الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(83) صفة الصلاة- مسائل متعلقة بالسجود
|

(83) صفة الصلاة- مسائل متعلقة بالسجود

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث موصولًا عن صفة الصلاة؛ وكان آخر ما تكلمنا عنه: فضل السجود، والحكمة من مشروعيته، وإتـمامًا لهذا البحث نقول:

المفاضلة بين القيام والسجود

  • إن بعض أهل العلم قد قال: بأن السجود هو أفضل أعمال الصلاة، وأنه أفضل حتى من القيام الذي هو من أشرف أعمال الصلاة.
  • وقال آخرون: بل القيام أفضل من السجود.
  • وقالت طائفة من أهل العلم: طول القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل.

أما من قال: بأن السجود أفضل:

فقد احتجَّ بقول النبي : أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد [1]، رواه مسلم.

وبحديث ثوبان  أن النبي قال: ما من عبدٍ يسجد لله سجدةً، إلا رفع الله له بـها درجة، وحط عنه بـها خطيئة [2]، رواه مسلم.

وبحديث ربيعة بن كعبٍ الأسلمي  لـمَّا سأل النبي مرافقته في الجنة، فقال له النبي : أعِنِّـي على نفسك بكثرة السجود [3]، رواه مسلم.

وأول سورة أنزلت على النبي سورة اقرأ، وقد ختمها بقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19].

وبأن السجود يقع من المخلوقات كلها، وبأن الساجد أذل ما يكون لربِّه، وأخضع له؛ وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحال.

وبأن السجود هو سِرُّ العبودية، فإن العبودية هي الذل والخضوع، يقال: طريقٌ معبَّد، أي: ذلَّلَته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا.

واحتج من قال: بأن القيام أفضل من السجود:

بقول الله ​​​​​​​: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، وبقول النبي : أفضل الصلاة طول القنوت [4]، رواه مسلم.

وبأن الذكر في القيام هو أفضل الأركان، فكان ركنه أفضل الأركان.

واحتج من قال: بأن طول القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل:

بأن صلاة الليل قد خُصَّت باسم القيام؛ لقول الله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ [المزمل:2].

وبقول النبي : من قام رمضان إيْـمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه [5]، ولهذا يقال: قيام الليل، ولا يقال: قيام النهار.

قالوا: وهذا كان هو هدي النبي ، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعة، أو على ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي الركعة في بعض الليالي بسورة البقرة، وآل عمران والنساء، وأما بالنهار فلم يُحفظ عنه شيءٌ من ذلك، بل كان يخفف السنن.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المفاضلة بين القيام والسجود: “الصواب: أنـهما سواء، والقيام أفضل بذكره، وهو القراءة، والسجود بـهيئته، فهيئة السجود أفضل من هيئة القيام، وذكر القيام أفضل من ذكر السجود، وكان من هدي النبي : أنه إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل، وكان إذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود”.

أعضاء السجود

والسنة: سجود المصلي على الأعضاء السبعة، وهي الجبهة ومعها الأنف، واليدان، والركبتان، والرجلان.

ويدل لذلك: ما جاء في الصحيحين عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله قال: أُمِرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والرجلين، وأطراف القدمين، وألا نكفِتَ الثياب والشعر [6].

والسجود على هذه الأعضاء السبعة ركنٌ من أركان الصلاة، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة.

ويلاحظ أن بعض الناس يتساهل بإقامة هذا الركن، فلا يُـمكِّن أنفه من الأرض، أو أنه يرفع إحدى رجليه أثناء السجود، والإخلال بالركن في الصلاة يؤثَّر على صحة الصلاة.

هيئة السجود

والسنة للمصلي عند السجود: أن يُجافي عضُدَيْه عن جنبيه، أي: يبعدهما.

وقد كان من هدي النبي  في صلاته: أنه كان يُجافي عضديه عن جنبيه، حتى إنه ليُرى بياض إبِطَيْه، من شدة مجافاته، وحتى إنه لو شاءت أن تـمر البهمة -وهي من صغار الغنم- من تحته لمرَّت؛ من شدة مُجافَاته، وقد كان الصحابة يَرِقُّون للنبي  من شدة مجافاته.

