على هذه القاعدة، تقول: إنه يصلي خلف الصفِّ وحده: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، هذا اتَّقى الله ما استطاع.

قال بعض العلماء: إنه ينتظر أن يصلي معه أحدٌ، وإلا صلى وحده. ولكن هذا القول محل نظرٍ؛ كيف نقول: لا يُفوت الجماعة، ولا يدخل معهم؟! بل نقول: إن غاية ما في هذا الأمر -وهو المُصافة- أنه واجبٌ، والواجبات تسقط بالعجز عنها، بل الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فلو عجز عن أن يصلي قائمًا صلى قاعدًا، مع أن القيام ركنٌ، ولو عجز عن استقبال القبلة صلى ولو لغير قبلةٍ، ولو عجز عن الطهارة صلى ولو مع عدم الطهارة، فكذلك أيضًا المُصافة غاية ما فيها أنها واجبٌ، وهذا الواجب قد سقط بالعجز عنه.

وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الإنسان إذا عجز عن أن يصلي داخل الصفِّ، ولم يجد مَن يصف معه، فإنه يصلي خلف الصفِّ وحده، ويسقط حينئذٍ واجب المُصافة.

وفروع هذه القاعدة –كما ذكرتُ– كثيرةٌ جدًّا، ولكن هذه أمثلةٌ فقط.

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى القاعدة الخامسة.

القاعدة الخامسة: الشريعة مبنيةٌ على أصلين: الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول

القاعدة الخامسة: الشريعة مبنيةٌ على أصلين: الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول .

هذان الأصلان شرطٌ لكل عملٍ دينيٍّ ظاهرٍ: كأقوال اللسان، وأعمال الجوارح، وباطنٍ: كأعمال القلوب.

أدلة قاعدة: الشريعة مبنيةٌ على أصلين

قال الله تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

وهذه القاعدة محل إجماعٍ واتفاقٍ بين أهل العلم، والشريعة مبنيةٌ على هذين الأصلين، وهذان الأصلان هما شرطان لصحة أي عبادةٍ، شرطان لصحة جميع العبادات: الإخلاص لله ، والمتابعة لرسول الله ، فإذا اختلَّ أحد هذين الشرطين لم تصح العبادة، ولم تُقبل.

فإذا تعبَّد الإنسان لله بعبادةٍ لم يُخلص فيها لله، فإنها غير صحيحةٍ وغير مقبولةٍ، وإذا تعبَّد لله بعبادةٍ لم يُتابع فيها رسول الله ، فإنها غير صحيحةٍ وغير مقبولةٍ.

وسيذكر المؤلف الأصل لهذه القاعدة، ثم فروعًا لها.

والدين فسَّره النبي في حديث جبريل  [15]: أنه شرائع الإسلام الخمسة، وأصول الإيمان الستة، وحقائق الإيمان، وهو الإحسان الذي هو أصل أعمال القلوب.

فهذه الأمور لا بد أن تكون خالصةً لله، مُرادًا بها وجهه ورضوانه وثوابه، ولا بد أن تكون مأخوذةً من الكتاب والسنة.

إذن هذه هي الأدلة للأصل الأول، وهو الإخلاص: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

وأيضًا مما يُستدل به لذلك قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا يعني: صوابًا، وفي هذا إشارةٌ إلى شرط المتابعة، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] إشارةٌ إلى شرط الإخلاص.

قال تعالى في متابعة الرسول : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال في الجمع بين الأصلين: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125].

أَسْلَمَ وَجْهَهُ أخلص أعماله الظاهرة والباطنة لِلَّهِ.

وَهُوَ مُحْسِنٌ في هذا الإسلام؛ بأن يكون فيه مُتبعًا لرسول الله.

إذن هذه الآية فيها دليلٌ على هذين الأصلين:

الأصل الأول: الإخلاص، من أين نأخذه؟

من قوله: أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص عمله لله ​​​​​​​.

الأصل الثاني: المتابعة، نأخذها من قوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ.

