الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(80) صفة الصلاة- سكتات الإمام وصفة الركوع
|

(80) صفة الصلاة- سكتات الإمام وصفة الركوع

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال حديثنا موصولًا عن صفة الصلاة:

سكتات الإمام في الصلاة

كان النبي  له سكتتان في القيام للصلاة:

  1. سكتةٌ بين التكبير والقراءة، وهي التي كان يقرأ فيها دعاء الاستفتاح.
  2. وسكتةٌ بعد الفراغ من القراءة قبل أن يركع، وهي سكتةٌ لطيفةٌ جدًا بقدر ما يتَـرَادُّ إليه نَفَسُه.

وأما السكتة بين قراءة الفاتحة والسورة بعدها، فلم تثبت عن النبي ، وجميع ما روي فها ضعيفٌ من جهة الإسناد ولا يصح.

التكبير للركوع ومتى يكون؟

وبعد الفراغ من القراءة يُسنُّ للمصلي أن يرفع يديه، إما إلى منكبيه، أو إلى فروع أُذُنيه، ويكبِّـر راكعًا، ويكون التكبير للركوع في حال هَوْيِهِ للركوع، فلا يكبِّـر قبل هويه للركوع، ولا يُؤخر التكبير حتى يصل إلى الركوع، وإنـما يكون التكبير فيما بين الانتقال من القيام إلى الركوع.

وقد شدَّد بعض الفقهاء في هذه المسألة فقالوا: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي، أو أتـمَّه بعد أن يصل إلى الركوع فلا يُجزئ، وقد نقل المرداوي في “الإنصاف” عن المـجد ابن تيمية، وبعض الفقهاء أنَّـهم قالوا: ينبغي أن يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال، وانتهاؤه مع انتهائه، فإن شرع فيه قبله أو كمَّله بعده، فوقع بعضه خارجًا عنه فهو كتركه؛ لأنه لَـم يُكمِّله في مَـحلِّه، فأشبه من تـمَّم قراءته راكعًا، أو أخذ في التشهُّد قبل قعوده”.

ثم صوَّب صاحب “الإنصاف” القول: بأنه يُعفَى عن ذلك؛ لأن التحرُّز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، أو السجود له مشقة.

وإنما سقنا الخلاف في هذه المسألة، وإن كان الأقرب أنه إذا كبَّـر قبل أن يركع، أو بعد أن يركع، أن صلاته لا تبطل، وإنـما سقنا الخلاف للتنبيه على أهمية العناية بـها، وبعض الناس يستهين بـها، فيكبِّـر قبل أن يركع، أو يركع ثم يكبِّـر، وهو بـهذا يُعرِّض صلاته للبطلان على رأي بعض الفقهاء.

والعجيب، أن بعض الأئمة يُؤخر التكبير للركوع حتى يصل للركوع، وكذا السجود، والرفع منه، خشية أن يُسابقه بعض المأمومين، وهذا من غرائب الاجتهاد: أن يُفسد الإنسان عبادته -على رأي بعض الفقهاء- لتصحيح عبادة غيره، الذي ليس مأمورًا بأن يسابقه، بل هو مأمورٌ بـمتابعته.

صفة الركوع

وإذا ركع فالسنة: أن يضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما، وهذا هو الذي استقرَّت عليه السنة.

وقد كانت السنة قبل ذلك التطبيق، وصفته: أن يضع المصلي بطن كَفِّه على بطن كَفِّه الأخرى، ثم يضعها بين ركبَتَيه أو فخذيه، ثم نُسِخ هذا بعد ذلك، ففي الصحيحين عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: “صليتُ إلى جنب أبي -يعني: سعد بن أبي وقاص- فطبَّقت بين كفيَّ، ووضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله، فنُهِينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب” [1].

وقد خفي النسخ عن ابن مسعودٍ ، فكان يعمل بالتطبيق، كما جاء ذلك في “صحيح مسلم” [2]، قال الترمذي: “التطبيق منسوخٌ عند أهل العلم، لا خلاف بين العلماء في ذلك، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، أنَّـهم كانوا يُطبِّقون”.

وتكون اليدان أثناء الركوع مُفرَّجتَـيْ الأصابع؛ لحديث وائل بن حُجرٍ : “أن النبي كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه” [3] أخرجه ابن خزيـمة، وابن حبان، والحاكم، والطبراني في الكبير، قال الهيثمي: إسناده حسن.

وتكون الكفَّان على الركبتين كالقابض لهما ، مع تنحية اليدين عن الجنبين، ويكون أثناء الركوع مستويًا ظهره.

ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها: “أن النبي كان إذا ركع لَـم يُشْخِص رأسه ولـم يُصوِّبه، ولكن بين ذلك” [4].

وفي حديث أبي حُمَيد الساعدي : “أن رسول الله كان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره” [5]، ويجعل رأسه حِيَال ظهره، فلا يرفعه ولا يخفضه.

