الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(187) أحكام الزكاة- شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار
|

(187) أحكام الزكاة- شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

تكلمنا في الحلقة السابقة عن أحكام زكاة الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وذكرنا أن الضابط فيما تجب فيه الزكاة هو وجوب الزكاة في الحبوب كلها، وفيما يُكال ويُدَّخر من الثمار، ونستكمل الحديث في هذه الحلقة عن بقية مسائل زكاة الحبوب والثمار، فأقول وبالله التوفيق:

زكاة الحبوب والثمار

شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار

يُشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان:

  • الأول: أن تبلغ نصابًا.
  • الثاني: أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة.

الشرط الأول: أن تبلغ نصابًا

أما الشرط الأول، وهو: أن تبلغ نصابًا فقد دلّت السنة على أن نصاب الزكاة في الحبوب والثمار خمسة أوسق.

كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد  أن رسول الله  قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة [1]، والوسْقُ ستون صاعًا، فيكون النصاب ثلاثمائة صاع، وتعادل بالكيلو جرامات ستمائة واثني عشر كيلو جرام تقريبًا.

فمن ملك هذا القدر من الحبوب أو ما يكال ويُدّخر من الثمار فعليه زكاته، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “تُعتبر الخمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنبًا لا يجيء منه خمسة أوسق زبيبًا لم يجب عليه شيء؛ لأنه حال وجوب الإخراج لم يبلغ نصابًا، فاعتُبر النصاب بحاله حينئذ”.

وتُضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فلو كان عند رجل بستانٌ بعضه يُجنى مبكرًا وبقيته يتأخر، فيُضمُّ بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، فإذا كان الأول نصف نصابٍ والثاني نصف نصاب وجبت فيه الزكاة، ولا يقال إن هذا قد جُذَّ قبل جذاذ الثاني، ومثل هذا يقال في الزرع، وكذا إذا كان عند إنسانٍ بساتين في مواضع متعددة فيُضمُّ بعضها إلى بعض، ومن ذلك أن بعض الناس يكون عنده أكثر من بيت ويغرس في مقدمة البيت أو في أسواره نخلاً، وإذا ضُمَّت ثمرة هذه النخيل كوّنت نصابًا، وهو كما سبق ستمائة واثنا عشر كيلو جرام، فتجب الزكاة في ثمر هذا النخل حينئذ.

ولا يُضمُّ جنسٌ إلى آخر في تكميل النصاب، فلا يُضمُّ البر إلى الشعير في تكميل النصاب، ولو كان عنده نصف نصاب بر ونصف نصاب شعير لم يُضمَّ أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب.

وأما أنواع الأجناس فيُضمُّ بعضها إلى بعضٍ في تكميل النصاب، قد حكى الموفق ابن قدامة رحمه الله اتفاق العلماء على ذلك، فلو كان عنده ثمر النخل من النوع السكري يقدَّر بثلاثمائة كيلو جرام، وثمر النخل من النوع البرحي يقدَّر بأربعمائة كيلو جرام، فيُضمُّ بعضها إلى بعض؛ وتجب فيها الزكاة.

وننتقل بعد ذلك للحديث عن الشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، وهو:

الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة

ووقت وجوب الزكاة في الثمار بدو الصلاح فيها، وأنها حينئذ تُقصد للأكل والاقتيات، ووقت وجوب الزكاة في ثمر النخل مثلًا هو: ظهور الصلاح في الثمرة بأن تحمرّ أو تصفرَّ، ووقت وجوب الزكاة في الحبوب هو أن تشتد بحيث إذا غُمِزت لم تنغمس، بل تكون مشتدة، فلا بد أن يكون الحبُّ أو الثمر مملوكًا له في هذا الوقت، فلو باعه قبل ذلك فلا زكاة عليه، ولو ملكه بعد ذلك فلا زكاة عليه.

وبناءً على ذلك لو أن رجلًا اشترى مزرعة بعد أن بدى الصلاح في ثمارها فلا يجب عليه زكاة هذا الثمر، وإنما تجب الزكاة على البائع؛ لأنه هو المالك لهذه الثمار وقت وجوب الزكاة.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “لو اشترى زرعًا بعد بدو الصلاح فيه أو ثمرة قد بدى صلاحها أو ملكها بجهة من جهات الملك لم تجب فيه الزكاة”.