فهذه الآية إذن جمعتْ بين هذين الأصلين، كما في الآية السابقة: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.

فنجد عدة آياتٍ يُذكر فيها هذان الأصلان، يعني: إما أن يُذكر أصلٌ واحدٌ منهما كما في الأدلة التي ساقها المؤلف: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ في الإشارة لشرط الإخلاص، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ في المتابعة، وإما أن يُذكر الأصلان جميعًا كما في قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، وكما أيضًا في قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.

وقال في عدة آياتٍ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] [التغابن:12]، فالعمل الجامع للوصفين هو المقبول، وإذا فقدهما أو فقد أحدهما فهو مردودٌ على صاحبه، يدخل في قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

لا يُقبل من الإنسان، إذا افتقد شرط الإخلاص أو شرط المتابعة فعمل الإنسان مردودٌ عليه.

إنسانٌ صلى رياءً أو سمعةً، أو تصدَّق رياءً، هذا لا يُقبل عمله، فعمله مردودٌ عليه، أو أنه أشرك مع الله تعالى ودعا غير الله ​​​​​​​.

وكذلك أيضًا إذا اختلَّ الشرط الثاني؛ لو أن أحدًا من الناس قال: الآن الصلوات خمسٌ، وما بين الفجر والظهر وقتٌ طويلٌ، فنريد أن نُضيف صلاةً سادسةً عند الساعة التاسعة أو العاشرة، فماذا نقول عن هذا العمل؟

نقول: إنه بدعةٌ.

طيب، هذه صلاةٌ، حتى لو كانت صلاةً لا بد فيها من المتابعة لرسول الله ، فأنت افتقدتَ شرطًا من شرطي صحة العبادة.

إذن لا بد من هذين الشرطين في جميع العبادات: لا بد من الإخلاص، ولا بد من المتابعة.

وقال تعالى مُفرقًا بين عمل المُخلصين والمُرائين: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ … الآية [البقرة:265]، وقال: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء:38].

وقال في الهجرة التي هي من أفضل الأعمال: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يَنْكِحُها فهجرته إلى ما هاجر إليه [16].

وسُئل عن الرجل يُقاتل شجاعةً، ويُقاتل حميةً، ويُقاتل للمغنم، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله [17]، فمَن كان قصده في جهاده القوليِّ والفعليِّ نصر الحقِّ فهو المُخلص، ومَن قصد غير ذلك من الأغراض فله ما نوى، وعمله غير مقبولٍ.

كل هذه من الأدلة لهذه القاعدة، وأدلتها كثيرةٌ، والمؤلف ساق أدلةً كثيرةً.

وقال تعالى في الأعمال الفاقدة للمتابعة: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا الآية [الكهف:103-104]، وقال: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى [القصص:50].

فالأعمال الصالحة كلها إذا وقعتْ من المُرائين فهي باطلةٌ، فاقدةٌ للإخلاص.

لأنها افتقدت الشرط الأول، وهو: الإخلاص لله ​​​​​​​.

فالأعمال الصالحة كلها إذا وقعت من المُرائين فهي باطلةٌ، فاقدةٌ للإخلاص الذي لا يكون العمل صالحًا إلا به، والأعمال التي يفعلها العبد لله لكنها غير مشروعةٍ فهي باطلةٌ؛ لفقدها المتابعة، وكذلك الاعتقادات المُخالفة لما في كتاب الله وسُنَّة رسوله: كاعتقادات أهل البدع المخالفة لما عليه الرسول  وأصحابه، وكلها تدخل في قوله : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى [18] متفقٌ عليه، وقوله : مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ [19] متفقٌ عليه.

فالأول: ميزانٌ للأعمال باطنًا، والثاني: ميزان الأعمال ظاهرًا.

طيب، الأول: ميزانٌ للأعمال الباطنة، “الأول” يقصد به ماذا؟

طالب: الإخلاص.

الشيخ: نعم؟

“الأول” يقصد به حديث: إنما الأعمال بالنيات.

والثاني: ميزان الأعمال الظاهرة، يقصد به؟

طالب: مَن عمل عملًا.