وقد جاء في حديث وَابِصَة بن مَعْبَدٍ قال: “رأيتُ النبي يصلي، وكان إذا ركع سوَّى ظهره، حتى لو صُبَّ عليه ماءٌ لاستقر” [6]، وهذا يدل على كمال التسوية، فيكون الظهر والرأس سواء، ويكون الظهر مـمدودًا مستويًا، ولكن هذا الحديث ضعيفٌ من جهة الإسناد، فقد أخرجه ابن ماجه في سننه، والطبراني في الكبير، وفيه إسناده راوٍ ضعيف، لكن يغني عن هذا الحديث الأحاديث الأخرى التي فيها صفة صلاة النبي ، وقد أشرنا إلى بعضها.

ويلاحظ أن بعض الناس إذا ركع يُقوِّسُ ظهره، وبعضهم يَهْصِر ظهره حتى ينزل وسطه، فلا يكون مستويًا، وكلا الأمرين خلاف السنة، وهدي النبي هو أنه كان يُسوِّي ظهره في المدِّ، وفي العلو والنزول، ورأسه حيال ظهره، من غير ارتفاعٍ أو انخفاض.

القدر المجزئ من الركوع

والقدر المـجزئ من الركوع:

قيل: هو الانحناء، بحيث يُـمكِنه مسُّ ركبتيه بيديه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

وقال المـجد ابن تيمية رحمه الله: “ضابط الإجزاء الذي لا يختلف أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، والمعنى: أنه ينحني، بحيث من يراه يعرف أن هذا الرجل راكعٌ، وليس واقفًا”.

ولعل هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وإذا رفع رأسه وشكَّ: هل ركع أو لا؟ أو: هل أتى بقدر الإجزاء أو لا؟ لزمه أن يعود فيركع؛ لأن الأصل عدم ما شكَّ فيه، إلا أن يكون وسواسًا فلا يلتفت إليه، وكذلك حكم سائر الأركان”.

ما يُقال في الركوع

ثم يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وهذه الكلمة تشتمل على التنزيه والتعظيم لله تعالى باللسان، فهو تعظيمٌ قولي، وبالركوع تعظيمٌ فعلي، فيكون الراكع جامعًا بين التعظيمين: القولي والفعلي.

قال ابن القيم رحمه الله: “ثم يركع المصلي حانيًا ظهره لله تعالى، خضوعًا لعظمته، وتذلُّلًا لعزَّتِه، واستكانةً لجبروته، مسبحًا له بذكر اسمه العظيم، فنَزَّه عظمَتَه عن حال العبد وذلِّه وخضوعِه، وقابل تلك العظمة بـهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تَطَامَن وطأطأ رأسه وطوى ظهره، وربه فوقه يشاهده، يرى خضوعه وذلَّه، ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيمٍ وإجلال، كما قال النبي : أما الركوع فعظِّموا فيه الرب [7]”.

وقد جاء في بعض الروايات: أن النبي كان يزيد أحيانًا: وبحمده، فيقول: سبحان ربي العظيم وبحمده [8]؛ ولكن أكثر الروايات مقتصرةٌ على قول: سبحان ربي العظيم.

وحينئذٍ نقول: ينبغي أن يكون الغالب من حال المصلي الاقتصار على قول: سبحان ربي العظيم، من غير زيادة: وبحمده، وإن زادها أحيانًا فلا بأس، وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود: سبحان ربي العظيم وبحمده، أعجب إليك، أو: سبحان ربي العظيم؟ فقال: “قد جاء هذا، وجاء هذا” وروي عنه أنه قال: “أما أنا فلا أقول: وبحمده”.

عدد التسبيحات في الركوع

والقدر المـجزئ تسبيحةٌ واحدة، فمن قال: سبحان ربي العظيم، مرةً واحدة، فقد أتى بالقدر الواجب، وأدنى الكمال ثلاث تسبيحات، والأفضل عشر تسبيحات.

ويدل لذلك حديث أنسٍ ، قال: “ما صليت وراء أحدٍ بعد رسول الله أشبه صلاةً برسول الله ، إلا هذا الفتى” يعني: عمر بن عبدالعزيز، فحزروا تسبيحه في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات [9].

قال الميموني: “صليت خلف أبي عبدالله -يعني: الإمام أحمد- فكنت أُسبِّح في الركوع والسجود عشر تسبيحاتٍ وأكثر”.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 790.
2 رواه مسلم: 534.
3 رواه ابن حبان: 1920، وابن خزيمة: 642، والطبراني في المعجم الكبير: 26، والدارقطني: 1283، والبيهقي في السنن الكبرى: 2695، والحاكم في المستدرك: 826.
4 رواه مسلم: 498.
5 رواه البخاري: 828.
6 رواه ابن ماجه: 872، والطبراني في المعجم الأوسط: 5676، والكبير: 12781 والصغير: 36.
7 رواه مسلم: 479.
8 رواه أبو داود: 870.
9 رواه أبو داود: 888.

مواد ذات صلة