الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(49) الأذان والإقامة- مسائل متنوعة
|

(49) الأذان والإقامة- مسائل متنوعة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

تكلمنا سابقًا عن جملة من أحكام الأذان والإقامة، ونستكمل الحديث عن هذه الأحكام، فنقول:

حكم الطهارة للمؤذن

يسنُّ أن يكون المؤذن متطهرًا من الحدثين: الأصغر والأكبر؛ لأنه ذكرٌ لله ​​​​​​​، فأداؤه مع الطهارة أقرب إلى التعظيم؛ ولقول النبي لمن سَلَّم عليه، فلم يرد عليه السلام حتى توضأ: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ، أو قال: على طهارة أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح [1].

وقد اتفق الفقهاء على صحة الأذان والإقامة من المـحدث حدثًا أصغر، وقد حكى هذا الاتفاق الوزير بن هُبَيرة رحمه الله تعالى.

وهل يُكرَه الأذان والإقامة للمحدث؟

  • المشهور من مذهب الحنابلة أنه يكره أذان الجنب، دون المـحدث حدثًا أصغر فلا يُكرَه، وتُكره إقامة المـحدث مطلقًا.
  • ومن الفقهاء من قال: يكره الأذان من المـحدث مطلقًا، سواء كان حدثه أكبر أو أصغر، وهو مذهب المالكية والشافعية.

والأقرب -والله تعالى أعلم- هو ما ذهب إليه الحنابلة، من أنه لا يكره أذان المـحدث حدثًا أصغر، ويكره الأذان والإقامة للمحدث حدثًا أكبر؛ وذلك لأنه لَـم يثبت شيءٌ في كراهة الأذان من المـحدث حدثًا أصغر.

أما حديث أبي هريرة : أن النبي قال: لا يؤذِّن إلا  متوضئ، فقد أخرجه الترمذي في “سننه” مرفوعًا وموقوفًا على أبي هريرة، ولا يصح مرفوعًا إلى النبي ، بل ولا يصح كذلك موقوفًا على أبي هريرة [2].

وحينئذٍ نقول: لا يُكره الأذان من المـحدث حدثًا أصغر، وإن كان الأولى ألا يؤذِّن إلا وهو متوضئ؛ لعموم قول النبي : إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر [3].

وأما المـحدث حدثًا أكبر: فجمهور الفقهاء على أنه يكره في حقه الأذان والإقامة، ولكن هذا بناءً على أن المؤذن إنـما كان يؤذن على المنارة، وهي خارج المسجد، وفي وقتنا الحاضر أصبح عامة المؤذنين يؤذنون داخل المساجد عن طريق مُكبِّـرات الصوت، ومن المعلوم أن الجُنُب يحرم عليه اللبث في المسجد؛ لقول الله تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، وحينئذٍ نقول: إذا كان المؤذِّن يؤذِّن داخل المسجد، فيحرم عليه أن يؤذِّن وهو محدثٌ حدثًا أكبر، ومن باب أولى يحرم عليه أن يقيم، لا لكون الأذان لا يصح من الجُنُب، وإنـما لكون المؤذن في هذه الحال مـمنوعًا من اللبث في المسجد.

حكم ترتيل ألفاظ الأذان

ويُستحب للمؤذن أن يُرتِّل ألفاظ الأذان، وأن يَتمهَّل فيها، وأما الإقامة فيحدرها، أي: يسرع فيها.

ويدل لذلك: حديث جابرٍ : أن النبي قال لبلال: إذا أذَّنْتَ فترَسَّل، وإذا أقمتَ فاحدر ولكن هذا الحديث ضعيفٌ، لا يصح عن النبي ، فقد أخرجه الترمذي، والبيهقي، وسنده ضعيف [4].

ولكن يُوجَّه لذلك من جهة المعنى: أن الأذان إعلامٌ للغائبين، فالترسُّل والتمهُّل والترتيل أبلغ في الإعلام، وأما الإقامة فهي إعلامٌ للحاضرين، فالحدر فيها أنسب.

واختلف العلماء: هل الأفضل أن يقف على كل جملةٍ في التكبير، فيقول: الله أكبر، ويقف، الله أكبر، ويقف، أو أن الأفضل أن يقرن بين التكبيرتين بِنَفَسٍ واحدٍ، فيقول: الله أكبر، الله أكبر .. الله أكبر، الله أكبر؟

قولان للعلماء:

  • فمن أهل العلم من قال: إن الأفضل أن يقرن بين التكبيرتين.
  • ومنهم من قال: الأفضل أن يقف على كل جملة.

والأقرب في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- هو أن يقف على كل جملة، وهذا هو مقتضى كلام أهل اللغة، وقد نقل الموفق ابن قدامة رحمه الله في (المغني) عن أبي عبدالله بن بطَّة، أنه قال في الأذان والإقامة: “لا يصل الكلام بعضه ببعضٍ مُعرِبًا، بل جزمًا”، وحكاه ابن الأنباري عن أهل اللغة، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: “شيئان مجزومان كانوا لا يُعرِبونَـهما: الأذان والإقامة”.