الشيخ: نعم، مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ.

فهذان الحديثان ميزان جميع الأعمال الظاهرة والباطنة؛ حديث: إنما الأعمال بالنيات ميزانٌ للأعمال الباطنة، وحديث: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ميزانٌ للأعمال الظاهرة.

والإخلاص لله في كل شيءٍ هو الذي وردتْ فيه نصوص الكتاب والسنة في الأمر به، وفضله، وثمراته، وبطلان العمل الذي فقده.

وأما نية نفس العمل فهذا وإن كان لا بد منه في كل عملٍ، لكنه حاصلٌ من كل عاملٍ معه رأيه وعقله؛ لأنها القصد، وكل عاقلٍ يقصد العمل الذي يُباشره ويعمله.

يُشير المؤلف إلى أن النية نفسها حاضرةٌ لكل إنسانٍ له رأيٌ وعقلٌ، فكل إنسانٍ لا يعمل عملًا إلا بنيةٍ، حتى قال بعض العلماء: لو كُلِّفنا بالعمل بلا نيةٍ لكان ذلك من التكليف بما لا يُطاق.

وفي هذه -حقيقةً- قطعٌ لباب الوسواس عند بعض الناس، فبعض الناس عندهم وسواس في النية، فيُقال: لا يمكن لإنسانٍ معه عقلٌ ورأيٌ أن يفعل فعلًا أو يعمل عملًا إلا بنيةٍ، وتجد عند بعض الناس -يعني- هذه تُشكل عليه كثيرًا، وعنده وساوس كثيرةٌ فيما يتعلق بالنية.

يعني: كلام المؤلف هنا إشارةٌ إلى هذا، وهو: أن أي إنسانٍ عاقلٍ لا يمكن أن يعمل عملًا إلا بنيةٍ.

وكما أن هذا الأصل تدخل فيه العبادات، فكذلك المعاملات، فكل معاملةٍ من بيعٍ أو إجارةٍ أو شركةٍ أو غيرها من المعاملات تراضى عليها المُتعاملان، لكنها ممنوعةٌ شرعًا، فإنها باطلةٌ، مُحرمةٌ، ولا عبرة بتراضيهما؛ لأن الرضا إنما يُشترط بعد رضا الله ورسوله.

وكذلك التبرعات التي نهى الله ورسوله عنها: كتخصيص بعض الأولاد على بعضهم، أو تفضيلهم في العطايا والوصايا، وكذلك في المواريث: لا وصية لوارثٍ [20].

وكذلك شروط الواقفين لا بد أن تكون غير مخالفةٍ للشرع، فإن خالفت الشرع أُلغيت.

وميزان الشروط مطلقًا قوله : المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا [21] رواه أهل السُّنن عن عوف بن مالك .

يريد المؤلف أن هذه القاعدة كما أنها تدخل في العبادات تدخل كذلك فيما يتعلق بالتبرعات، والمُعاوضات، وغيرها، فتدخل فيها أيضًا، فإذا كانت على غير وفق شرع الله ​​​​​​​ فإنها تكون باطلةً كما مثَّل المؤلف بهذه الأمثلة.

وكذلك النكاح: شروطه وأركانه، والمُحلَّل منه، والذي لا يحلُّ، والطلاق، والرجعة، وجميع متعلقات الأحكام المتعلقة به لا بد أن تقع على الوجه المشروع، فإن لم تقع فهي مردودةٌ.

وكذلك الأيمان والنذور؛ لا يحلف العبد إلا بالله، أو بصفةٍ من صفاته، أو اسمٍ من أسمائه، ومَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه [22].

المؤلف يتكلم عن شرط المتابعة، فلا بد في هذه الأمور كلها من المتابعة لرسول الله وإلا كانت باطلةً.

وكذلك الحنث في الأيمان؛ لقوله : مَن حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خير، وليُكفر عن يمينه [23].

مَن حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خير، وليُكفر عن يمينه، وكفارة اليمين قيل: إنها اختُصَّتْ بها هذه الأمة. وقيل: إنها لم تختص.

