|

(1) فتاوى الحج 1439هـ

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

أحبتنا المستمعين الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسعد الله مساءكم وكل أوقاتكم بكل خيرٍ، أهلًا ومرحبًا بكم -أيها الإخوة الكرام- في هذه الحلقة الجديدة والأولى من برنامجكم اليومي -إن شاء الله- في هذه الفترة، فترة برامج الحج، برنامج (فتاوى الحج).

الذي يبدأ -إن شاء الله- من اليوم حتى اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، نسأل الله  أن يجعل فيه الخير والنفع والفائدة، وأن ينفع به المستمعين الكرام.

حياكم الله أحبتنا المستمعين الكرام.

أهلًا ومرحبًا بكم أحبتنا المستمعين الكرام، وحياكم الله وبيَّاكم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويزيدنا وإياكم علمًا وهدىً وتوفيقًا وسدادًا.

نرحب -في بداية هذه الحلقة- بضيفها الكريم، صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية.

شيخ سعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وحيَّا الله الإخوة المستمعين.

المذيع: حياكم الله.

أيضًا نرحب بكم -مستمعينا الكرام- ونسعد بتواصلكم، من كان لديه سؤالٌ حول أحكام الحج أو ما حولها، فليتفضل بالاتصال على هذا الرقم، ليسأل فضيلة الشيخ الدكتور سعد، فأهلًا ومرحبًا بكم أحبتنا المستمعين الكرام.

شيخ سعد، حفظكم الله، لعلنا نبدأ هذه الحلقة؛ كونها الحلقة الأولى من هذا البرنامج (فتاوى الحج)، الكثير ربما فرَّط في المبادرة بما يتعلق بأداء فريضة الحج، ربما بَلَغ من العمر الكِبَر، ومع ذلك لم يحج، فلو كان منكم -شيخ سعد حفظكم الله- كلمةٌ توجيهيةٌ حول فضل الحج والمبادرة إليه.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائض الدين، الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، ويجب على المسلم أن يبادر لأداء فريضة الحج إذا كان مستطيعًا لذلك؛ كما أمر بذلك ربنا ​​​​​​​ في قوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

فعلى من كان قادرًا على الحج، أن يبادر بأداء هذه الفريضة وهذا الركن، وأن يبرئ ذمته؛ فإن ذمته لا تبرأ إلا بذلك.

وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره: أن النبي قال: تعجَّلوا إلى الفريضة؛ فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له [1]، فالإنسان لا يدري ما يعرض له في المستقبل؛ فقد يعرض له وفاةٌ، قد يأتيه الموت بغتةً، فكيف يلقى ربَّه وقد فرط في ركنٍ من أركان الإسلام، وفي فريضةٍ من فرائض الدين، مع قدرته على ذلك؟!

ليُقدِّر الذي لم يحج حج الفريضة: أنه قد قَدَّر الله عليه أن ينتهي أجله في هذه الدنيا، وأن ينتقل إلى عالم الآخرة، فكيف سيلقى ربَّه ؟! وبأي عذرٍ سيعتذر في تفريطه في أداء ركنٍ من أركان الإسلام، وفريضةٍ من فرائض الدين؟!

ثم أيضًا حتى لو لم يعرض له الموت، فقد تعرض له عوارض أخرى من مرضٍ أو غيره؛ ولذلك فينبغي للمسلم -ما دام مستطيعًا- أن يبادر لأداء هذه الفريضة.

حدثني رجلٌ من الناس، يقول: إن أخًا له كان قادرًا على الحج، وكنا نستحثُّه في أن يؤدِّي فريضة الحج وكان شابًّا، يقول: ثم إن الله قدَّر عليه أن أصيب بمرضٍ فعمي، وأصيب بفشلٍ كلويٍّ، وأصبح لا يستطيع أن يحج حج الفريضة، فندم ندمًا عظيمًا على ذلك.

