logo
الرئيسية/دروس علمية/شرح أبواب من صحيح مسلم/(22) باب فضائل فاطمة- من حديث “إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني..”

(22) باب فضائل فاطمة- من حديث “إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني..”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

حياكم الله أيها الإخوة في هذا الدرس الثاني والعشرين، في التعليق على كتاب الفضائل من “صحيح مسلم”، في هذا اليوم الثلاثاء، الثالث عشر من شهر جمادى الآخرة، من عام 1442 للهجرة.

وكنا قد وصلنا في كتاب الفضائل من “صحيح مسلم” إلى فضائل فاطمة بنت النبي ورضي الله عنها.

طبعًا الإمام مسلم رحمه الله لم يُبَوِّب؛ وإنما الذي بوَّب النووي رحمه الله، وإلا، فالإمام مسلم، وإن كانت طريقته في جمع الأحاديث طريقةً مُبَوَّبةً، لكنه لم يضع عناوين للأبواب، الذي بوَّب هو النووي رحمه الله، صاحب شرح “صحيح مسلم”، وغيره من الشراح.

فضائل فاطمة رضي الله عنها

هذا الباب في فضائل فاطمة رضي الله عنها.

فاطمة بنت النبي ، وهي أصغر بناته، وأحبهن إليه، وانقطع نسل النبي إلا منها، فأنجبت الحسن والحسين، وصار لهما نسلٌ وذريةٌ.

توفيت في الثالث من رمضان، من السنة الحادية عشرة للهجرة، في نفس السنة التي توفي فيها النبي ، أي إنها توفيت بعد وفاة النبي بستة أشهر، وعمرها ثلاثون سنة حين توفيت، وهي سيدة نساء المؤمنين كما سيأتي.

كان النبي يحبها ويكرمها، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يبدأ بعد ذلك ببيت فاطمة رضي الله عنها، فيسأل عنها، ويسلم عليها ويجلس معها، ثم بعد ذلك يدور على نسائه إكرامًا لفاطمة رضي الله عنها.

بنات النبي أربعٌ؛ أكبرهن زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.

وتُوُفِّين جميعًا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، إلا فاطمة رضي الله عنها، فتوفيت بعد وفاته بستة أشهر.

ما تقول فيمن مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو طفل، ثم تزوج ورزق بأبناء وبنات، وتوفيت زوجته، وتوفي جميع أبنائه وجميع بناته إلا واحدة، هذا هو النبي سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين، وفيه سَلْوة وعزاء لمن فقد والدًا أو ولدًا، فنقول: النبي فقد والديه، نشأ يتيمًا، وفقد جميع أبنائه وبناته إلا فاطمة، وفقد أم أولاده خديجة، كلهم ماتوا في حياته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك صبر واحتسب، وهو سيد البشر وسيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم.

قصة خطبة علي لبنت  أبي جهل

قال الإمام مسلم رحمه الله: 

93 – (2449) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عُبَيْدِاللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ،...

هشام بن المغيرة هذا هو والد أبي جهل.

اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ،..

بنت أبي جهل.

عليٌّ  خطب بنت أبي جهل، ويقال: اسمها جميلة، يريد أن يتزوج بها على فاطمة بنت النبي ، فأهل البنت استأذنوا النبي عليه الصلاة والسلام.

فقال: 

فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ عليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ؛ فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا

فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن بأن يتزوج علِيٌّ علَى فاطمة بنت النبي .

نسوق أولًا الروايات، ثم بعد ذلك نُبيِّن السبب:

قال المصنف رحمه الله:

94 – (2449) حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي؛ يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا.

سبب عدم أذن النبي أن يتزوج علِيٌّ علَى فاطمة

هذه الرواية تبين لنا السبب.

ثم ساق المصنف رحمه الله بسنده:

أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا. قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ ؟ –وكان اسمَه ذو الفقار– فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ –وهذا موضع الشاهد– خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ –يقول المسور– فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ، عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ –يعني بلغت الاحتلام– فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا. قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ –يعني: أبا العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي – فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ، قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي. ثم قال عليه الصلاة والسلام: وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا.

ثم ساق المصنف أيضًا هذا الحديث عن المسور:

أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي –يعني يريد أن يُرْضي بذلك فاطمة رضي الله عنها– وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّي أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ! لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا. فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ.

لماذا لم يأذن النبي لعلي بالزواج على فاطمة؟

هذه الروايات لا بد أن نفهمها الفهم الصحيح، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إني لا أحرم ما أحل الله. يعني: التعدد، لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا، ولكن ذكر مانعًا يمنع من إذنه لعليٍّ بأن يتزوج على بنته فاطمة رضي الله عنها، وهو أن زواج عليٍّ علَى فاطمة رضي الله عنهما يؤذيها، والنبي يحب ابنته فاطمة رضي الله عنها، وأذية فاطمة رضي الله عنها أذية للنبي ، وأذية النبي عليه الصلاة والسلام من كبائر الذنوب؛ فلذلك خشي النبي عليه الصلاة والسلام حتى عَلَى عليٍّ؛ لأنه سيؤذي بذلك النبي بطريق غير مباشر، فهذا هو السبب.

ولهذا؛ قال: إنما ابنتي بضعة مني يؤذيني ما آذاها. هذا هو السبب في كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن لعليٍّ في أن يتزوج على فاطمة رضي الله عنهما؛ لأن ذلك سوف يتسبب في أذية فاطمة رضي الله عنها التي كان عليه الصلاة والسلام يحبها ويُجِلُّها ويكرمها، وتَأَذِّي فاطمة رضي الله عنها سوف يتأذى بسببه النبي ، وأذيته من كبائر الذنوب.