وأيوب عليه الصلاة والسلام لو كانت اليمين مشروعةً في وقته لأمره الله تعالى بكفارة يمينٍ، لكن الله تعالى قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ [ص:44]؛ لأنه حلف، لكن جاء في قصة سليمان لما حلف أن يطأ، قال: لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأةً، كلٌّ تلد غلامًا يُقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تلد منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ، ولدت شقًّا، يعني: نصف غلامٍ، قال عليه الصلاة والسلام: لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دَرَكًا في حاجته [24] يعني: في يمينه، وهذا اللفظ في “صحيح البخاري”.

وهذا فيه فائدةٌ أخرى، وهي: أن مَن أراد أن يحلف ينبغي أن يقرن الحلف بأن يقول: إن شاء الله، فإذا قلت: إن شاء الله، لا تحنث؛ ولذلك يقال: لا يحنث فقيهٌ أبدًا، سواء فعلتَ ما حلفتَ عليه أو لم تفعل، فإذا قلت: إن شاء الله، لم تحنث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: مَن حلف على يمينٍ فقال: إن شاء الله، لم يحنث [25] أخرجه أصحاب السنن، وهو حديثٌ صحيحٌ.

فإذا أردتَ أن تحلف -يعني: احتجتَ إلى الحلف- اقرن الحلف بقولك: إن شاء الله، وبذلك لا تحنث، سواء تحقق ما حلفتَ عليه، أو لم يتحقق.

والقضاء والبينات وتوابعهما جميعها مربوطةٌ بالشرع، قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].

ولذلك بالنسبة للقضاء -يعني- نجد أنه يقضي القاضي، ثم تُرفع من بعده لجهةٍ أعلى، مثلًا: عندنا جهة التمييز، محكمة التمييز، ومحكمة التمييز تنظر: هل قضاء القاضي موافقٌ للشرع أم لا؟

فإن رأوا أن فيه مخالفةً للشرع يُعاد إليه؛ ليُعيد النظر فيه، فإن أبى فإنه يُنقض، مع أنه -يعني- محل اجتهادٍ ونظرٍ، لكن إذا رأوا أنه مخالفٌ للشرع فإنه يُنقض، حتى في باب القضاء، فعندنا مثلًا يُقال: محكمة التمييز، ينطلق من هذا المنطلق؛ من أن قضاء القاضي لا يُقرّ إذا كان مُخالفًا للشريعة.

فجميع الأمور لا بد أن تُوزن بميزان الشرع، وميزان المتابعة لرسول الله .

إذن فهذان الأصلان يدخلان في جميع الأمور: أمور العبادات، والمعاملات، والأنكحة، والقضاء، والشهادات، والبينات، جميع الأمور يدخل فيها هذان الأصلان.

بل الفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذا الأصل المُحيط، فإن الأحكام مأخوذةٌ من الأصول الأربعة: الكتاب والسنة، وهما الأصل، والإجماع مُستندٌ إليهما، والقياس مُستنبطٌ منهما.

نعم، كما قال المؤلف رحمه الله، فإن الفقه كله من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذا الأصل، يقصد -يعني- هذين الأصلين: أصل الإخلاص، والمتابعة لرسول الله ؛ ولذلك مَن تعبد لله بعبادةٍ لا بد أن يُحقق هذين الأصلين: الإخلاص لله ​​​​​​​، والمتابعة لرسول الله ، وكلما كان أكثر تحقيقًا لهذين الأصلين كلما كان أعظم أجرًا وثوابًا وقبولًا.

ولذلك تتفاوت الأعمال بحسب إخلاص أصحابها، بحسب ما يكون في قلوب أصحابها من الإخلاص والتعظيم لله ​​​​​​​، فقد يعمل الاثنان العمل الواحد، لكن بينهما في الفضل وفي القبول كما بين السماء والأرض؛ وذلك بحسب ما يكون في قلبي هذين الرجلين.