ولهذا فأقول لمن لم يحج حج الفريضة: عليه أن يبادر بأداء هذا الركن، وألا يسوف؛ فإن بعض الناس عندما يقال له ذلك، تجد أنه يأتي بالأعذار الواهية ويسوف، وكلما أتى عامٌ أتى بأعذارٍ، بينما تجده في أمور دنياه لا يسوف ولا يماطل، تجد أنه يسافر لسفر النزهة، ويسافر للتجارة، ويسافر للعمل، أما السفر لأداء فريضة الحج، فإنه كل عامٍ يلتمس أعذارًا؛ لكي لا يؤدي هذه الفريضة، فهذا على خطرٍ عظيمٍ.

وقد كان عمر يقول: “وددت أن أبعث إلى هذه الأمصار، فيبحث عمن قدر على أداء الحج فلم يحج، فيضرب عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين”، ومراده بذلك: الأمصار التي فتحها المسلمون، فكان يستدل عمر بأداء هذه الشعيرة على أن من كان في تلك البلدان أنه من المسلمين، وليس مراده أن تارك الحج يكفر بتركه الحج؛ لأن من معتقد أهل السنة والجماعة: أن من ارتكب كبيرةً فإنه مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته إلا الصلاة؛ فإن الصلاة إذا تركها الإنسان بالكُليَّة فإنه يكفر كفرًا أكبر؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [2]، وكما قال عبدالله بن شقيقٍ حاكيًا عن الصحابة : “لم يكن أصحاب النبي يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة”.

والحج فضله عظيمٌ، وقد أخبر النبي بأن الحج إذا وقع مبرورًا يكفر جميع الذنوب، يقول عليه الصلاة والسلام: من حج فلم يَرفُث ولم يَفسُق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه [3]، أخرجه البخاري ومسلمٌ في “صحيحيهما”.

من حجَّ فلم يرفث، المقصود بالرَّفَث: الجماع وما يتعلق به، وهذا وقتَ الإحرام ممنوعٌ منه المُحرِم.

ولم يفسق، أي: لم يقع منه معصيةٌ، ووقع هذا الحج مبرورًا على السُّنة، فإن هذا الحج يكفر جميع الذنوب؛ فيرجع الحاج كيوم ولدته أمه ليس عليه إثمٌ ولا خطيئةٌ.

ويقول عليه الصلاة والسلام: الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة [4]، وربنا قال في محكم التنزيل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203]، أي: من أتى بالحج وأنهى الحج، سواءٌ أكان متعجلًا أو متأخرًا، فإنه يرجع من حجه ولا إثم عليه، قد حُطت عنه جميع الآثام، بشرط أن يتقي الله في حجه، وهو معنى قولنا: أن يكون الحج مبرورًا، وهو معنى قول النبي : فلم يرفث ولم يفسق، فكلها بمعنًى واحدٍ.

فإذا أتقى اللهَ الحاجُّ في حجه فإنه يرجع وقد حُطت عنه الذنوب والآثام، وجاء في “صحيح مسلمٍ” في قصة إسلام عمرو بن العاص : أنه لما أراد أن يسلم أتى إلى النبي فقال: ابسط يمينك أبايعك، فبسط النبي يده، فقبض عمروٌ يده، فقال له النبي : لم قبضت يدك يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يُغفر لي، فقال له النبي : أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ [5].

فتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: وأن الحج يهدم ما كان قبله أي: يهدم ما كان قبله من الذنوب والمعاصي، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في “صحيحه”.

المذيعأحسن الله إليكم -يا شيخ سعد- وبارك الله فيكم، معنا الأخ المتصل أبو خالدٍ.

المتصلالسلام عليكم ورحمة وبركاته.

المذيع: وعليكم السلام، حياك الله يا أبا خالدٍ.

المتصل: الله يحفظ يا رب، عندي سؤالٌ مهمٌّ، وأريد الشيخ أن يجيب عنه، هو خارجَ الحج، لكن الأمر مهمٌّ جدًّا، إذا أذنت لي.