ولهذا؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لا يبعد أن يكون من خصائص النبي أنه لا يتزوج على بناته، فكون النبي عليه الصلاة والسلام منع عليًّا من ذلك؛ فهذا يدل على أنه من خصائصه.

ثم إنه عليه الصلاة والسلام قال: إني لا أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا. ولكن إذا أردت يا عليُّ أن تتزوج على فاطمة فطلق ابنتي؛ لأنك ستتسبب في أذيتها، وأذيتها تؤذيني، فهذا من باب كمال شفقة النبي على عليٍّ وعلى فاطمة أيضًا رضي الله عنهما؛ لأن المرأة من طبيعتها أنها لا تحب أن زوجها يتزوج عليها، ولهذا؛ قال عليه الصلاة والسلام: إن فاطمة مني وإني أتخوَّف أن تُفتن في دينها.

ثم أيضًا يقال: من تحصل له بنت النبي عليه الصلاة والسلام؟ كون النبي عليه الصلاة والسلام اختار عليًّا وزوَّجه ابنته فهذه منقبة عظيمة وشرف كبير، ومع ذلك يريد أن يتزوج عليها؟ يعني هذا حتى في فِطَر الناس أنه أمر غير مقبول.

أُقَرِّب هذا بمثال: لو كانت هناك امرأة هي أجمل نساء أهل البلد، فتزوجها رجل، وكانت امرأة جميلة عاقلة لبيبة، ثم إن هذا الرجل تزوج عليها، تجد أن الناس يستكثرون ذلك، وأكثر من يستكثر ذلك أهلها، فيقولون: اخترناك وزوجناك هذه المرأة المتميزة بجمالها وبكذا وكذا، فما بالك إذا كانت هذه المرأة هي بنت النبي ؟! هذا غاية ما يكون من الشرف والإكرام، فكان يقتضي ذلك: أن يبادل هذا الإكرام بمثله، وأن ينظر إلى عظيم مكان هذه المرأة التي تزوجها، هي سيدة نساء المؤمنين، هي بنت النبي عليه الصلاة والسلام؛ فمَنْع النبي عليه الصلاة والسلام لعلي من أن يتزوج على ابنته فاطمة رضي الله عنهما لهذه المعاني، خوفًا على عليٍّ نفسه؛ لأن عليًّا لو فعل لآذى فاطمة، وفاطمة كما قال عليه الصلاة والسلام: إنما هي بضعة مني، يؤذيني ما آذاها. وأذية النبي عليه الصلاة والسلام من كبائر الذنوب.

ولهذا؛ قال أهل العلم: إن هذا الحديث يدل على تحريم إيذاء النبي بأي وجه، وإن تَوَلَّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا.

طبعًا علي  لما توفيت فاطمة تزوج أكثر من امرأة، وممن تزوج: ابنة عمر بن الخطاب ، وهذا فيه رد على بعض الطوائف الذين قالوا: إنه قد اغتصبت الخلافة من عليٍّ، كيف يتزوج ابنته والخلافة اغتصبت منه؟ هذا كلام غير صحيح، بل كان علي يقول على منبر الكوفة: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر. رضي الله عنهم، ويقول: لا يَبلُغني عن أحدٍ أنه فضلني على أبي بكرٍ وعمر إلا جلدته حد الفرية. فعليٌّ كان يُعظِّم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما غاية التعظيم ويجلهما، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

النبي يخبر فاطمة بموته

ثم ساق المصنف رحمه الله الحديث الآخر.

97 – (2450) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها، حَدَّثَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ سَارَّكِ فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ: سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ فَضَحِكْتُ.

ثم ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث من طريقٍ أخرى: 

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا.

يعني: كانت فاطمة رضي الله عنها تشبه النبي عليه الصلاة والسلام في مِشيته.

إكرام النبي وحبه لابنته فاطمة

قالت: مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي. ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ -يعني بالسرِّ- ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ، سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ سِرَّهُ.

قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ قُلْتُ -والقائل عائشة- عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ . فَقَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي؛ فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ. قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضِيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ.

ثم ساق المصنف رحمه هذا الحديث:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ، فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي. فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ . فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ. فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟! وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ . حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ. فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: أما تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.

فاطمة رضي الله عنها كانت تشبه النبي عليه الصلاة والسلام في مِشيته، وكان يحبها ويكرمها.

قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ أحدًا أشبه سَمْتًا وهديًا ودَلًّا برسول الله من فاطمة، بقيامها وقعودها، وكانت إذا دخلت على النبي قام إليها وقبَّلها، قبَّل ما بين عينيها، وأجَلَّها في مجلسه، وإذا دخلت عليه فعلت ذلك، فلما مرض دخلت عليه فأقبلت عليه تُقبِّله [1].

النبي كان نساؤه قد اجتمعن، وأتت فاطمة ابنته، فلما رآها رحَّب بها وأجلسها عن يمينه أو شماله، ثم خصَّها بأن أسرَّ إليها بحديث فبكت بكاءً شديدًا، ثم أسر إليها بحديث آخر فضحكت، واحتفظت بهذا السر طيلة حياتها، وقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله .

بعد وفاته عَزَمَت عليها عائشة رضي الله عنها أن تخبرها بهذا السر، قالت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق، فأخبرت بهذا السر.

قالت: أمَّا حين بكيتُ فأخبرني بموته فبكيت بكاءً شديدًا، وقال لي: لا أُرى الأجل إلا  قد اقترب فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف لك أنا. هذا هو سبب بكائها.

فلما رأى النبي هذا البكاء منها أراد أن يُفرِحها.

السر الذي قاله النبي لفاطمة عند موته

اختلف العلماء في السر الثاني، السر الأول اتفقوا على أنه إخبارها بموته، أما السر الثاني، فهنا جاء في الرواية الأولى: أخبرني أني أول من يتبعه من أهله، وفي الرواية الثانية: قال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء الأمة؟.