ونكتفي بهذا القدر، ونقف عند القاعدة السادسة، ونُجيب عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما علاقة هدي الشُّكران للقارن والمُتمتع بقاعدة: المشقة تجلب التيسير، كما ذكر المؤلف؟

الجواب: نعم، يعني: لو أن الحاجَّ أُلزم بأن يبقى على إحرامه لَلَحِقَتْه مشقةٌ، يعني: من حين أن يعتمر يبقى على إحرامه، ولا يحلّ كما كان عليه الأمر في الجاهلية، لَلَحِقَت الإنسان مشقةٌ عظيمةٌ، لَلَحِقَتْه مشقةٌ عظيمةٌ بالنسبة للتمتع، فكان التيسير والتخفيف عليه، ودرءًا للمشقة عنه: أنه رُخِّص له أنه بعدما يأتي بالعمرة يتحلل، ويكون حكمه حكم الحلال تمامًا، وله أن يُجامع أهله خلال هذه المدة؛ ولهذا لما قال الصحابة: يا رسول الله، أيُّ الحِلّ؟ قال: الحِلُّ كُلُّه [26]، فكان هذا تخفيفًا وترخيصًا لأجل ما قد يلحق بالإنسان من المشقة فيما لو بقي على إحرامه مدةً طويلةً، لكن هذا إنما يرد بالنسبة للمُتمتع، والقارن مُلحقٌ بالمُتمتع في هذا.

والمؤلف أيضًا قال: إن كلًّا منهما يأتي بحجٍّ وعمرةٍ تامين في سفرةٍ واحدةٍ؛ فلذلك من شكر نعمة الله ​​​​​​​ أن يذبح كلٌّ منهما هَدْيًا، وهو هدي شُكرانٍ، نعم.

السؤال: الأخ يوسف ياس عبر (الإنترنت): ما معنى قول العلماء: “إذا سقط المقصد سقطت الوسيلة”؟

الجواب: نعم، إذا سقط المقصد سقطت الوسيلة، يعني: ما كان وسيلةً إلى هذا المقصد، فالوسيلة التابعة، والمقصد هو الأصل، فإذا سقط الأصل فإنه تسقط الوسيلة التابعة له، هذا هو المقصود.

فمثلًا: الصلاة مع الجماعة، هذا أمرٌ مقصودٌ، فإذا لم تجب الصلاة مع الجماعة لم يجب الذهاب للمسجد؛ لأن الذهاب وسيلةٌ، والصلاة هي الأمر المقصود، فإذا سقط وجوب الجماعة سقط أيضًا السعي والذهاب لأداء صلاة الجماعة، نعم.

السؤال: يقول: ذكرتم في قاعدة “إباحة المُحرمات” ما نصه: وإباحة ما تدعو الحاجة إليه: كالعَرَايا للحاجة إلى الرطب، فما معنى العَرَايا؟ بارك الله فيكم.

الجواب: نعم، العَرَايا معناها: أن يشتري الرطب على رؤوس النخل بتمرٍ، ويكون ذلك بالخَرْص، يعني: إنسانٌ معه تمرٌ، ويشتري بهذا التمر رطبًا في رؤوس النخل، فهذا يُسمى “بيع العَرَايا”.

الأصل في بيع التمر بالرطب أنه ربًا؛ لعدم تحقق التماثل؛ لأن هذا الرطب على رؤوس النخل، فلا يمكن تقديره على وجهٍ دقيقٍ، لكن الشارع أباح ذلك بشروطٍ، ومن هذه الشروط: ألا يجد نقدًا يشتري به رطبًا، وهذا الشرط -يعني- يكاد يكون في الوقت الحاضر مُتعذرًا، لكن كان في الزمن السابق بعض النقود ليست مُتيسرةً عند الناس، فيوجد عند بعض الناس -خاصةً أهل البوادي- تمرٌ، وهو يرغب في التَّفكه بالرطب، وليس عنده نقدٌ يشتري به رطبًا، فيأتي لصاحب النخل ويشتري منه الرطب على رؤوس النخل بهذا التمر، فأباحه الشارع بشروطٍ خمسةٍ:

  • أن يكون في حدود خمسة أوسقٍ، يعني: ألا يزيد على خمسة أوسقٍ.
  • وأن يكون ذلك أيضًا بالخَرْص، يعني: بالتقدير.
  • وأن يكون أيضًا مُحتاجًا إلى الرطب.
  • وكذلك أيضًا ألا يكون معه نقدٌ يشتري به.
  • والتَّقابض قبل التَّفرق.