هذا رجلٌ مريضٌ بالتصلب المتعدد -شفاه الله وعافاه وجميع مرضى المسلمين- يواجه مشكلةً -أجلَّكم الله- في الطهارة من البول، يتأخر في دورة المياه من أجل أنه يتحرَّز، يقول: أحيانًا أحس أني يخرج مِنِّي قطراتٌ..، في أوقاتٍ كثيرةٍ ما يجد حقيقةً هذا الأمر.

المذيعموسوسٌ يعني هو؟

المتصللا، ليس موسوسًا، أحسبه -والله حسيبه- على خيرٍ، لكن أنا أغلظت في النصيحة، هو أصلًا يقول: أنت ما تشعر بي، هذا طِبيًّا قد يكون موجودًا، قلت له: توضَّأ وكفى، تَحرَّز وكذا، والحمد لله هذا الأصل.

المذيعيعني: هو عنده سلسٌ، يعاني من سلسل البول؟

المتصل: هو أحيانًا لا يتحكَّم، ربما يخرج منه، وربما لا، وهو الأكثر، لا يخرج منه شيءٌ، هو يخشى أنه شكله..، أنا ما أريد أدخله في متاهة الوسواس، أنا أقول له: يكفي أن تتوضأ لكل صلاةٍ، ويمكن تتحرَّج، يعني، وضعٌ صعبٌ،…

الثاني يا شيخ: لو صلى بجماعةٍ في بيت الناس، هل في صلاته حرجٌ؟

المذيعلو صلى ماذا.. بجماعةٍ هو؟

المتصلبجماعةٍ، لو صار إمامًا، ربما أحيانًا يُقدَّم للصلاة.

المتصلطيب، إن شاء الله تسمع الإجابة.

شيخنا، هذا أبو خالدٍ يقول: إن صاحبه هذا يعاني، أحيانًا يخرج منه شيءٌ من البول، وأحيانًا يتوهَّم ذلك، فما نصيحتكم يا شيخ؟

الشيخالنصيحة في حق الأخ الكريم أن يتقي الله تعالى ما استطاع، فبعد قضاء حاجة البول يغسل ذكره ويتوضأ، ولا يضرُّه ما يخرج بعد ذلك؛ لأن ما يخرج بعد ذلك إنما يخرج بغير اختياره، بسبب هذا المرض؛ ولذلك فلا يلتفت لما قد يخرج، أو لما قد يتوهَّم أنه يخرج بعد ذلك، وهذه القضية تحتاج منه إلى أن يتبصَّر في هذه المسألة ويتفقه فيها، وتحتاج منه أيضًا إلى قوة إرادةٍ وشجاعةٍ، وإلا فإنه إذا استمر في هذه الوساوس فإنها قد تزيد معه، وقد تتحوَّل إلى وسواسٍ، ثم قد يتطوَّر الأمر فيتحول إلى وسواسٍ قهريٍّ؛ ولذلك ما دام في البداية ننصحه بأنه إذا تبوَّل يعصر ذكره برفق ويغسله، ولا بأس أيضًا أن يأخذ كفًّا من ماءٍ ويضعه على السراويل، هذا قد رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما؛ بحيث إذا خرج منه شيءٌ يقول: إن هذا إنما هو من أثر الماء وليس بولًا، هذا أيضًا أُثِر عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وأيضًا استحسنه كثيرٌ من أهل العلم، فإذا فعل ذلك فإنه -بإذن الله – ينقطع عنه دابر الوسواس.

ولو قُدِّر أنه خرج منه شيءٌ بغير اختياره فلا شيء عليه؛ لأن صاحب سلس البول، وصاحب الحدث الدائم عمومًا، إذا خرج منه الحدث بغير اختياره فلا شيء عليه، وطهارته صحيحةٌ.

