|

الصدقة فضائل وآداب

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فضل الصدقة

يقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف ثواب الصدقة والإنفاق في سبيل الله، فشبَّه حال إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها بحبة، أي بذرة قمح بذرت في أرض نقية، وتراب طيب، وسقيت فأنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، أي أن هذه الحبة أنتجت سبعمائة حبة، وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، وفي هذا إشارة إلى أن الصدقة والنفقة في سبيل الله ينميها الله تعالى لصاحبها إذا كانت عن إخلاص.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة -أي فيها خطام- فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله : لكَ بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة [1].

وقد يكون تضعيف أجر الصدقة بأكثر من سبعمائة ضعف إذا صحبها إخلاص عظيم، وإلى هذا الإشارة في قول الله تعالى في الآية السابقة: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ، وقول النبي : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه، وهو ولد الخيل الصغير حتى تكون مثل الجبل أو أعظم! [2].

الصدقة برهان على الإيمان

الصدقة دليل على صدق إيمان المتصدق، وبعده عن الرياء، ولهذا قال النبي : الصدقة برهان [3]، رواه مسلم.

قال النووي رحمه الله: “معنى الحديث أن الصدقة برهان، ودليل على صدق إيمان فافعلها؛ فإن المنافق يمتنع عنها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه.

ثم إن المال محبوب للنفوس، فإذا بذله الإنسان دل ذلك على صدق إيمانه؛ لأنَّ الإنسان لا يبذل ما يحب إلا إلى ما هو أحب”.

الصدقة سبب لدعوة الملائكة للمتصدق بالخُلْف

ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا [4].

ولهذا فإن بعض الصالحين يحرص على أن يتصدق كل يوم بصدقة وإن كانت يسيرة؛ لأجل أن ينال دعوة الملك له بالخلف.

كان مرثد بن عبدالله أبو الخير رحمه الله وهو من التابعين لا يمر به يوم إلا وتصدق فيه بشيء؛ رجاء دعوة الملك بالخلف، ورغبة في الثواب وأن يكون في ظل صدقته؛ وذات يوم رآه أحد الناس يحمل بصلًا، يريد أن يتصدق به، فقال: يا أبا الخير إن الله لم يوجب عليكَ هذا، فقال: أما إني لم أجد في البيت شيئًا أتصدق به غيره، وإني أردت ألا يمر علي يوم إلا تصدقت فيه بصدقة، إنه حدثني رجل من أصحاب النبي أن رسول الله قال: إن المؤمن يكون في ظل صدقته يوم القيامة [5].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة وهي أرض صلبة، فإذا شرجة من تلك الشراج أي: واد من الأودية قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبدالله، ما اسمك؟ قال: فلان، فإذا هو الاسم الذي سمع في السحابة، فقال: لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان، وذكر اسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلتَ هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثًا [6].

حرص السلف على الصدقة

وكان صحابة رسول الله كانوا سباقين إلى الخير، وما كان أعظم أجرًا وثوابًا كانوا أكثر حرصًا عليه، فكانوا يحرصون على الصدقة والبذل والإنفاق في سبيل الله، ولهم في هذا قصص كثيرة ومشهورة، ومن ذلك: قصة أبي طلحة فقد كان أكثر الأنصار مالًا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزل قول الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله : بخٍ بخٍ ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبني عمه [7].

وقد ذكر بعض أهل التراجم والسير: أن الناس أصابهم قحط في خلافة أبي بكر الصديق ثم قدمت المدينة عير لعثمان بن عفان من الشام، فلما جاءت فإذا هي موسوقة بُرًّا وزيتًا وزبيبًا فأناخت بباب عثمان ، فجاءه تجار المدينة، وقالوا له: بعنا من هذا الذي وصل إليك، فقال لهم عثمان : كم تربحونني على شرائي؟ قال: الدرهم درهمين، قال: أعطيتُ أكثر من ذلك، قالوا: نربحك أربعة، قال: أعطيت أكثر من ذلك، قالوا: نربحك خمسة، قال: أعطيت أكثر من ذلك، قالوا: ما في المدينة تجار غيرنا وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟! قال: الله ​​​​​​​، فإنه أعطاني بكل درهم عشرة، فهل عندكم زيادة؟! قالوا: لا، قال: فإني أشهدُ الله أني جعلت هذه العير وما حملت صدقة لله تعالى على الفقراء والمساكين.