والأقرب والله أعلم: أن كلا الأمرين قد قاله عليه الصلاة والسلام، وأنه مراد، فقال لها الأمرين جميعًا، قال لها أولًا: إنك أول من يتبعني من أهلي، وأنك سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة، هذا هو السر الثاني الذي أخبرها به.

فوائد من الأحاديث

  • وهذا يدل على فضل فاطمة رضي الله عنها، وأنها نالت هذه المرتبة العليَّة، أنها سيدة نساء المؤمنين، أو قال: سيدة نساء هذه الأمة، وهذه مرتبة عالية رفيعة تدل على فضل فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
  • هذه الأحاديث فيها فوائد أخرى؛ فمن الفوائد: معجزة ظاهرة للنبي عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر بأن فاطمة رضي الله عنها هي أول أهله لحوقًا به، وكان الأمر كذلك، فقد توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة النبي بستة أشهر.
  • أيضًا من الفوائد: جواز إفشاء السر إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة، فإن فاطمة رضي الله عنها احتفظت بهذا السر طيلة حياة النبي ، ثم بعد وفاته أخبرت بذلك لانتفاء المفسدة بوفاة النبي .

فإذا كان عند الإنسان سر وزالت المضرة بإفشائه لا بأس أن يخبر به؛ كأن يخبره بعض الناس بسر من الأسرار، ثم يكون هذا السر مرتبطًا بحياته مثلًا، يعني رجل كان يتصدق بصدقات، أو يفعل أمورًا صالحة ويخفيها، وأسر بذلك لأحد من الناس، وقال: لا تخبر بذلك أحدًا، فيحتفظ بهذا السر، لكن بعد وفاته لا بأس أن يخبر؛ لأن الرجل قد مات، فلا يخشى عليه من الرياء، ولا يخشى من إفساد العمل، فلا بأس أن يخبر بذلك بعد وفاته.

  • أيضًا من الفوائد: جواز إطلاق عبارة: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق؛ فإن عائشة رضي الله عنها قالت هذه العبارة لفاطمة رضي الله عنها، قالت لها: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق، أن تحدثيني بما قال لك رسول الله .

فإذا قال الإنسان لآخر: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق أن تفعل كذا، أو أن تقول كذا، أو أن تحدثني بكذا. فلا بأس، ولا يعتبر هذا يمينًا.

  • أيضًا: في هذه الأحاديث من الفوائد: جواز قول الرجل لآخر: مرحبًا؛ فالنبي كان يقول أحيانًا: مرحبًا. ففي هذا الحديث قال لابنته فاطمة: مرحبًا بابنتي.

قال البخاري في “صحيحه”: “باب قول الرجل: مرحبًا”، ثم ساق هذا الحديث، وأن النبي قال لفاطمة: مرحبًا بابنتي. وساق حديث أم هانئ وفيه أن النبي قال: مرحبًا بأم هانئ. وقال لوفد عبدالقيس: مرحبًا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى [2]، فلا بأس باستخدام هذه العبارة، فهي من عبارات التكريم والترحيب بمن يقابله الإنسان وبالضيف، ونحوُ ذلك أن تقول له: مرحبًا بك، مرحبًا بفلان. فهذه من الكلمات الحسنة التي كان النبي كان يقولها في حديثه في ترحيبه بالآخرين، كان يفعل ذلك مع ابنته، وأيضًا مع الوفود وغيرهم، كان يقول: مرحبًا. فهذه من العبارات الحسنة التي تقولها العرب، ولا يزال الناس يستخدمونها، فهي عبارة حسنة مختصرة جزلة، أن تقول لمن تقابله: مرحبًا، مرحبًا بفلان، مرحبًا بك، مرحبًا بابنتي، مرحبًا بالوفد، مرحبًا بالضيف. فهذه من الكلمات الحسنة التي تقال عند مقابلة الآخرين، كلمات معروفة عند العرب في الترحيب وفي التكريم، كان النبي يستخدمها كثيرًا في مخاطباته.

  • أيضًا من الفوائد: جواز مُسارَّة الواحد مع الواحد بحضرة جماعة، ولا يعتبر هذا من النجوى المنهي عنها؛ وذلك أن النبي أسرَّ لابنته فاطمة بهذا السر بحضرة أزواجه، فأخذ العلماء من هذا: أنه يجوز للإنسان أن يسر لغيره بحديث بحضرة جماعة؛ وإنما المنهي عنه أن يسر بحديث لآخر بحضرة ثالث؛ لقول النبي : إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث؛ لأجل أن ذلك يحزنه [3]. وهذا هو المراد في قول الله ​​​​​​​: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا[المجادلة: 10]. فتناجي اثنين دون الثالث هذا لا يجوز، وهي من الشيطان؛ لأن ذلك يتسبب في إحزان الثالث؛ فقد يوسوس له الشيطان بأن هذين الاثنين يتحدثان فيه ويتكلمان فيه ونحو ذلك.

لكن إذا كان من في المجلس أكثر من ثلاثة فلا بأس بأن يسر أحد الحاضرين لغيره بحديث دون البقية، كما فعل ذلك النبي مع ابنته فاطمة رضي الله عنها بحضرة أزواجه.

  • أيضًا من الفوائد: قال القرطبي رحمه الله: كون جبريل يعارض النبي بالقرآن كل سنة، يدل على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرة في السنة، وهذا يدل على أنه ينبغي لمن أراد أن يحفظ القرآن أن يعرض المصحف على مقرئٍ مُتْقِنٍ؛ لأن القرآن إنما يؤخذ بالتلقي، والذي يريد أن يحفظ القرآن بفتح المصحف ثم يحفظ مباشرة، فسيكون عنده أخطاء كثيرة، فلا بد أولًا من تصحيح التلاوة، بأن يصحح التلاوة وأن يضبطها على مقرئ متقن، وهذا هو الذي عليه عمل المسلمين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى وقتنا هذا، ولما عارض جبريلُ النبيَّ في آخر سنة مرتين استَدَل بهذا النبي على قرب أجله، وقد كثر عليه الوحي في آخر حياته.