وأما بالنسبة لإمامة صاحب الحدث الدائم، أو من به سلسٌ: فإنها صحيحةٌ على القول الراجح، وقول من قال من الفقهاء: إنه لا تصح إمامة من به سلس البول إلا بمثله، قولٌ مرجوحٌ، ولا دليل عليه، والصواب أن صاحب الحدث الدائم كغيره من الناس، هذا رجلٌ قد ابتُلي، فلماذا يُمنع من الإمامة وقد صححنا طهارته وصححنا صلاته؟! وربما يكون هذا المصاب بالسلس هو الأقرأ لكتاب الله ، والأعلم بالسنة، فكيف نُقدِّم عليه من هو دونه؟!

ولذلك فالقول الراجح عند المحققين من أهل العلم: أن إمامة صاحب الحدث الدائم صحيحةٌ بمثله وبغيره.

المذيعأحسن الله إليكم، معنا عبدالعزيز.

المتصلالسلام عليكم، كيف حالك يا شيخ سعد؟

الشيخ: في خيرٍ ونعمةٍ، نحمد الله ونشكره.

المتصل: يا شيخ، أنا ذاهب لمهمة عملٍ يوم 24/ 11، إن شاء الله، فإن تيسر لي -بإذن الله- سوف أحج، إن تيسر لي فرصةٌ في العمل.

سؤالي: متى أبدأ بالإحرام؟ وكيف أبدأ؟ وكيف أنتهي في المناسك… مع جهة العمل؟

الشيخلكنك لم تجزم بالنيَّة؛ وإنما مترددٌ، إن سمحت لك جهة العمل حججت، وإلا فلا؟

المتصلنعم، بناءً على رئيسي المباشر، إن سنحت لي فرصةٌ في العمل… إن شاء الله، وإن لم تحصل فما في..؟

سؤالي: متى أبدأ؟ وكيف أبدأ؟ وكيف انتهي؟ من ليلة ثمانية إلى ليلة التشريق وإلى ليلة التوديع؟

الشيخنقول للأخ الكريم: ما دمت لم تجزم بنيَّة الحج، وإنما ذهبت لمهمة عملٍ، وتقول: إن سمحت لك جهة العمل بالحج حججت، وإن لم تسمح لم تحج، فإذا سمحت لك جهة العمل بالحج فإنك تُحرِم من مكانك، ولا يلزمك الرجوع للميقات؛ لأنك في هذه الحالة تأخذ حكم أهل مكة، فإذا سمحت لك جهة العمل وأنت في مِنًى أو في عرفة، فإنك تحرم من المكان الذي أنت فيه، والأفضل أن تغتسل ثم تحرم، تقول: لبيك حجًّا، والأفضل أن يكون ذلك بعد صلاةٍ، وبعد ذلك تأتي بأحكام النُّسُك.

والأخ الكريم يسأل عن صفة الحج، الكلام عنها يطول، هذا برنامج إفتاءٍ، ونريد أن نتيح الفرصة للإخوة المستفتين، لكني أرشد الأخ الكريم إلى أن يقرأ في بعض الكتب النافعة في هذا، ومن أبرز الكتب المفيدة والنافعة والمبنيَّة على الدليل من الكتاب والسنة: كتاب شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله “التحقيق والإيضاح لكثيرٍ من مسائل الحج والعمرة والزيارة”، هذا كتابٌ عظيمٌ نافعٌ، وأيضًا كتاب الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، واسمه “المنهج لمريد العمرة والحج”، وأظن أن الحاج إذا قرأ هذين الكتابين سيفهم جيدًا صفة الحج، وتزول عنه إشكالاتٌ كثيرةٌ، فأنصح الأخ السائل الكريم، وأنصح من أراد الحج عمومًا، بأن يقرأ في هذين الكتابين.