ولكن إذا كان المصلي في جماعة، فإنه يجافي بالقدر الذي لا يؤذي من عن يـمينه، وعن يساره، وليس له أن يجافي مجافاةً يؤذي بـها جيرانه في الصلاة؛ لأن هذه المـجافاة مستحبة، والإيذاء أقل أحواله الكراهة، وليس للإنسان أن يفعل شيئًا مكروهًا أو محرمًا؛ لأجل تطبيق أمرٍ مستحب.

والسنة للمصلي إذا سجد: أن يكون سجوده معتدلًا، فلا يـمتد في سجوده، ولا ينضم، بأن يجعل بطنه على فخذيه، وفخذيه على ساقيه، بل يجافي البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين.

وقد جاء في الصحيحين عن أنسٍ  أن النبي قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم يديه انبساط الكلب [7].

والسنة للمصلي: أن يُفرِّق بين ركبتيه عند السجود، فلا يضم بعضهما إلى بعض.

وأما قدميه فقد اختلف العلماء في الحال التي ينبغي أن تكون عليها:

  • فمن العلماء من قال: يُفرِّق بين قدميه عند السجود؛ لأن القدمين تابعتان للساقين والركبتين، وإذا كانت السنة تفريق الركبتين فكذلك القدمين.
  • وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن تكون القدمان حال السجود مرصوصتين، فيرص القدمين بعضهما ببعض.

وهذا القول الأخير هو الأقرب -والله تعالى أعلم- لدلالة السنة له:

ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، حين فقدت النبي ، فوقعت يدها على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد [8].

ومعلومٌ أن اليد الواحدة لا تقع على القدمين معًا إلا في حال التراص.

وقد جاء في رواية ابن خزيـمة التصريح بذلك: “وكان راصًّا قدميه” [9].

ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة.

وأما اليدان: فالسنة ضم أصابع اليدين، مع مدها مستقبلًا بـها القبلة، وتكونان حذو المنكبين، وإن شاء قدَّمَهما، فجعلهما على حذاء الجبهة، أو فروع الأذنين، وكل هذا قد وردت به السنة.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “والكمال في السجود: أن يضع جميع بطن كفِّه، وأصابعه على الأرض، ويرفع مِرْفَقَيه؛ لِمَا روى البراء بن عازبٍ  قال: قال رسول الله : إذا سجَدتَّ فضع كفَّيْكَ، وارفع مِرْفَقَيك [10]، رواه مسلم.

فإن اقتصر على بعض باطنها أجزأه.

قال أحمد: “إن وضع اليدين بقدر الجبهة أجزأه، وإن جعل ظهور كفَّيْه إلى الأرض، أو سجد على أطراف أصابع يديه، فظاهر الخبر أنه يجزؤه؛ لأنه قد سجد على يديه، وهكذا لو سجد على ظهور قدميه؛ ولأنه لا يخل من إصابة بعض أطراف قدميه الأرض، فيكون ساجدًا على أطراف القدمين، إلا أنه يكون تاركًا للأفضل”.

هدي النبي في السجود

ونختم هذه الحلقة بنقل كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في هدي النبي  في السجود:

قال رحمه الله: “كان النبي إذا سجد مَكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونَـحَّى يديه عن جَنْبَيْه، وجافى بـهما، حتى يُرى بياض إبطيه، ولو شاءت بَـهْمةٌ -وهي الشاة الصغيرة- أن تـمرَّ تحتهما لمرَّت، وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه، وكان يعتدل في سجوده، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وكان يبسط كفَّيه وأصابعه، ولا يُفرِّج بينها ولا يقبضها”.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 482.
2 رواه مسلم: 488، بنحوه.
3 رواه مسلم: 489.
4 رواه مسلم: 756.
5 رواه البخاري: 37، ومسلم: 759.
6 رواه البخاري: 812، ومسلم: 490.
7 رواه البخاري: 822، ومسلم: 493.
8 رواه مسلم: 486.
9 رواه ابن خزيمة في صحيحه: 654، بلفظ: “راصًّا عقبيه”، وقال الأعظمي: إسناده صحيح.
10 رواه مسلم: 494.

مواد ذات صلة