الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(168) أحكام الجنائز- اتباع الجنازة واستحباب الإسراع بها
|

(168) أحكام الجنائز- اتباع الجنازة واستحباب الإسراع بها

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

تكلمنا في حلقات سابقة عن جملة من أحكام الجنائز، ونختم الحديث عن أحكام الجنائز بهذه الحلقة والتي أتحدث فيها عن أحكام دفن الميت والتعزية؛ فأقول وبالله التوفيق:

اتباع الجنازة

يُسنُّ بعد الصلاة على الميت اتباع الجنازة إلى المقبرة، وأن يكون الراكب وراءها، والماشي قريبًا منها.

قال ابن القيم رحمه الله: “كان النبي إذا صلى على ميت يتبعه إلى المقابر ماشيًا أمامه، وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين من بعده، ويسُنّ لمن تبعها إن كان راكبًا أن يكون وراءها، وإن كان ماشيًا أن يكون قريبًا منها إما خلفها أو أمامها، أو عن يمينها أو عن شمالها.

استحباب الإسراع بالجنازة

والسنة الإسراع بالجنازة؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله قال: أسرعوا بالجنازة؛ فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم [1].

قال ابن القيم رحمه الله: “كان النبي يأمر بالإسراع بالجنازة، حتى إن كانوا ليرملون بها رملًا، وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالِفةٌ للسنة”.

قال النووي: “اتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يُخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيّره ونحوه فيتأنى”.

والحكمة من الأمر بالإسراع قد بيّنها النبي بقوله: فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم [2]، أيْ أن هذا لأجل الشفقة على الميّت إذا كان صالحًا، أو الشفقة على الحامل إذا كان الميت غير صالح.

حكم تغطية قبر المرأة

ومن أحكام دفن الميت أنه يُستحب تغطية قبر المرأة دون الرجل عند إدخالها في القبر؛ لأن ذلك هو أستر لها.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافًا بين أهل العلم؛ لأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيءٌ فيراه الحاضرون”.

اللحد أفضل من الشق

واللحد أفضل من الشق وإن كان الشق جائزًا، لكن الأفضل هو اللحد؛ لما جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: “الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا؛ كما صُنِع برسول الله [3]، رواه مسلم.

ومعنى اللحد: أن يُحفر للميت في قاع القبر حفرة من جهة القبلة ليوضع فيها، وأما الشق فمعناه: أن يُحفر للميّت في وسط القبر حفرة، ويُجعل الميّت في قبره على جنبه الأيمن جهة القبلة.

والسُنة أن يقول الذي يضعه في اللحد: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله كان إذا وضع الميت في القبر، قال: باسم الله، وعلى ملة رسول الله [4]، أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: “حديثٌ حسن”.

من يتولى إدخال المرأة في قبرها؟

ولا يُشترط فيمن يتولى إدخال المرأة الميتة في قبرها أن يكون من محارمها، بل يجوز أن ينزلها أيُّ شخصٍ ولو كان أجنبيًّا عنها، ويدل لذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: “شهدنا بنت رسول الله ورسول الله جالسٌ على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحدٍ لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله، قال: فانزل في قبرها، فنزل في قبرها فقبرها” [5]، أخرجه البخاري في صحيحه.

وقول النبي في هذا الحديث: هل فيكم من أحدٍ لم يقارف الليلة؟ قيل: المراد بالمقارفة ارتكاب الذنب والمعصية، وقيل: المراد الجماع؛ وهذا هو الأصح، بدليل أنه جاء في بعض الروايات أَنَّ النبي قال: هل منكم من رجلٍ لم يقارف أهله الليلة؟ قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: “المقارفة الوطء، لا مقارفة الذنب، ومعاذ الله أن يتزكّى أبو طلحة بحضرة النبي بأنه لم يقارف ذنبًا”.

وبناءً على هذا فالسنة فيمن يتولى دفن الميت أن يكون ممن لم يطأ أهله تلك الليلة، والله تعالى أعلم.

