الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(89) صفة الصلاة- الدعاء بعد التشهد
|

(89) صفة الصلاة- الدعاء بعد التشهد

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث عن صفة الصلاة، وكنا قد تكلمنا في الحلقة السابقة، والتي قبلها عن الدعاء في التشهد والصلاة على النبي ، وألقينا الضوء على معانيهما.

الذكر الوارد بعد التشهد

ثم بعد فراغه من الصلاة على النبي ، يستعيذ بالله تعالى من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المـحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجَّال.

لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : أن النبي قال: إذا تشهَّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المـحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال [1].

قال الإمام مسلمٌ في صحيحه، بعدما أخرج هذا الحديث من عدة طرق، ومنها طريق طاوس عن ابن عباس: “أن النبي كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن” قال الإمام مسلم: “بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بـها في صلاتك؟ قال: لا، قال: أعد صلاتك؛ لأن طاوسًا رواه عن ثلاثةٍ أو أربعة”.

قال النووي رحمه الله معلقًا على ذلك: “وهذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء، والتعوُّذ، والحث الشديد عليه، وظاهر كلام طاوس رحمه الله أنه حمل الأمر به على الوجوب، وجمهور العلماء على أنه مستحبٌ وليس بواجب، ولعل طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه، والله أعلم”.

وهذا الدعاء دعاءٌ عظيم، ينبغي أن يحافظ عليه المسلم في كلٍ صلاةٍ يصليها، من فريضة أو نافلة.

ثم بعد ذلك يتخير المصلي من الدعاء ما أعجبه، كما جاء في حديث ابن مسعودٍ : أن النبي قال: ثم ليتخيَّـر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به [2]، متفقٌ عليه، وفي روايةٍ لمسلم: ثم يتخيَّـر من المسألة ما شاء [3].

السنة أن يكون الدعاء قبل التسليم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الأحاديث في الصحاح والسنن المسانيد تدل على أن النبي كان يدعو دُبَر صلاته قبل الخروج منها، وكان يأمر أصحابه بذلك، ولـم ينقُل أحدٌ أن النبي  كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة، هو والمأمومون جميعًا، لا في الفجر، ولا في العصر، ولا في غيرهما من الصلوات”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “عامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنـما فعلها فيها، وأمر بـها فيها، هذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبلٌ على ربه يُناجِيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه، والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟!”.

ويلاحظ أن بعض الناس لا يدعو في صلاته، ثم إذا انصرف من الصلاة وسلَّم منها، رفع يديه يدعو، وهذا من قلة الفقه: كيف يترك الدعاء في مقام المناجاة للرب ​​​​​​​، ثم إذا انصرف من مقام المناجاة رفع يديه يدعو؟!

فنقول: السنة أن يكون الدعاء في الصلاة؛ لأن النبي قد أرشد لذلك، وقال: ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه.. ثم يتخيَّـر من المسألة ما شاء.

ثم إن النظر يقتضي هذا: فما دام أن الإنسان في صلاةٍ، فإنه يناجي ربَّه، وإذا سلَّم انصرف من مقام المناجاة، وكونه يدعو في الحال التي يناجي فيها ربَّه، خيرٌ من كونه يدعو بعد الانصراف من مقام المناجاة.

ولهذا: تجد أن من العامة من يحافظ على الدعاء بعد النافلة محافظةً شديدة، حتى إن بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو في صلاة النافلة يسلم منها، وقبل أن يقوم لصلاة الفريضة يرفع يديه ويدعو، وكان الأجدر بـمن أراد أن يدعو أن يدعو وهو في مقام المناجاة، يدعو الله تعالى في صلاته قبل أن يسلِّم، لا أن يجعل الدعاء بعد الانصراف من الصلاة.

الأدعية المأثورة قبل التسليم

وينبغي عند الدعاء أن يحرص الداعي أن يدعو بـما ورد، ويتأكد ذلك بـما ورد من الأدعية في التشهد الأخير:

ومن ذلك: التعوُّذ بالله من أربع، كما سبق التعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المـحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجَّال.

ومن ذلك أيضًا: ما علمه النبي معاذًا، حين قال له: والله إني لأحبك، لا تدعنَّ أن تقول دُبُر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك [4].

ومن ذلك: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم [5]، وقد كان النبي يكثر من هذا الدعاء، فسأله سائل: ما أكثر ما تستعيذ بالله من المأثم والمغرم؟ فقال النبي : إن الرجل إذا غَرِم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف [6].

ومن ذلك أن يقول: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم [7].

ومن ذلك: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرَد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر [8].

ومن ذلك: أن يسأل الله الجنة، وأن يستعيذ بالله من النار، وقد صح عن النبي أنه قال: من سأل الله الجنة ثلاثًا، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استعاذ بالله من النار ثلاثًا، قالت النار: اللهم أعذه من النار [9].

ومن ذلك: الدعاء الجامع: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار وقد أخبر أنسٌ ، كما جاء في (صحيح البخاري) وغيره أن أكثر دعاء النبي هو هذا الدعاء. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار [10].

فهذا الدعاء يجمع للداعي خيري الدنيا والآخرة.

وبالجملة: فهذا المقام مقام دعاءٍ ومناجاةٍ للرب ​​​​​​​، فينبغي للمصلي أن يجتهد فيه بالدعاء، وأن يتخيَّـر من الدعاء ما شاء، وما أحب.

الدعاء بغير المأثور

ولكن: هل له أن يدعو بشيءٍ مـمَّا يتعلق بأمور الدنيا؟

منع من ذلك بعض الفقهاء، وقالوا: ليس له أن يدعو بشيءٍ مـمَّا يتعلق بأمور الدنيا، ولكن الصحيح: أنه لا بأس بذلك؛ وذلك لأن الدعاء نفسه عبادةٌ لله ​​​​​​​، ولو كان بأمور الدنيا، والإنسان محتاجٌ إلى ربه سبحانه، والنبي قال في حديث ابن مسعود لـمَّا ذكر التشهُّد: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء وأطلق عليه الصلاة والسلام، فيشمل ذلك الدعاء بأمور الدنيا والآخرة.

قال ابن القيم رحمه الله: “والمـحفوظ في أدعيته في الصلاة كلها بلفظ الإفراد، كقوله: رب اغفر لي وارحمني واهدني، وسائر الأدعية المـحفوظة عنه، ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث [11].

قال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عن حديث ثوبان: أن النبي قال: لا يؤمُّ عبدٌ قومًا، فيخص نفسه بدعوةٍ دونـهم، فإن فعل فقد خانـهم [12]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين، ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه”.

أيها الإخوة، هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 6375، ومسلم: 588.
2 رواه البخاري: 835، ومسلم: 402.
3 رواه مسلم: 402.
4 رواه أبو داود: 1522، والنسائي: 1303، وأحمد: 22126.
5, 6 رواه البخاري: 832، ومسلم: 589.
7 رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705.
8 رواه البخاري: 6374.
9 رواه أحمد: 13173.
10 رواه البخاري: 4522، ومسلم: 2690.
11 رواه البخاري: 6368، ومسلم: 589.
12 رواه الترمذي: 357، وابن ماجه: 923، وقال الترمذي: حديث حسن.

مواد ذات صلة