هذه الشروط الخمسة لإباحة العَرَايا، وفي الوقت الحاضر قد لا يحتاج الناس إلى العَرَايا؛ لأن تحقق هذه الشروط الخمسة في الوقت الحاضر مُتعذرٌ أو شبه مُتعذرٍ، نعم.

السؤال: لو أفطر شخصٌ في نهار رمضان غالبًا على ظنِّه غروب الشمس، وتبين له خلاف ذلك، فهل يُعيد؟ ولو بنى على فرع قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وفرعها: الرجوع إلى الظنِّ إذا تعذر اليقين.

الجواب: هذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم: إذا أفطر الإنسان يظن أن الشمس قد غربتْ، كما يحصل أحيانًا، يلتبس على المؤذن؛ فيُؤذن قبل أن تغيب الشمس، ثم بعد ذلك يتبين أنه قد أخطأ المؤذن، وأفطر بعض الناس بناءً على أذانه، أو قد أفطر يظن أن الشمس قد غربتْ، أو مثلًا: نظر للساعة وظنَّ أنه قد غربت الشمس، ثم تبيَّن أنها لم تغرب.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يجب عليه القضاء أم لا؟

وقد جاء في “صحيح البخاري” عن أسماء رضي الله عنها قالت: “أفطرنا على عهد النبي يوم غيمٍ، ثم طلعت الشمس” [27]، قيل لهشام -أحد رواة الحديث-: “وهل أُمروا بالقضاء؟ قال: وهل بدٌّ من ذلك؟” يعني: لا بد أنهم قد قضوا، لكن قالوا: إن هذا اجتهادٌ من الراوي -من هشام-، والظاهر أنهم لم يُؤمروا بالقضاء؛ لأنهم لو أُمروا بالقضاء لنُقِلَ ذلك إلينا، كما نُقِلَ الفطر.

أيضًا في عهد عمر حصل شيءٌ من هذا؛ أنهم أفطروا في يوم الغيم، ثم طلعت الشمس، فقال عمر : “إننا لم نتجانف”، أو “لم نرتكب الجنف” [28]، أو عبارة قريبة من هذا، ولم يأمرهم بالقضاء، وهذا هو القول الراجح: أن مَن أكل يظن أن الشمس قد غربت فإن صيامه صحيحٌ، ولا يُؤمر بالقضاء، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن كان عند الحنابلة أنه لا بد من القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، لكن الصحيح من حيث الدليل أنه لا يُؤمر بالقضاء؛ لأن هذا قد اتَّقى الله ما استطاع، ولم يتعمد الفطر، والله تعالى يقول: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].

السؤال: رجلٌ سافر ولم يَنْوِ أن يُفطر، وجامع زوجته، هل يترتب عليه شيءٌ؟

الجواب: ما دام أنه مسافرٌ يكون سفره فطرًا له، كما أنه يُفطر بالطعام والشراب، هذا قد أفطر بالوطء، وبذلك ليس عليه شيءٌ ما دام أن مسافة السفر مسافةٌ تُبيح التَّرخص.

السؤال: رجلٌ كان معه مالٌ من حرامٍ، وتاب إلى الله، فأخرج أصل المال الحرام؛ ليتخلص منه، فهل يجوز صرفه في فرشٍ وسجادٍ للمسجد؟

الجواب: نعم، مَن كان عنده مالٌ حرامٌ فإنه يتخلص منه بنية التخلص، لا بنية التقرب؛ لأن الله طيبٌ، لا يقبل إلا طيبًا [29]، وله أن يتخلص منه في جميع وجوه البرِّ، وجميع وجوه الخير؛ لأن هذا المال في أصله وذاته ليس خبيثًا، إنما هو خبيثٌ بكسبه فقط، فالخُبْث إنما يتعلق بالكسب، وإلا فالمال نفسه بذاته ليس خبيثًا.

