الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(74) أحكام الوقف- تعريفه وأدلته وحرص الصحابة عليه
|

(74) أحكام الوقف- تعريفه وأدلته وحرص الصحابة عليه

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

نتناول معكم في هذه الحلقة جُمْلة من المسائل المتعلقة بالوقف، نذكر ما تيسر من هذه المسائل في هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن بقية مسائل وأحكام الوقف في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى؛ ونبتدئ من التعريف، فنقول:

تعريف الوقف

الوقف معناه في اللغة: الحبس عن التصرُّف، يقال: وقَّفَ الشيء إذا حبّسه.

قال أبو السعادات ابن الأثير في النهاية: “يقال: وقَفْتَ الشيء أقِفُهُ وَقْفًا، ولا يقال فيه: أَوْقَفْتُ إلا على لغةٍ رديئة”.

وبمعنى الوقف الحبْس والتسبيل، يقال: وقّف الشيء وحبّسه وأحبسه وسبّله، كلها بمعنى واحد.

ومعناه في الاصطلاح: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.

والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات والبساتين ونحو ذلك.

والمراد بالمنفعة: الغلّة الناتجة عن ذلك الأصل، كالثمرة والأجرة ونحوها.

أمثلة على الوقف

ومن أمثلة الأوقاف: بناء المساجد، فإنه من أعظم ما يكون من الأوقاف، يقول النبي : من بنى لله مسجدًا بنى الله له به بيتًا في الجنة [1].

ومن ذلك أيضًا: أن يوقف عقارًا ويجعل ريعه للفقراء والمساكين، أو لتفطير الصائمين، أو لسقيا الحجاج… ونحو ذلك من أعمال البِرّ.

ومن ذلك أيضًا: وضع برّادات الماء على الشوارع والطرق العامة، وطباعة الكتب النافعة المفيدة، ونحو ذلك من مجالات الخير والإحسان، وهي كثيرةٌ ومتنوعة ولله الحمد، ولكن ما كانت حاجة الناس إليه أشد ونفعه أعظم كان أفضل وأكثر ثوابًا عند الله ​​​​​​​.

والأصل في الوقف: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي يستأمره فيها، فقال: “يا رسول الله! إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ فقال النبي : إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يُباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يُطعم صديقًا بالمعروف غير متموِّلٍ فيه” [2]، أيْ: غير متّخذٍ منها مالًا أيْ مُلكًا، والمراد: أنه لا يتملّك منها شيئًا بعد أن وقّفها.

وجاء في رواية عند البخاري: أن هذه الأرض التي أصابها عمر يقال لها: ثمغ، وكانت نخلًا [3].

وجاء في رواية في غير الصحيحين أن عمر أوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر [4].

وقد قيل: إن وقْفَ عمر هذا هو أول وقفٍ في الإسلام، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أول صدقة -أيْ موقوفة- كانت في الإسلام صدقة عمر [5].

وقيل: إن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام هي أراضي مخيريق التي وقّفها النبي ، فالله تعالى أعلم.

الأدلة على فضل الوقف

الوقْف مما اختص به المسلمون؛ قال الإمام الشافعي رحمه الله: “لم يحبس أهل الجاهلية، وإنما حبس أهل الإسلام، وهو من أفضل القربات والأعمال الصالحات التي يلحق المسلم أجرها وثوابها بعد موته، يقول النبي : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له [6]”، أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وقال النووي رحمه الله في بيان معنى الصدقة الجارية: “الصدقة الجارية هي الوقْف”.