المذيعيعني: هو يقول: متى أبدأ؟ ومتى أنتهي؟ يبدأ في اليوم الثامن -شيخنا- أو متى؟

الشيخنعم، يبدأ متى ما أذنت له جهة العمل، يبدأ ويُحرِم ويغتسل، والأفضل أن يصلي إن كان وقت صلاة الفريضة قريبًا، وإلا أتى بصلاةٍ مشروعةٍ؛ كصلاة الضحى أو صلاة الوتر، أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك يقول: اللهم لبيك حجًّا، ويبقى على إحرامه، ويستمر على إحرامه إلى يوم العيد، فإذا رمى جمرة العقبة، وحلق رأسه أو قصَّر، حَلَّ التحلل الأول.

المذيعبارك فيكم، وأحسن إليكم يا شيخ.

أيضًا -يا شيخ سعد- هذا سؤالٌ من أخينا أبي عبدالمحسن الحفظي عبر (تويتر)، يقول: من لم يستطع دفع قيمة الحملة، ولم يحج حجة الإسلام، ماذا يفعل؟

الشيخإذا لم يستطع دفع قيمة الحملة فهو يعتبر غير مستطيعٍ، والله تعالى إنما أوجب الحج على المستطيع، وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، والاستطاعة: كان الفقهاء السابقون يقولون: هي مِلك الزاد والراحلة، لمَّا كان الناس يحجون على الرواحل، على الإبل، أما في وقتنا الحاضر فقد أصبحت الاستطاعة هي أن يُحصِّل أجرة حملةٍ مناسبةٍ لمثله، فإذا كانت مثلًا أجرة الحملات المناسبة لمثله خمسة آلافٍ، إذا حصَّل خمسة آلافٍ يكون بهذا قادرًا على الحج، أما إذا لم يُحصِّل مقدار أجرة الحملة فإنه لا يكون مستطيعًا للحج، وليس عليه شيءٌ، وذمَّته بريئةٌ؛ لأن الحج يعتبر غير واجبٍ عليه، والله تعالى إنما أوجب الحج على المستطيع، وهو غير مستطيعٍ.

المذيعلكن لو مات مثل هذا -يا شيخ- الذي لم يستطع أن يحج بماله، هل يبقى الحج في ذمَّته، يُحَج عنه فيما بعد، أو كيف يا شيخ؟

الشيخإذا كان غير مستطيعٍ للحج بماله، ومات فهو غير مستطيعٍ، ولا يُحَج عنه، لا يجب أن يُحَج عنه، لكن لو تبرَّع أحدٌ بالحج عنه فهذا طيبٌ، لكن لا يجب أن يُحَج عنه.

المذيعأم عبدالله.

المتصلةالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لو سمحت عندي مجموعةٌ من الأسئلة:

السؤال الأول: ماذا تفعل المرأة الحائض في طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، يعني: إذا جاء موعد الحج وكانت حائضًا، ولن تطهر إلا بعد انتهاء الحج؟

السؤال الثاني: إذا قالت مع التلبية: “فإن حبسني حابسٌ…”، هل يسقط عنها طواف الإفاضة والقدوم والوداع؟

السؤال الثالث: ما حكم تأجيل طواف الإفاضة مع طواف الوداع، وكيفيته، هل تطوف طوافين، يعني: تطوف طواف الإفاضة، ثم طواف الوداع، أو هو طوافٌ واحدٌ بنيَّة الإفاضة والوداع؟

الرابع: هل طواف القدوم له سعيٌ، وطواف الإفاضة له سعيٌ، وطواف الوداع له سعيٌ، أم هو سعيٌ واحدٌ، وهو لطواف القدوم فقط؟

المذيعشيخنا الله يحفظك، أم عبدالله أسئلتها تقريبًا تدور في محورٍ واحدٍ، ما يتعلق بالطواف، لكنها إذا قدمت مكة وهي حائضٌ، وسيمر عليها جميع هذه الأطوفة؛ طواف القدوم والإفاضة والوداع، وهي لم تطهر بعد، فكيف تؤدي الطواف؟

الشيخإذا حاضت المرأة وهي ذاهبةٌ لأداء الحج فإنها تُحرِم بالحج، وتفعل كما تفعل المرأة غير الحائض تمامًا إلا أنها تؤجِّل الطواف حتى تطهر؛ لقول النبي لعائشة لمَّا حاضت: افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت [6]، وحينئذٍ ننظر للنُّسُك الذي أحرمت به؛ فإن كانت أحرمت بتمتُّعٍ، فإنها تؤجل الإتيان بالعمرة حتى تطهر، وإذا أحرمت بقِرانٍ أو إفرادٍ، فإنها لا تطوف طواف القدوم، ولا تسعى سعي الحج، وتبقى محرمةً على إحرامها.