وكان جبريل  يعارض النبي بالقرآن، يعني يعرض عليه المصحف في ليالي شهر رمضان، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه يستحب تدارس القرآن في ليالي رمضان اقتداء بالنبي ، حيث كان جبريل يعارضه القرآن في ليالي رمضان في كل سنة مرة، إلا العام الذي توفي فيه فقد عرض عليه المصحف مرتين.

من فضائل أم سلمة رضي الله عنها

ننتقل بعد ذلك إلى:

16 – بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها

أم سلمة: هي هند بنت أبي أمية المخزومية القرشية، كان أبوها يلقب بـ(زاد الرَّكْب)؛ لجوده، وكان يقول لمن يذهب معه في سفر ونحوه: لا تأتوا بأي شيء أنا أكفيكم المؤونة، فكانوا يلقبونه بـ(زاد الركب).

وكان زوجها أبو سلمة هو ابن عمها، هاجرت معه للحبشة، ثم إلى المدينة، وقالت أم سلمة لزوجها أبي سلمة: لا أتزوج بعدك أحدًا أبدًا، ولكنْ أبو سلمة رفض ذلك، وقال: اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني لا يخزيها ولا يؤذيها. ولعل الله تعالى استجاب دعوته، فخطبها النبي وتزوجها، وأصبحت إحدى أمهات المؤمنين.

ولما خطبها النبي قالت: يا رسول الله، إنَّ فيَّ ثلاث خصال: إني امرأة كبيرة في السن، وذات عيال، وشديدة الغَيرة.

فقال لها النبي : أنا أكبرُ منك سنًّا، وأما العيال فإلى الله، وأضمهم إليَّ، وأما الغَيرة فأدعو الله أن يذهبها عنك. فتزوجها النبي ، وأصبحت إحدى أمهات المؤمنين.

رؤية أم سلمة لجبريل عليه السلام

قال المصنف رحمه الله:  

100 – (2451) حَدَّثَنِي عَبْدُالْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ -إِنِ اسْتَطَعْتَ- أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ. قَالَ: وَأُنْبِئْتُ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى نَبِيَّ اللهِ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هَذَا؟ -أَوْ كَمَا قَالَ- قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ. قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ يُخْبِرُ خَبَرَنَا -أَوْ كَمَا قَالَ- قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

أولًا: قوله: لَا تَكُونَنَّ -إِنِ اسْتَطَعْتَ- أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ.

ورد في هذا حديث أبي هريرة  أن النبي قال: أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها [4]. فإنما كان السوق هو أبغض البلاد إلى الله ​​​​​​​، وهنا قال: إنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. لكثرة ما يقع فيها من أنواع الباطل؛ كالغش والخداع، والأيمان الكاذبة والنجش، والبيع على بيع أخيه، والشراء على شراء أخيه، وبخس الكيل والوزن ونحو ذلك.

فلكثرة المخالفات الشرعية التي تقع في السوق؛ لذلك كانت أبغض البلاد إلى الله ​​​​​​​، وفي المقابل؛ المساجد أحبُّ البلاد إلى الله؛ لكثرة ما يقع فيها من الذكر والعبادة.

هذا الحديث الذي ساقه المصنف رحمه الله: أن النبي كان عنده رجل قام يتحدث، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي الله عنها: من هذا؟. قالت: دِحية.

دِحْيَة: هو دحية الكلبي، الصحابي المشهور، كان يضرب به المثل في الجمال والوسامة وحسن الصورة، كان جبريل ينزل على صورته كثيرًا، فأتى جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي، وجعل يتحدث معه، أم سلمة ما عرفته، كانت تظن أنه دحية الكلبي، لمَّا خرج قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي الله عنها: من هذا؟. قالت: هذا دحية. النبي عليه الصلاة والسلام سكت، ما قال لها: هذا جبريل. فيما بعد عرفت أم سلمة رضي الله عنها أنه جبريل .

قال العلماء: في هذا منقبة عظيمة لأم سلمة رضي الله عنها؛ لكونها رأت جبريل ، لكن رأته على صفة رجل.

هل يمكن أن يرى البشر الملائكة؟

ودل هذا الحديث على جواز رؤية البشر للملائكة ووقوع ذلك، لكنهم يرونهم على صورة الآدميين، ولا يقدرون على رؤيتهم على صورهم الحقيقية، فالملك قد يتصور بصورة آدمي، لكن لا يستطيع الآدمي رؤية الملك على صورته الحقيقية لضعف القوى البشرية إلا من شاء الله ​​​​​​​ أن يقويه على ذلك، كما حصل هذا للنبي حيث رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية مرتين، كما ذكر الله تعالى هذا في سورة النجم، قال: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى۝ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى[النجم: 7، 8]. وهو بالأفق الأعلى، يعني: جبريل، الأفق: أفق الشمس الأعلى، ثم دنا من النبي عليه الصلاة والسلام فتدلَّى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى[النجم: 9]، رآه النبي ، رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية له ستمائة جناح قد سد الأفق، رآه في الأرض وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى[النجم: 13]، رآه النبي مرة أخرى، رأى جبريل على صورته الحقيقية مرة أخرى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى۝عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى۝إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى۝مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى[النجم: 14-17]