وقد دلّ هذا الحديث على فضل الوقف؛ إذ أنه مما يلحق أجره وثوابه الإنسان بعد موته، ولربما يكون هذا الوقف عقارًا يبقى بعد موت الإنسان عشرات السنين، فهذا الموقف في عداد الأموات، ولكن ثواب وأجر هذا الوقف يلحقه ويستمر ذلك الثواب والأجر ما دام الوقف باقيًا، فما أعظم أجره، وما أعظم ثوابه، خاصة إذا كان الوقف فيما تشتد إليه حاجة الناس، ولهذا فقد أشار به النبي  على عمر  في أنفس مالٍ أصابه عمر، حيث قال عمر للنبي : يا رسول الله إني أصبت أرضًا لم أُصِب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ فأشار عليه النبي  بالوقف بقوله: إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها [7].

فدل هذا على أن الوقف من أفضل ما تُصرَّفُ له الأموال؛ إذ أن أجره وثوابه عظيمٌ جدًا، ونفعه وفائدته للمجتمع كبيرة.

حرص الصحابة على الوقف

ولذلك يقول جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: “لم يكن أحدٌ من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا وقّف”، وقد وقّف أنسٌ دارًا فكان إذا قدِم نزلها، ووقّف الزبير بن العوام دوره، وقال للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرّة ولا مُضرٍّ بها، فإن استغنت بزوجٍ فليس لها حق.

وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبدالله، واشترى عثمان بن عفان بئر رومة ووقّفها على المسلمين، جاء في بعض الروايات: “أن المهاجرين لما قدِموا المدينة استنكروا الماء، وكان لرجلٍ من بني غفار عينٌ يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بِمُدّ، فقال له النبي : أتبيعها بعينٍ في الجنة؟ فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان  فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي  فقال -أيْ عثمان : يا رسول الله أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: نعم، قال عثمان: قد جعلتها للمسلمين” كذا ورد في هذه الرواية كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في “الفتح”، ولكن الذي في صحيح البخاري عن عثمان  أن رسول الله  قال: من حفر رومة فله الجنة، فحفرتها [8].

قال ابن بطال رحمه الله: “هذا وهمٌ من بعض رواته، والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها”.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “لعل العين كانت تجري إلى بئرٍ فوسّعها عثمان وطواها، فنُسِب حفرها إليه”.

ينبغي لمن كان ذو مقدرة مالية على الوقف أن يبادر إليه، وأن يقتدي بأصحاب النبي  في ذلك؛ فإنهم كما قال جابر : “لم يكن أحدٌ منهم ذو مقدرة إلا وقّف”.

وإن من الناس من يملك الأموال الكثيرة لكنه لا يوفَّق للانتفاع منها في حياته ولا بعد مماته، بل هو في الحقيقة كالحارس القوي لهذه الأموال، يحرسها حراسة شديدة للورثة من بعده، بل ربما تكون هذه الحراسة الشديدة لهذه الأموال بدون مقابل، فما إنْ يموت إلا ويتهافت عليها الورثة ويتقاسمونها فيما بينهم، ولا يخرجون منها عن مورِّثهم شيئًا، فلهم غُنمها وعليه حسابها، فيبقى صاحب هذه الأموال محرومًا من الانتفاع بها في حياته، وأما بعد مماته فإنه ليس محرومًا من الانتفاع بها فحسب، بل ومحاسبٌ عليها أمام رب العالمين؛ فإن الإنسان يُسأل عن ماله سؤالان: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ هذه حال طائفة من الناس.

وبالمقابل فهناك من وفّقه الله ​​​​​​​ فهو في حياته يأكل من ماله ويُطعم ويهدي ويتصدق، ويوقف من هذا المال ما يلحقه ثوابه وأجره بعد وفاته، والسعيد من وعِظ بغيره، والشقي من اتَّعظ به غيره. والله تعالى المستعان.

ونستكمل الحديث عن بقية مسائل وأحكام الوقف في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 533.
2 رواه البخاري: 2772، ومسلم: 1632.
3 رواه البخاري: 2764.
4 رواه أحمد: 6978.
5 رواه أحمد: 6460.
6 رواه مسلم: 1631.
7 سبق تخريجه.
8 رواه البخاري: 2778.

مواد ذات صلة