ولذلك أنت الآن تشتري من غيرك، وقد يكون البائع مثلًا …، أو عندما تبيع غيرك وتأخذ منه نقدًا، قد يكون هذا النقد مسروقًا، وقد يكون مغصوبًا، وقد يكون …، ومع ذلك هو بالنسبة لك حلالٌ.

إذن خُبْث المال إنما يتعلق بكسبه، وليس بذاته؛ ولذلك لا بأس أن يتخلص منه بجميع وجوه القُرَب، ولكن بالنسبة لبناء المساجد ونحوها -يعني- هذه حتى وإن قلنا بهذه القاعدة إلا أن المساجد يُحتاط لها ويُتَورع عن أن يُوضع فيها مثل هذا المال؛ ولذلك لما أرادت قريشٌ أن تبني الكعبة اشترطت ألا تبني إلا بمالٍ من كسبٍ طيبٍ، فالمساجد يُحتاط لها، وما عدا المساجد فالأمر فيه واسعٌ.

السؤال: هل تكرار العمرة في سفرةٍ واحدةٍ مشروعٌ؛ استنادًا إلى ما ذكرتم من مشروعية الهدي سببًا للجمع بين الحج والعمرة في سفرةٍ واحدةٍ؟

الجواب: نعم، تكرار العمرة لا بأس به، حتى في السفرة الواحدة؛ لعموم الأدلة، ومنها: قوله عليه الصلاة والسلام: العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما [30]، لكن بعض العلماء -كالإمام مالك- كره تكرار العمرة في السفرة الواحدة، قالوا: لأن ذلك لم يُنقل عن السلف، فلم يُنقل عن السلف أنهم كانوا يفعلون ذلك، لكن من حيث الحكم نقول له: لا بأس به، لا نستطيع أن نقول: إن هذا بدعةٌ، أو إن هذا مُحرمٌ، أو إنه غير جائزٍ، فهي عمرةٌ وعملٌ صالحٌ، ويدخل في عموم قول النبي : العمرة للعمرة كفارةٌ لما بينهما، لكن تأتي مسألة الأفضلية: هل هذا هو الأفضل؟

نقول: الأفضل أن يجعل في السفرة الواحدة عمرةً واحدةً؛ لأن هذا هو المأثور عن السلف، وهم خير القرون، الصحابة والتابعون هم خير القرون، ولو كان هذا خيرًا لسبقونا إليه، فالأفضل أن يخصّ السفرة الواحدة بعمرةٍ واحدةٍ، لكن بعض الناس قد يأتي من بلادٍ بعيدةٍ، وهو يعلم أو يغلب على ظنِّه أنه لن يتيسر له الإتيان لمكة بعد ذلك، فهو يريد أن يأتي بأكثر من عمرةٍ، خاصةً إذا أراد أن يأتي -مثلًا- بعمرةٍ عن والده أو والدته، هذا لا بأس به، لكن إذا أراد أن يأتي بعمرةٍ بعد العمرة الأولى لا بد أن يُحرم من الحِلِّ، إما من التنعيم، أو غيره من الحِلِّ.

السؤال: هل حارس الأمن يجوز له تأخير الصلاة؟ إذا كان في وقت عمله، وحان وقت الصلاة، فهل يجوز له تأخير الصلاة؟ علمًا بأنه إذا ترك عمله في هذا الوقت وذهب إلى الصلاة فلا يطمئن قلبه.

الجواب: هذا فيه تفصيلٌ:

إن كان المقصود تأخير الصلاة عن وقتها فليس له ذلك، وإنما نقول: صَلِّ على حسب حالك، لا تُؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها.