وإذا قُدّر أنه أتى يوم عرفة وهي لا تزال حائضًا، فإن كانت متمتعةً ولم تأت بالعمرة بعد، فإنها تقلب التمتُّع إلى قِرانٍ، فتُدخِل الحج على العمرة؛ كما أرشد النبي عائشة رضي الله عنها لذلك، فتقلب التمتُّع إلى قِرانٍ، وتصبح بذلك قارنةً، أما إذا طهرت قبل يوم عرفة، فإنها تأتي بالعمرة وتتحلل، وإذا أتى يوم التروية تُحرِم بالحج.

إذا كانت المرأة حائضًا وأتى يوم العيد، فليس لها أن تطوف طواف الإفاضة وهي حائضٌ؛ وإنما تنتظر حتى تطهر؛ ولذلك لمَّا قيل للنبي : إن صفية قد حاضت، قال: أحابستنا هي؟ [7]، وهذا يدل على أن المرأة تحبس مَحرَمها فينتظر معها حتى تطهر فتطوف.

وأهم الأطوفة: هو طواف الإفاضة، فهو ركنٌ من أركان الحج، لا بد من الإتيان به، ولا يصح الحج إلا به.

أما طواف القدوم فليس واجبًا؛ وإنما هو مستحبٌّ، وطواف الوداع يسقط عن الحائض وعن النفساء، أما طواف الإفاضة فإنه لا يسقط، وهو ركنٌ من أركان الحج.

وعلى هذا: فالمرأة إذا حاضت ولم تطف طواف الإفاضة، فإنها تنتظر حتى تطهر، فإذا طهرت أتت بطواف الإفاضة.

وأما إذا طافت طواف الإفاضة ثم أتاها الحيض بعد ذلك، ولم يتبقَّ في ذمَّتها إلا طواف الوداع، فإن طواف الوداع يسقط عنها؛ ولذلك أنصح الأخوات اللاتي يحججن بأن يبادرن بالإتيان بطواف الإفاضة يوم العيد؛ لأنها ربما يأتيها الحيض وهي لم تطف طواف الإفاضة، وهذا يترتب عليه أنها تنتظر حتى تطهر، لكن لو أنها طافت طواف الإفاضة يوم العيد، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، فيسقط عنها طواف الوداع، ويزول عنها الحرج بقضية الانتظار.

ومن حكمة الله : أنه في حجة الوداع -حجة النبي – حاضت زوجتان من زوجاته ، حاضت عائشة وحاضت صفية رضي الله عنهما، ولله الحكمة في هذا، حتى تقتدي الأمة بأزواج النبي .

أما عائشة رضي الله عنها: فإنها حاضت قُبَيل وصولهم إلى مكة، وكانت قد أحرمت متمتعةً، فدخل عليها النبي ، فوجدها تبكي، كان عليه الصلاة والسلام عنده فِرَاسةٌ عظيمةٌ، فعرف أنها حاضت، قال: ما لكِ تبكين؟ لعلك نَفِسْت يعني: حِضت، قالت: نعم، قال: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت [8]، قبل ذلك قال جابرًا لخاطرها: إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم يعني: هذا يأتيك ويأتي غيرك من النساء، فلِمَ البكاء؟! إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت، وجاء في روايةٍ: ولا تصلي [9].