فبين الله ​​​​​​​ أن نبينا محمدًا رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، مرة بالأفق الأعلى في الأرض، ودنا جبريل من النبي عليه الصلاة والسلام وتدلى قاب قوسين أو أدنى، ورآه مرة ثانية ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، ما عدا ذلك، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرى جبريل على صورته الحقيقية، كذلك البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة على صورهم الحقيقية؛ لضعف القوى البشرية، ولذلك؛ النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه ليلة المعراج، كما قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن النبي رأى ربه فقد كذب؛ لأنه إذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة على صورهم الحقيقية، إلا في أحوال نادرة، كما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام في رؤية جبريل  مرتين، فكيف يمكنه رؤية الله ​​​​​​​ العظيم، الذي تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن من شدة عظمته؟! ولهذا؛ لمَّا قال موسى للرب ​​​​​​​: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ مجرد تجلي جَعَلَهُ دَكًّا الجبل ما تحمل وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[الأعراف: 143]. فالبشر -في تكوينهم البشري- في الدنيا لا يتحملون رؤية الملائكة على صورهم الحقيقية، فضلًا عن رؤية الله ​​​​​​​ العظيم الجليل الجبَّار، لكن يُمَكِّن الله ​​​​​​​ المؤمنين في الجنة من رؤيته جل وعلا، فيرونه ويتنعمون بالنظر إليه، كما قال سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ۝إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[القيامة: 22، 23]. وقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى يعني الجنة وَزِيَادَةٌ[يونس: 26]. وهي النظر إلى وجه الرب الكريم ؛ لأن الله تعالى يُمَكِّن المؤمنين من ذلك.

لكن في الدنيا البشر لا يتحملون رؤية الله ​​​​​​​، وكذلك أيضًا: لا يتحملون -لضعفهم البشري- رؤية الملائكة على حقيقتها، لكن يمكن أن يروا الملائكة على صورة بشر، كما حصل لأم سلمة هنا في هذا الحديث، حيث رأت جبريل على صورة دحية الكلبي، وكما حصل أيضًا: أن جبريل -في حديث عمر الطويل- أتى النبي على صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فجلس إلى النبي ووضع ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وسأل النبي عدة أسئلة، والنبي عليه الصلاة والسلام يجيب، ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم [5]. فتمثل جبريل بصورة رجل، وقد يتمثل بصورة دحية الكلبي، وقد يأتي النبي وهو لا يراه، وإنما يكون على شكل صَلْصَلَة جَرَسٍ، وهو أشد ما يكون عليه، لكن أن يراه على حقيقته لم يحصل هذا إلا مرتين، كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة النجم، حيث رأى النبي جبريل مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء.

أما غير النبي عليه الصلاة والسلام، أيضا لا يستطيع أن يرى الملائكة على حقيقتها، لكن يراها بصورة بشر، ونحو ذلك.

فهنا أم سلمة رضي الله عنها رأت جبريل على صورة رجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: من هذا؟. قالت: هذا دحية الكلبي، ففهمت فيما بعد أنه جبريل ، وليس دحية الكلبي.

وهذا، قال العلماء: إن فيه منقبةً لأم سلمة؛ لكونها رأت جبريل وهو يتحدث مع النبي .

من فضائل زينب أم المؤمنين رضي الله عنها

ننتقل بعد ذلك لفضائل زينب رضي الله عنها، قال:

17 – بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا

وزينب: هي زينب بنت جَحْشٍ الأسدية، هي أم المؤمنين، زوج النبي ، وأمها عمة النبي ، وكانت زوجة لزيد بن حارثة، وكان زيدٌ مولى النبي عليه الصلاة والسلام وأعتقه، وكانت زينب قرشيةً من أكابر وأشراف قريشٍ، فلم تستقم حياتها مع زيدٍ؛ فطلقها، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا[الأحزاب: 37]. لما طلقها زيد زوجها اللهُ نبيَّه ، وذلك؛ لإبطال ما كان يعتقده الناس من التبني، وقد أبطل الإسلام التبني، قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ[الأحزاب: 5]. وكان الناس يدعون زيدًا زيد بن محمدٍ، قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ. فأصبح يُدعى زيد بن حارثة، وكان الناس يكرهون أن الإنسان يتزوج زوجة ابنه بالتَّبَنِّي، فأبطل الله ذلك، وزوج الله نبيه  زوجة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وهي زينب رضي الله عنها.

الذي زوَّج النبي زينب بنت جحش هو الله في قوله: زَوَّجنَٰكَهَا. وهذه منقبة عظيمة جدًّا لزينب، وكانت تفتخر على زوجات النبي عليه الصلاة والسلام وتقول: أَنْكَحَكُنَّ أولياؤكن، واللهُ أنكحني نبيه من فوق سبع سماوات.

وهذه منقبة عظيمة لزينب رضي الله عنها، أن الله تعالى زوجها نبيه، وذكر ذلك في كتابه فقال: زَوَّجنَٰكَهَا[الأحزاب: 37]. وهذا اللفظ هو أحسن لفظ يعقد به النكاح، أن يقول الولي للزوج: زوجتك ابنتي مثلًا، أو زوجتك أختي فلانة؛ لأن الله تعالى قال لنبيه : زَوَّجنَٰكَهَا[الأحزاب: 37]. فالله تعالى هو الذي زوج نبيه محمدًا هذه المرأة، زينب بنت جحش.

وكانت زينب بنت جحش صَنَّاعة باليد، يعني ذات صنعة، فكانت تَدبُغ وتَخْرُز، ويحصل لها أموال، فكانت تتصدق، كثيرة الصدقة، معروفة بكثرة الصدقة، وهناك زوجة أخرى تسمَّى زينب، وهي أيضًا إحدى أمهات المؤمنين زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، هي زينب بنت خُزَيمَة الهِلَاليَّة، وتدعى أم المساكين؛ لحنوها على المساكين، تزوجها النبي سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث معه سوى شهر أو شهرين ثم توفيت.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

101 – (2452) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا. قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ.