من آداب الصدقة

للصدقة آداب ينبغي أن يلتزم بها من يريد التصدق، ومن أعظمها:

الإخلاص لله تعالى

فلا يريد بصدقته رياء ولا سمعة، ولا جزاء ولا شكورًا من أحد من البشر، وكلما كان الإخلاص أكثر كان الأجر أعظم.

وقد ذكر النبي سبعة يظلهم الله تعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم رجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، فهذا الرجل قد تصدق بصدقة وقد تكون بمبلغ يسير، لكن اقترن بها إخلاص عظيم فأخفى المتصدق هذه الصدقة إخفاء بحيث لو قدر أن اليد الشمال تبصر لما استطاعت أن ترى ما تصدقت به يمينه، فلا يريد بالصدقة رياء ولا يريد بها إلا وجه الله، فلا يريد من الفقير شكرًا أو يطلب منه دعاء: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:9].

كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا بعثت صدقة لفقير مع غلامها تقول له: انظر ما يدعون به، فادع لهم بمثله، فإذا قالوا: بارك الله فيكم، فقل: وفيكم بارك.

حفظ كرامة الفقير والمسكين

ومن آداب الصدقة: حفظ كرامة الفقير والمسكين، وعدم جرح كرامة الفقير والمسكين بكلمات مؤذية، أو بالمنة في الإعطاء يبطل أجر المتصدق تمامًا، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة:264].

ثم ضرب الله تعالى مثلًا لمن يتصدق ويلحق صدقته بالمنِّ والأذى، وأنه كالمرائي، فقال: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا [البقرة:264]، و “الصفوان”: الحجر الأملس، و “الوابل”: المطر الغزير.

أرأيت حجرًا أملس عليه تراب ونزل عليه مطر غزير هل يبقى شيء من هذا التراب؟ هكذا من يتصدق ويجرح كرامة الفقير بالأذى أو بالمنة يذهب ويبطل أجره تمامًا.

بل إن الصدقة التي لا تحفظ معها كرامة الفقير لا خير فيها، وخير منها أن لا يتصدق هذا الإنسان، وإنما يعتذر للفقير بكلام طيب، كما قال الله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263].

وبعض الناس قد يتصدق بصدقة مخلصًا لله تعالى فيها من غير أن يمتن بها على الفقير، لكنه يمتن عليه بها فيما بعد، وهذه المنة تبطل أجر الصدقة ولو كانت لاحقة، ولهذا قال الله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:262].

وقد استنبط بعض العلماء من قول النبي : لا حسد أي: لا غبطة إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق [8]، أي: إنفاقه في سبل الخير، وعبَّر بـ “هلكته” إشارة إلى أنه بإنفاقه انقطعت صلته به، فلم يلحق هذا البذل منًّا ولا أذى، كأنه أهلك هذا المال وأذهبه تمامًا.

المبادرة بالصدقة

ومن آداب الصدقة: المبادرة بها، وعدم التأخير والتسويف، ففي صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث : صليت وراء النبي صلاة العصر، فسلَّم ثم قام مسرعًا إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، فقال: ذكرتُ شيئًا من تبر أي: قطع من ذهب أو فضة، عندنا من الصدقة فكرهت أن يحبسني أي: أن أتأخر في قسمتها [9].

فينبغي للمسلم المبادرة إلى الصدقة والبذل، والإنفاق في سبل الخير، فإنه لا يدري متى يفجأه الموت: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:10-11].

أسال الله تعالى أن يوفقنا لهذا العمل الصالح، ولغيره من الصالحات الباقيات، وأن يعيننا على شكره وذكره، وحسن عبادته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1892.
2 رواه البخاري: 7430، ومسلم: 1014، من حديث أبي هريرة .
3 رواه مسلم: 223، من حديث أبي مالك الأشعري .
4 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.
5 رواه أحمد: 17333.
6 رواه مسلم: 2984.
7 رواه البخاري: 1461، ومسلم: 998.
8 رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816.
9 رواه البخاري: 851.