بقيت عائشة رضي الله عنها، وكان قدومهم إلى مكة صبيحة رابعة ذي الحجة، بقيت عائشة رضي الله عنها وهي حائضٌ، حتى أتى يوم عرفة ولم تطف ولم تطهر، فأمرها النبي بأن تقلب التمتع إلى قِرَانٍ، فأصبحت قارنةً.

والمرأة الثانية التي حاضت من أزواجه عليه الصلاة والسلام: هي صفية رضي الله عنها، لكنها حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لمَّا قيل له: إنها حاضت، قال: أحابستنا هي؟ قيل: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، قال: فلتنفر إذنْ [10]، وجاء في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أمر النبي بطواف الوداع، إلا أنه قد خُفف عن الحائض والنفساء [11]، هذا هو الحكم في المرأة إذا حاضت في وقت الحج.

المذيع: إذا اشتَرَطَت -شيخنا- وقالت: “فإن حبسني حابسٌ فمَحِلِّي حيث حبستني”، هل يسقط عنها شيءٌ من هذه الأطوفة؟

الشيخأما بالنسبة لطواف الوداع: فإنه يسقط عنها ولو لم تشترط، وأما بالنسبة للحج فهي قد أتت تريد الحج، ومعنى الاشتراط: أن الإنسان يتحلل من النُّسُك ولا شيء عليه، فهي ما أتت إلى مكة إلا وهي تريد الحج؛ ولذلك فإنه يبقى طواف الإفاضة واجبًا عليها، ولذلك إما أن تنتظر حتى تطهر، وهناك طريقةٌ أخرى يذكرها بعض الأطباء، وهي: أنها تأخذ إبرةً أو عقاقير ترفع الحيض لأجل أن تطهر، ثم تغتسل، ثم تطوف طواف الإفاضة، ويقول بعض الأطباء: إن فعل هذا لمرةٍ واحدةٍ إنه لا يَضرُّ، إنما يضرُّ إذا تكرَّر، فهذا ربما أيضًا هو خيارٌ تلجأ إليه المرأة عند الضرورة.

المذيعأيضًا تقول: بالنسبة لمن أجَّل طواف الإفاضة مع طواف الوداع، يطوفهما طوافًا واحدًا أو طوافين؟

الشيخيجوز تأخير طواف الإفاضة ويكفي عن طواف الوداع، ويطوف طوافًا واحدًا سبعة أشواطٍ.

المذيعأيضًا سؤالها الأخير شيخنا تسأل: هل لكل طواف سعي، كل طوافٍ مقترنٌ به سعيٌ؟

الشيخليس كل طوافٍ مقترنًا به السعي؛ وإنما السعي ركنٌ مستقلٌّ عن الطواف؛ فالمتمتُّع عليه سعيان، والقارن والمفرد عليهما سعيٌ واحدٌ، لكنه يُشترط لصحة السعي: أن يسبقه طوافٌ مشروعٌ.

المذيعمعنا المتصل الأخير في هذه الحلقة، أبو عبدالملك، تفضل.

المتصلالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعدكم الله، أسعدك الله يا شيخنا.

شيخنا هناك موضوعان مهمان، نريد التوضيح:

المسألة الأولى: بالنسبة لموضوع الاشتراط، الآن الكثير ربما يخرج من بيته ويعلم أنه سيُمنع؛ مثل: من يذهب مثلًا بدون تصريحٍ ويعلم أنه سيُمنع، ويشترِط ويلبس ثيابه، ثم يعود ويلبس إحرامه، ويقول: أنا اشترطت، هل الاشتراط الآن هنا له معنًى؟

أيضًا شيخنا بالنسبة لموضوع الإحصار: البعض على أي عائقٍ يعوقه يشترط، وهو لم يطبِّق هذا الحكم، توضيحًا لهاتين المسألتين شيخنا.

المذيع: شكرًا لك يا أبا عبدالملك، تسمع الإجابة.