جاءت الرواية عند البخاري مُفَصَّلَةً، وذلك؛ أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام سألنه فقلن: يا رسول الله، أيتنا أسرع لَحَاقًا بك؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاب بجواب مبهم، قال: أطولكن يدًا. فأخذن قصبة وذَرَعْنَ أيديَهنَّ أيُّهنَّ أطول يدًا، فوجدن أن أطولهن يدًا سودة، فكن يعتقدن أن سودة هي أسرع أزواج النبي لَحَاقًا به، ثم توفيت زينب بنت جحش، وسودة لم تمت إلا في زمن معاوية، توفيت بعد النبي عليه الصلاة والسلام زينب، فعَرَفْنَ أن مقصود النبي بطول اليد كثرة الصدقة، وليس المقصود بها طول اليد الحقيقي.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد كثرة الصدقة، وهن فهمن أن المقصود بطول اليد طول اليد الحقيقية، اليد الجارحة.

وهذا يدل على فضل زينب رضي الله عنها، فإن النبي ذكر لها هذه المنقبة، وهي أنها كثيرة الصدقة، وعبَّر عن ذلك بطول اليد، والعرب تعبر عن الفضل بطول اليد، يقولون: فلان طويل اليد، وطويل الباع، إذا كان سَمْحًا جَوَادًا، ويقولون: فلان قصير اليد والباع إذا كان بخيلًا.

فهذا فيه منقبة لزينب رضي الله عنها؛ لأنها كانت كثيرة الصدقة، وهذا يدل على فضل الصدقة، وأن النبي ذكر هذا منقبة لزينب رضي الله عنها.

فضل الصدقة

الصدقة فضلها عظيم، وأجرها كبير، والله تعالى يقول: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[البقرة: 261]

والصدقة تدفع البلاء عن الإنسان، وتطفئ غضب الرب، والصدقة أيضًا من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​، وفيها إحسان للمساكين، والجزاء من جنس العمل، فإذا أحسن الإنسان لغيره فإنَّ الله يحسن إليه، ولهذا ورد في الأثر: داوُوا مرضاكم بالصدقة [6]. وهذا حديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، من أهل العلم من حسَّنه؛ لأن الصدقة فيها إحسان للمساكين، فإذا أحسنت إلى المساكين؛ فإن الله تعالى يحسن إليك.

ولهذا ينبغي أن يحرص المسلم على كثرة الصدقة والبذل والإنفاق في وجوه الخير والقرب.

فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل هذه المنقبة لزينب رضي الله عنها، أنها كثيرة الصدقة، لكن عبَّر عن ذلك بطول اليد.

فوائد حديث أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا

  • وفي هذا الحديث من الفوائد: أن فيه عَلَمًا من أعلام نبوته؛ حيث أخبر بأن أسرعهن لَحَاقًا به من أزواجه أطولهن يدًا، وهي زينب، فكان الأمر كذلك.
  • وأيضًا: هذا يدل على فضل أن الإنسان يعمل ويحصل رزقًا ويتصدق منه، فإن زينب رضي الله عنها كانت مثل بقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كانت ذات صنعة باليد، فكانت تعمل بيدها وتحصل مالًا وتتصدق منه.

فكانت هذه الصدقة أو كثرة الصدقة منقبة لها، فهذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يسعى لطلب الرزق، وأن يكثر من الصدقة والبذل

طيب، لماذا لم يصرح النبي بزينب، وأنها هي أسرع أزواجه لحوقًا به؟ أزواج النبي عليه الصلاة والسلام سألنه أيتنا أسرع لَحَاقًا بك؟ ما قال: زينب. أتى بجوابٍ مجمَلٍ، وفهمن خلافه، فهمن أنها سودة، ثم تبين أنها زينب، لماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟

قال أهل العلم: لأن السؤال إنما كان عن آجالٍ مقدَّرةٍ لا تعلم إلا بالوحي، فأجابهن النبي بلفظٍ غير صريحٍ، وأحالَهن على ما لا يَتبيَّن إلا بآخِرِه، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الأحكام التكليفية.

ولذلك؛ إذا سألك إنسان سؤالًا، وتريد أن تجبر بخاطره، ولا تريد أن تجيب عن هذا السؤال، فيمكن أن تجيب بجوابٍ مُبْهَمٍ مثل هذا الجواب، حتى وإن فهم السائل منك أمرًا آخر، ثم تَبيَّن له ما تريد فيما بعد.

كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل هذا أحيانًا في الجواب عن مثل هذه الأسئلة.

زينب رضي الله عنها كانت تسامي عائشة رضي الله عنها في المنزلة، يعني: كان أحب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام إليه: عائشة رضي الله عنها، يليها زينب، لما حصلت قصة الإفك، بقي النبي عليه الصلاة والسلام شهرًا لا يوحى إليه، فسأل بعض الصحابة سأل عليًّا فقال عليٌّ: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء غيرها كثير، وسأل أسامة بن زيد رضي الله عنهما فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم عنهم إلا خيرًا، وسأل زينب بنت جحش رضي الله عنها، وزينب بنت جحش هي أكبر منافس لعائشة رضي الله عنها، قالت عائشة رضي الله عنها: هي التي تساميني في المنزلة، يعني: كان أحب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام إليه: عائشة، ثم زينب رضي الله عنهن جميعًا.

قالت زينب: أحمي سمعي وبصري. يعني: لا أتكلم. قالت عائشة: فحماها الله بالورع. الله أكبر! فحماها الله بالورع، انظر إلى الورع كيف يحمي الإنسان! ما تريد زينب أن تتكلم في عائشة رضي الله عنهما، مع أنها وجدت فرصة أن تسيء لجارتها، أو تقلل من مكانتها، لكنها حماها الله بالورع؛ فلم تتكلم، قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري.