والحاصل: أن الأقرب في هذه المسألة هو أن يقف على كل جملةٍ في الأذان، فيقول: الله أكبر، ويقف، ثم يقول: الله أكبر، ويقف، وهكذا، وهكذا أيضًا في الإقامة، والله تعالى أعلم.

استقبال المؤذن القبلة

ويستحب للمؤذن أن يؤذن وهو مستقبلٌ القبلة؛ لورود حديث عبدالله بن زيد   في هذا.

وضع الأصابع في الأذنين

ويستحب للمؤذن أن يجعل أُصبعيه في أُذنيه؛ لِمَا روى أحمد والترمذي عن أبي جُحَيفة  أن بلالًا وضع أُصبعيه في أذنيه حين أذن [5].

وفي وضع الأصبعين في الأذنين فائدة: وهي أن ذلك أقوى للصوت، ثم إنه يعرف من يراه من بعيد، أو من لا يسمع، يعرف أن هذا الرجل يؤذن.

وذكر بعض الفقهاء صفةً أخرى: وهي أن يجعل يديه على أُذُنَيه، ويضم أصابعه، وقد روي ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله، كما في رواية أبي طالب؛ لحديث أبي محذورة: “أنه كان يضم أصابعه” ولِمَا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في ذلك.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “والأول -أي: أن يجعل أصابعه في أُذُنَيه- أصح؛ لصحة الحديث وشهرته، وعمل أهل العلم به، وأيهما فعل فحسن، وإن ترك الكل فلا بأس”.

فعندنا هنا صفتان:

  • الصفة الأولى: أن يجعل أصابعه في أذنيه.
  • والصفة الثانية: أن يضم أصابعه، ويجعلهما على أذنيه، من غير أن يدخل أصابعه في أذنيه.

فكلٌ من الصفتين قد روي، إلا أن الأشهر والمعروف عند أكثر أهل العلم هي الصفة الأولى، وهي أن يجعل أصابعه في أذنيه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “يستحب للمؤذن أن يرفع فمه ووجهه إلى السماء إذا أذن أو أقام، نص عليه أحمد، قال: لأن التهليل والتكبير إعلانٌ بذكر الله تعالى، لا يصلح إلا له، فاستحب الإشارة له، كما تستحب الإشارة بالأصبع الواحدة في التشهد”.

الالتفات في الحيعلتين

ويستحب للمؤذن أن يلتفت في الحيعلتين يـمينًا وشمالًا، أي: عند قول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؛ لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي جُحَيفة قال: “رأيت بلالًا يؤذِّن، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا، يقول يـمينًا وشمالًا: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح” [6].

قال الموفق رحمه الله: “يستحب للمؤذن أن يلتفت يـمينًا إذا قال: حيَّ على الصلاة، ويسارًا إذا قال: حيَّ على الفلاح، ولا يُزِيل قدميه”.

وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يلتفت يـمينًا لـ: حيَّ على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لـ: حيَّ على الفلاح للمرتين جميعًا، وهذا القول هو الأقرب، وهو ظاهر السنة، والالتفات هنا التفاتٌ في كل الجملة، أما ما يفعله بعض المؤذنين من أنه يقول: حيَّ على، مستقبل القبلة، ثم يلتفت فيكمل فيقول: الصلاة، فهذا لا أصل له.

والحكمة من هذا الالتفات: إبلاغ المدعوين من على اليمين وعلى الشمال.

وبناءً على هذا، هل نقول: إن المؤذِّن إذا أذَّن بـمكبِّـر الصوت لا يلتفت؛ لأنه لو التفت لضعف صوته؟

أقول: هذا هو الظاهر -والله تعالى أعلم-؛ لأن هذا الالتفات يتسبب في إضعاف الصوت، وهذا يتنافى مع المقصود من الأذان، وهو إبلاغ الغائبين بدخول وقت الصلاة، ولكن مع هذا ينبغي للمؤذن أن يلتفت قليلًا بالقدر الذي لا يضعف معه الصوت، ويحصل به إصابة السنة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

أذان الصبي المميز

ويصح الأذان من الصبي المميِّز؛ لأنه يؤمر بالصلاة، وتصح صلاته، بل وتصح إمامته على القول الراجح، وقد أمَّ عمرو بن سلمة قومه وعمره سبع أو ثـمان سنين، وإذا صحَّت إمامته؛ فيصح أذانه من باب أولى.

وأما ما يرى من أن بعض العامَّة ينكر على الصبي إذا أذَّن، فهذا لا وجه له، بل إنه تصح صلاته وإمامته، فيصح أذانه من باب أولى.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن بقية أحكام الأذان والإمامة في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 17، وابن حبان: 803، وأحمد: 19034.
2 رواه الترمذي: 200.
3 سبق تخريجه.
4 رواه الترمذي: 195، والبيهقي في السنن الكبرى: 2010، والحاكم في المستدرك: 732، وقال الترمذي: إسناد مجهول.
5 رواه الترمذي: 197، وأحمد: 18759، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
6 رواه البخاري: 634، ومسلم: 503.

مواد ذات صلة