هل تجب الزكاة إذا تلفت الحبوب والثمار بعد وضعها في البيدر؟

ولا يستقر وجوب الزكاة إلا بجعل الحبوب والثمار في موضع تجفيفها وتيبيسها، وهو ما يسمى بالبيدر، وذلك أن من عادة أهل الحرث أنهم إذا جذّوا الثمر جعلوا له مكانًا تُجمع فيه الثمرة أو الحبوب ليتكامل جفافها وتيبيسها، ويسمى هذا المكان الذي تُجمع فيه الثمرة بالمربد أو الجرين أو البيدر.

وبناءً على هذا إذا تلفت الحبوب والثمار بعد بدو الصلاح وقبل جعلها في البيدر فلا تجب عليه الزكاة، ما لم يكن ذلك التلف بسبب تعدٍ منه أو تفريط، أما إذا تلفت بعد وضعها في البيدر فإن الزكاة تجب عليه ولو كان التلف بغير تعدٍ منه ولا تفريط، وذلك لأنه قد استقر الوجوب في ذمّته فصارت الزكاة دينًا عليه، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة.

قال بعض العلماء: إذا تلفت الحبوب والثمار بعد وضعها في البيدر بغير تعدٍ منه ولا تفريط فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنه مجتهدٌ في حفظها ولم يحصل منه تعدٍ ولا تفريط، فهو كالأمين الذي يُحفظ المال عنده فإذا تلف المال عنده من غير تعدٍ ولا تفريط لم يضمنه.

وهذا القول الأخير هو القول الراجح في هذه المسألة والله أعلم، وهو الأقرب للأصول والقواعد الشرعية.

أحوال تلف الثمار والزروع

وعلى هذا يكون لتلف الثمار والزروع ثلاثة أحوال:

  • الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة، أيْ قبل اشتداد الحب وقبل بدو الصلاح في الثمر، فلا شيء على المالك مطلقًا، سواء تلف بتعدٍ أو تفريط، أو بدون تعدٍ ولا تفريط، وقد حُكي هذا إجماعًا؛ وذلك لأنه لم تجب الزكاة بعد.
    ويُلحق بهذه الحال ما إذا تُرك على رؤوس النخل فأصابته جائحة قبل الجذاذ فلا شيء على المالك، نص عليه الإمام أحمد، وحكاه ابن المنذر إجماعًا؛ وذلك لأنه قبل الجذاذ في حكم ما لم تثبت عليه اليد، بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع.
  • الثانية: أن يتلف الحب أو الثمر بعد وجوب الزكاة وقبل جعله في البيدر، فإن كان التلف بتعدٍ أو تفريطٍ ضمن الزكاة، وإن كان بلا تعدٍ ولا تفريطٍ لم يضمن.
  • الثالثة: أن يتلف الحب أو الثمر بعد جعله في البيدر، وقد سبقت الإشارة إلى خلاف العلماء في هذه المسألة، وأن من العلماء من قال تستقر الزكاة في ذمته فلا تسقط عنه حينئذ، ولو كان التلف بغير تعدٍ منه ولا تفريط، وذكرنا أن القول الراجح أن هذه الحالة كالحالة الثانية، وهو أنه إذا كان التلف بغير تعدٍ منه ولا تفريط لم يضمن وإلا ضمن.

والمالك مستأمنٌ على ما يبديه للسعاة الذين يبعثهم ولي الأمر لخرص الزكاة وأخذها من أرباب الحرث، سواءٌ في دعوى التلف أو في القدر.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “متى ادعى رب المال تلفها من غير تفريطه قُبِل قوله من غير يمين، سواء كان ذلك قبل الخرص أو بعده، ويُقبل قوله أيضًا في قدرها، وكذلك في سائر الدعاوى، قال الإمام أحمد: لا يُستحلف الناس على صدقاتهم، وذلك لأنه حقٌ لله تعالى فلا يُستحلف فيه كالصلاة والحد”.

هذا ما تيسر عرضه في هذه الحلقة؛ ونستكمل الحديث عن بقية أحكام زكاة الزروع والثمار في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1447، ومسلم: 979.

مواد ذات صلة