شيخنا الله يحفظك، يقول: البعض ربما يذهب للحج، فهو يكاد يوقن أنه ربما يرد؛ لأنه لم يحصل على تصريحٍ، ويشترط، هل ينفع اشتراطه في هذه الحالة؟

الشيخأولًا بالنسبة للتصريح: أنصح من أراد الحج أن يستخرج التصريح؛ لأن هذا التصريح إنما وُضِع لأجل مصلحة الحجيج؛ فإن عدد المسلمين كبيرٌ جدًّا، عدد المسلمين يزيد على مليارٍ ونصفٍ، ولو سُمِح بالحج لـ(1%) فقط من المسلمين، لكان عدد الحجاج خمسة عشرة مليونًا، وهذا العدد لا تتسع له المشاعر، هذا ربما يؤدي إلى تعذر الحج، بل حتى لو سُمح بنصف (1%)، لكان عدد الحجاج سبعة ملايين ونصفًا، فالآن عدد الحجاج يتراوح من مليونين إلى ثلاثة ملايين، هو أقل من ربع (1%)، ومع ذلك نرى كثرة الحجيج والزحام والضيق.

ولذلك: هذا الإجراء لا بد منه، لا بد أن تتخذ الدولة هذا الإجراء؛ لأجل مصلحة الحجيج، فهو إجراءٌ اضطرت له الدولة، والغرض منه تحقيق مصلحة الحجيج؛ ولذلك فعلى من أراد الحج أن يلتزم بالتعليمات التي وضعتها الدولة -أيدها الله- وأن يتقيَّد بها، وأن يستخرج تصريحًا للحج.

وأما بالنسبة لما سأل عنه الأخ الكريم: من أنه لو حج واشترط وهو قد يُرَدُّ، فنقول: إذا اشترط فإنه إذا رُدَّ فلا شيء عليه، إذا رُدَّ ينفعه اشتراطه؛ لأن هذه هي فائدة الاشتراط، فائدة الاشتراط: أنه إذا حبسه حابسٌ فإنه يتحلل ولا شيء عليه، هذا ما يتعلق بقضية الاشتراط.

وأما اعتباره محصَرًا، فينطبق عليه حكم المحصر، إذا رُدَّ فإنه يعتبر حكمه حكم المحصر، فيفعل ما يفعل المحصر.

المذيعهذا في حال أنه لم يشترط يا شيخ؟

الشيخنعم، في حال أنه لم يشترط، يأخذ حكم المحصر، أما إذا اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه.

المذيعأحسن الله إليكم يا شيخ سعد، وبارك الله فيكم وفي علمكم، وجزاكم الله خيرًا، كنتم معنا خلال هذه الدقائق، وقد أجبتم عن أسئلة إخواننا المستمعين الكرام.

شكر الله لكم دكتور سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلامية، جزاكم الله خيرًا شيخنا.

الشيخوشكرًا لكم وللإخوة المستمعين.

المذيعأيضًا نشكر لكم -أحبتنا المستمعين الكرام- على حسن متابعتكم لنا في هذه الحلقة، نسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح القول والعمل، وأن يعلمنا وإياكم، وينفعنا بما علَّمنا، وأن يوفق من أراد الحج لأداء هذا النُّسِك على أكمل وجهٍ وأتمه، وأن يوفق حكومتنا المباركة لتقديم الخدمة للحجيج، كما تعودنا منهم جزاهم الله خيرًا.

شكرًا لكم مستمعينا الكرام، حتى الملتقى بكم -أيها الكرام- في حلقة الغد -إن شاء الله- نستودعكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أحمد: 2867.
2 رواه مسلم: 82.
3 رواه البخاري: 1521، ومسلم: 1350.
4 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
5 رواه مسلم: 121.
6, 8 رواه البخاري: 305، ومسلم: 1211.
7 رواه البخاري: 1757، ومسلم: 1211.
9 رواه أبو داود: 1786.
10 رواه البخاري: 1771، ومسلم: 1211.
11 رواه البخاري: 1755، ومسلم: 1328.