ولذلك؛ إذا طُلب منك أن تتكلم في إنسان، وأنت ليس عندك معلومات عنه صحيحة ومؤكدة، وتخشى أن تقع في عرضه، أو تتكلم بكلام باطل، قل هذه الكلمة، قل: أحمي سمعي وبصري، لا تسألوني عن فلان، أحمي سمعي وبصري، كما قالت زينب، قالت: أحمي سمعي وبصري. فحماها الله بالورع، فكانت رضي الله عنها امرأة ورعة صالحة كثيرة الصدقة.

فضائل أم أيمن رضي الله عنها

ننتقل بعد ذلك لفضائل أم أيمن رضي الله عنها:

قال: 

18 – بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ أَيْمَنَ.

102 – (2453) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ  قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي؛ أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ.

ام أيمن هي مولاة النبي وحاضنته، يعني: هي المربية للنبي عليه الصلاة والسلام، هي التي حضنته وربَّته، بعدما ولدته أمه آمنة، وقامت على تربيته وهو صغير.

أم أيمن، واسمها بركة بنت ثعلب، وكان يقال لها: أم الظِّبَاء.

كان النبي يقول لها: أم أيمن، أمي بعد أمي [7]، كان يسميها أمه؛ لأنها هي المربية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي الحاضنة له، أعتقها النبي حين تزوج خديجة، ثم تزوجها عبيد بن زيد، فولدت له أيمن، فأصبحت تُكنَى بأم أيمن.

زارها النبي ، لمَّا ذهب لها، يعتبرها أمًّا له وهي حاضنته، فناولته إناءً فيه شرابٌ، فلم يُرِدْه النبي عليه الصلاة والسلام، يقول أنس : لا أدري، هل هو كان صائمًا، أو لم يُرِدْه لسبب آخر، فجعلت تَصْخَب عليه وتَذَمَّر عليه. يعني: تتكلم بغضبٍ وتَذَمُّرٍ؛ لأنها تعتبر نفسها أمًّا له، فكانت تتكلم عليه؛ لأنها تُدِلُّ عليه، يعني كما يقول عليه العامة: تمون عليه، تُدِلُّ عليه كأنها أمه؛ لكونها هي حاضنته ومربيته، فجعلت تعتب عليه، كيف لم يشرب من هذا الإناء الذي أعطته إياه، فهذا يدل على قربها منه، وعلى فضلها رضي الله عنها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبها ويزورها، ويقول كلما رآها: هذه أمي. ويقول: أم أيمن أمي بعد أمي

زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن رضي الله عنهم

ثم ساق المصنف رحمه الله حديثًا آخر:

103 – (2454) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ  بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَزُورُهَا، فَلَمَّا أتَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ الله ؟ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ؛ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.

من فوائد أحاديث فضائل أم أيمن

هذه الأحاديث فيها من الفوائد:

  • أولًا: أن للضيف الامتناع عن الطعام والشراب الذي يحضره المضيف، إذا كان له عذر من صوم أو غيره ولذلك؛ النبي لما أعطته أم أيمن هذا الإناء الذي فيه الشراب لم يشرب منه.
  • أيضًا من الفوائد: فضل أم أيمن؛ حيث كان النبي يحبها ويزورها ويتعاهد زيارتها.
  • أيضًا من الفوائد: زيارة الصالحين، وزيارة الصالح لمن هو دونه؛ فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما زارا أم أيمن بعد وفاة النبي ، وهما أفضل من أم أيمن، فهذا يدل على زيارة الصالح لمن هو دونه.
  • وأيضًا: زيارة الإنسان لمن كان صديقُه يزوره، وهو من أهل وُدِّ صديقه؛ فإن هذا من الإحسان له، ولهذا؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله يزورها.
  • أيضًا في هذا الحديث من الفوائد: زيارة الجماعة من الرجال للمرأة الصالحة، وسماع كلامها إذا لم يكن في ذلك ريبة، كأن تكون كبيرة في السن، أو تكون عالمة ونحو ذلك، ولم يكن في هذا ريبة، فلا بأس أن يزورها أهل الفضل وأهل العلم، ويتحدثوا معها مع تحجبها، لكن لا بأس بأن يقوموا بزيارتها، والسلام عليها إذا لم يكن في ذلك فتنة، كأن تكون كبيرة في السن.
  • أيضًا من الفوائد: استصحاب العالم والكبير صاحبًا له في الزيارة والعيادة، فإن أبا بكر قال لعمر ذلك، وصحبه معه في الزيارة.
  • أيضًا من الفوائد: البكاء حزنًا على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه، ولذلك؛ بكت أم أيمن رضي الله عنها، وبكى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعللت ذلك بانقطاع الوحي من السماء، وإلا، فما عند الله خير لنبيه .

ونكتفي بهذا القدر، ونقف عند فضائل أم سُلَيمٍ رضي الله عنها.

وحتى الآذان نجيب عنما تيسر من الأسئلة:

الأسئلة والأجوبة

حكم صلاة الجمعة قبل الزوال

السؤال: أصلي الجمعة في غير مسجد الحي؛ لأن خطيب مسجد حينا يدخل دائمًا قبل الزوال بعشر دقائق، فهل عملي صحيح؟

الجواب: نعم، عملك صحيح؛ القول الراجح هو قول أكثر أهل العلم، وهو أن وقت الجمعة إنما يبدأ بزوال الشمس، وهذا قول الجماهير، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، عمَّمَت على جميع الخطباء في المملكة باعتماد فُتْيَا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بدخول الخطباء بعد الزوال، ألَّا يدخل الخطيب إلا بعد الزوال، ووزارة الشؤون الإسلامية تمثل ولي الأمر في هذا، والواجب على الخطباء السمع والطاعة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]، ثم إن الخطيب الذي يدخل قبل الزوال يعرض صلاته وصلاة من خلفه للبطلان عند أكثر العلماء، وبعض الخطباء يقول: أنا أدخل وأخطب قبل الزوال، والصلاةُ بعد الزوال.