أما إذا كان المقصود أنه لا يصلي مع الجماعة، فعمله عذرٌ له في التخلف عن الجماعة، وقد ذكر الفقهاء أعذارًا أقلّ من هذا؛ ذكروا أن الخبَّاز إذا كان خبزه بالتنور فإن هذا عذرٌ يُبيح له التَّخلف عن الجماعة، ولو كان عنده طبيخٌ فهو عذرٌ له في التخلف عن الجماعة، وذكروا أعذارًا أقلّ من هذا.

فبالنسبة لصلاة الجماعة يكون عمله عُذرًا له في التخلف عن الجماعة، وأما في الوقت فلا بد أن يصلي الصلاة في وقتها، ويتقي الله تعالى ما استطاع.

السؤال: المأموم إذا أدرك مع الإمام الثالثة والرابعة، ثم قام هل يُعتبر ما يقضيه الأولى والثانية، أم الثالثة والرابعة؟

الجواب: هذه محل خلافٍ بين أهل العلم: مشهور مذهب الحنابلة أن ما يقضيه هو أول صلاته، وما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته.

القول الثاني في المسألة -وهو روايةٌ عن الإمام أحمد-: أن ما أدركه أول صلاته، وما يقضيه آخر صلاته، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أول ما يُدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته.

وبناءً على ذلك: لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة، إن أمكن أن يقرأ سورةً بعد الفاتحة فعل، يعني: أدرك الإمام -مثلًا- في الركعة الثالثة من صلاة الظهر، إن أمكن هذا المأموم أن يقرأ سورةً بعد الفاتحة فعل ذلك؛ لأنها بالنسبة له هي الركعة الأولى، وهكذا الرابعة بالنسبة له هي الركعة الثانية؛ بناءً على القول الراجح.

وهكذا أيضًا في صلاة الجنازة؛ لو أتيت والإمام في التكبيرة الثانية -مثلًا- فأنت تقرأ الفاتحة والإمام يصلي على النبي ؛ لأن ما أدركته هو أول صلاتك.

هذا هو القول الراجح في المسألة.

ونكتفي بهذا القدر، والإخوان نبَّهوا أن غدًا -إن شاء الله- سيكون الدرس الأول في القواعد الفقهية.

نسأل الله ​​​​​​​ للجميع الفقه في الدين، والعلم النافع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 بنحوه رواه البخاري: 3339.
2 رواه البخاري: 3348، ومسلم: 221.
3 رواه أحمد: 4328.
4 رواه البخاري: 2996.
5 رواه مسلم: 2818.
6 رواه أبو داود: 75، والنسائي: 68، وأحمد: 22636.
7, 27 سبق تخريجه.
8 رواه البخاري: 1959.
9 رواه أبو داود: 2574، والترمذي: 1700، وابن ماجه: 2878، وأحمد: 7482.
10 رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337.
11 رواه مسلم: 49.
12 رواه مسلم: 997 بلفظ: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيءٌ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، ورواه البخاري: 1426 بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى، وابدأ ‌بمَن ‌تعول.
13 رواه ابن ماجه: 1003، وأحمد: 16297، وابن حبان: 1052.
14 رواه أبو داود: 682، والترمذي: 230، وقال: حسنٌ، وابن ماجه: 1004، وأحمد: 18002.
15 رواه البخاري: 50، ومسلم: 8.
16 رواه البخاري: 2529، ومسلم: 1907.
17 رواه البخاري: 123، ومسلم: 1904.
18 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
19 رواه مسلم: 1718.
20 رواه أبو داود: 2870، والترمذي: 2120، وقال: حسنٌ، وابن ماجه: 2713.
21 رواه الترمذي: 1352، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 2353.
22 رواه أبو داود: 3289، والترمذي: 1526، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه: 2126.
23 رواه مسلم: 1650.
24 رواه البخاري: 6720، ومسلم: 1654.
25 رواه الترمذي: 1532.
26 رواه البخاري: 3832، ومسلم: 1240.
28 “مجموع الفتاوى” لابن تيمية: 20/ 572.
29 رواه مسلم: 1015.
30 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.