ويُستحب لمن عند القبر أن يحثو في القبر من التراب ثلاث حثيات بيديه؛ لحديث أبي هريرة : “أن رسول الله صلى على جنازة ثم أتى الميت، فحثى عليه من قِبَل رأسه ثلاثًا” أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسن.

حكم تسنيم القبر وتعليمه

ويُستحب رفع القبر عن الأرض نحو شبرٍ مسنّمًا؛ لحديث جابر : “أَنَّ النبي رُفِع قبره من الأرض نحو شبر” رواه ابن حبان، والبيهقي؛ بسندٍ حسن.

وتسنيم القبر أيْ: جعْله كالسنام بحيث يكون وسطه بارزًا على أطرافه وهو أفضل من تسطيحه؛ لما جاء في صحيح البخاري عن سفيان التمار، قال: “رأيت قبر النبي مسنّمًا”.

ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة ونحو ذلك ليعرفه بها، وقد نص على هذا الإمام أحمد رحمه الله؛ لما ورد أَنَّ النبي وضع حجرًا عند قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد دفنه.

ويحرم وطءُ القبور أو المشي عليها ولو كان لغرض دفن الميت، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : لئن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر [6].

والسُنّة بعد دفن الميت الاستغفار له والدعاء له بالتثبيت، فقد كان النبي إذا فرغ من دفن الميت، قال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل.

مشروعية تعزية أهل الميت

وتُشرع تعزية أهل الميت، وأحسن ما يُعزّى به أهل الميت هو ما ورد في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: “أرسلَتْ إلى رسول الله إحدى بناته أن صبيًّا لها قد احتُضِر فاشهدنا، فأرسل لها النبي يقرئها السلام، ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيءٍ عنده إلى أجلٍ مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها، فأتاها النبي ورفع الصبي إلى حجره ونفسه، أيْ نفْس الصبي، تقعقع، ففاضت عينا رسول الله ، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟! فقال عليه الصلاة والسلام: هذه رحمةٌ يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء [7]، متفقٌ عليه.

وهذه الصيغة من التعزية، وهي قوله: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده إلى أجلٍ مسمى، فلتصبر ولتحتسب، وإن وردت فيمن شارف الموت، فالتعزية بها فيمن مات من باب أولى، ولهذا قال النووي رحمه الله: “هذا الحديث أحسن ما يُعزّى به”.

ولو أتى المعزّي بعبارة أخرى تناسب المقصود فلا بأس، كأن يقول: أحسن الله عزاءك، أو يقول: جبر الله مصابك. ونحو ذلك من العبارات.

وننبِّه هنا إلى أن التعزية مرتبطةٌ بالمصيبة؛ ولهذا فلا بأس أن يُعزّى المصاب قبل دفن الميت، أما ما يعتقده بعض العامة من أن التعزية إنما تكون بعد الدفن فغير صحيح، ولا تتحدد التعزية بثلاثة أيام بل هي مرتبطة بالمصيبة، فمتى كان أثر المصيبة باقيًا فتُشرع التعزية، ولو كانت بعد الوفاة بأكثر من ثلاثة أيام.

والسنة أن يصنع أقارب الميت أو جيرانهم طعامًا لأهل الميت؛ لحديث عبدالله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قُتِل، قال النبي : اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم [8]، وصُنْع الطعام هنا إنما هو من أقارب أو جيران أهل الميت، لا من أهل الميت أنفسهم، أما صُنْع الطعام من قِبل أهل الميت أنفسهم للمعزّين فإن هذا لا يجوز؛ لقول جرير بن عبدالله : “كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة”.

هذا هو ما تيسر عرضه في هذه الحلقة؛ وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 2 رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944.
3 رواه مسلم: 966.
4 أبو داود: 2614، والترمذي: 1046.
5 رواه البخاري: 1342.
6 رواه مسلم: 971.
7 رواه البخاري: 1284، ومسلم: 923.
8 رواه أبو داود: 3132، وابن ماجه: 1610، وأحمد: 1751.