الخطبة جزء من الصلاة، ولهذا؛ قال بعض الفقهاء: إنها خطبتان عن ركعتين، الظهر أربع ركعات، وخطبتان عن ركعتين؛ فينبغي للخطباء أن يتقيدوا بذلك، وألا يدخلوا إلا بعد الزوال، ولا أدري ما سبب العجلة، لاحِظْ سبحان الله! عند بعض الناس عجلة، في خطبة الجمعة يتعجلون، وإذا أتى رمضان أيضًا في صلاة العشاء والتراويح يتعجلون، ويتعجلون في بعض الصلوات من غير سبب، وليس هناك سبب يقتضي هذا، فالواجب على الخطيب ألَّا يوقع الناس في الحرج، وإن كان هناك قول بأن وقت الجمعة يكون قبل الزوال، هذا هو مذهب الحنابلة؛ لكن أكثر أهل العلم على أن وقت الجمعة إنما يكون بعد الزوال؛ ولهذا قال البخاري: “باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس”.

ثم ساق بسنده حديثًا عن أنسٍ : أن النبي كان يخطب إذا مالت الشمس [8]، يعني: إذا زالت الشمس.

قال الحافظ ابن حجر: جزم البخاري بأن وقت الجمعة إذا زالت الشمس مع أنه ليس من عادته الجزم في المسائل الخلافية لضعف الخلاف فيها، وبكل حال، فوزارة الشؤون الإسلامية التي تمثل ولي الأمر أمرت الخطباء بألا يدخلوا إلا بعد الزوال، فالواجب على الخطباء الالتزام بذلك.

لكن نقول للأخ السائل الكريم: فعلك صحيح، ما دام أن الخطيب الذي عندكم يدخل قبل الزوال، فكونك تذهب لجامع آخر وتصلي معه لكونه يتقيد بالدخول بعد الزوال، عملك هذا صحيح.

حكم ترك جلسة الاستراحة

السؤال: هل من يترك جلسة الاستراحة في الصلاة دائمًا يكون قد خالف السُّنة؟

الجواب: جلسة الاستراحة محل خلاف بين أهل العلم؛ هل تسن دائمًا، أو تسن عند الحاجة، أو أنها لا تسن، ثلاثة أقوال في المسألة، والقول الراجح: أنها سنة عند الحاجة؛ لأن النبي إنما فعلها في آخر حياته لحاجته لذلك، ولم ترد في جميع الأحاديث التي وُصِفَت فيها صلاة النبي ؛ وإنما وردت في بعضها؛ كحديث مالك بن الحويرث، وأبي حميد، لكن لم ترد في بقية الأحاديث، وفعله عليه الصلاة والسلام سُنة، وتركه سُنة، ولهذا؛ القول الراجح: هو ما اختاره الموفق ابن قدامة رحمه الله، وجمع من المحققين من أهل العلم: أن جلسة الاستراحة سنة في حق من احتاج إليها؛ كأن يكون كبيرًا في السن، أو يكون معه مثلًا مرض في ركبته أو نحو ذلك، فتكون سنة في حقه، أما من كان غير محتاج إليها فليست بسنة في حقه، على القول الراجح.

حكم ترك صلاة الفجر عمدًا أو تأخيرها إلى بعد طلوع الشمس

السؤال: ترك صلاة الفجر عمدًا وتأخيرها إلى ما بعد طلوع الفجر، هل يعتبر ردة؟

الجواب: لا يعتبر رِدَّةً، ولا يعتبر كفرًا أكبر، وإن كان هذا قد قال به بعض أهل العلم، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [9]، لكن أكثر أهل العلم، وهو الأظهر والله أعلم: أنه لا يقتضي الكفر الأكبر؛ إنما يكفر الإنسان بترك الصلاة، إذا تركها بالكلية لم يركع لله ركعة، لا جمعة ولا جماعة، هذا هو الذي يكفر الكفر الأكبر، أما إذا ترك صلاة واحدة فإنه يكون من الساهين الذين قال الله عنهم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ۝الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ[الماعون: 4، 5]. ويكون فاسقًا لكنه لا يكون كافرًا ولا مرتدًا عن الإسلام.

حكم سماع الأناشيد بدون موسيقى

السؤال: ما حكم سماع الأناشيد بغير موسيقى؟

الجواب: لا بأس بذلك، والنبي استمع لشيء من هذا، واستمع لأَنْجَشَة وهو يَحْدُو بالشعر بصوتٍ حسنٍ، وقال: رفقًا بالقوارير [10]. فالشِّعر المُلَحَّن وما يُسمَّى بـ(الأناشيد) لا بأس باستماعه إذا خلا من المعازف.

مدة المسح على الجوارب

السؤال: هل المسح على الجوارب يوم وليلة أم خمس مرات؟

الجواب: المسح على الجوارب يوم وليلة، لكن يبدأ من أول مسح بعد الحدث، أول مرة يمسح فيها بعد الحدث تبدأ مدة المسح على الخفين، ويحسُب يومًا وليلة إذا كان مقيمًا، وثلاثة أيام بلياليهن إذا كان مسافرًا.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه النسائي في السنن الكبرى: 8311.
^2 رواه البخاري: 6176، ومسلم: 17.
^3 رواه مسلم: 2184.
^4 رواه مسلم: 671.
^5 رواه البخاري: 4777، ومسلم: 8.
^6 رواه الطبراني في المعجم الكبير: 10196، والبيهقي في السنن الكبرى: 6667.
^7 رواه ابن عساكر في “تاريخ دمشق”: 8/ 51.
^8 رواه البخاري: 904.
^9 رواه مسلم: 82.
^10 رواه البخاري: 6149، ومسلم: 2323.
zh