الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(73) أحكام اللقطة- لقطة الحرم وأحكام اللقيط
|

(73) أحكام اللقطة- لقطة الحرم وأحكام اللقيط

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

كنا قد تكلمنا في حلقات سابقة عن أحكام اللقطة، وما يجوز التقاطه وما لا يجوز، وأن ما يجوزه التقاطه يجب تعريفه لمدة سنة، فإن جاء طالبه وإلا كان ملكًا لواجده؛ بيد أن نوعًا من أنواع اللقطة لا يحل التقاطه إلا لمن يعرّفه أبد الدهر وهو لقطة الحرم.

أحكام لقطة الحرم

قد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: “لما فتح الله على رسوله  مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحلّ لأحدٍ كان قبلي، وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحدٍ من بعدي؛ فلا ينفَّر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد[1].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “قوله : ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد أيْ معرِّف، وأما الطالب فيقال له الناشد تقول: نشدت الضالّة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرّفتها، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت، والمعنى: لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، أما من أراد أن يعرّفها ثم يتملكها بعد ذلك فلا”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “قوله : ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرّفها، وفي لفظ: ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد فيه دليلٌ على أن لقطة الحرم لا تُملَك بحال، وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا”.

أقوال الفقهاء في حكم التقاط لقطة الحرم

قال: “وقد اختُلِف في ذلك:

  • فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل والحرام سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم.
  • وقال أحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرّفها أبدًا حتى يأتي صاحبها، وهذا قول عبدالرحمن بن مهدي وأبي عبيد، قال: وهذا هو الصحيح والحديث صريحٌ فيه.

والمُنشد المعرِّف، والناشد الطالب، ومنه قول الشاعر: إصاخة الناشد للمنشد، وقد روى أبو داود في سننه أن النبي نهى عن لقطة الحاج، قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها..

قال ابن القيم: قال شيخنا -يريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى على الجميع-: وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك أن الناس يتفرّقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكّن صاحب الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من الدواب”.

والحاصل -أيها الإخوة- أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن يعرّفها أبد الدهر، وفي الوقت الحاضر أنشأت الدولة -وفّقها الله- مكاتب مختصة بحفظ المفقودات التي يُعثر عليها في الحرم، وحينئذ نقول: بإمكان من يجد لقطةً في الحرم أن يسلمها لتلك المكاتب خاصة إن خشي ضياعها لو لم يلتقطها.

أحكام اللقيط

هذا هو ما تيسر ذكره من أحكام اللقطة، ويذكر الفقهاء أحكام اللقيط بعد أحكام اللقطة؛ وذلك للعلاقة الكبيرة بينهما؛ إذ أن اللقطة تختص بالأموال الضائعة واللقيط: هو الإنسان الضائع، مما يظهر به شمول أحكام الإسلام لكل متطلبات الحياة، وسبقه في كل مجالٍ نافعٍ مفيد؛ فالإسلام اعتنى بأمر اللقيط وقرر له حقوقًا.

تعريف اللقيط وحكم أخذه

ويُعرِّف الفقهاء اللقيط بأنه: طفلٌ لا يُعرف نسبه ولا رِقّهُ، نُبذ أو ضلّ.

فيجب على من وجده على تلك الحال أن يأخذه.. يجب ذلك وجوبًا كفائيًّا.

ومعنى قولنا: وجوبًا كفائيًّا، أيْ: أنه إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الجميع أثموا.

وما وجِد مع اللقيط من المال أو وجِد حوله فهو له عملًا بالظاهر؛ ولأن يده عليه فينفق عليه ملتقطه بالمعروف لولايته عليه.

أما إن لم يوجد مع اللقيط شيء أُنفق عليه من بيت مال المسلمين؛ لقول عمر للذي أخذ اللقيط لما وجده: “اذهب فهو حرٌ لك ولاؤه، وعلينا نفقته”، ومعنى “ولاؤه” أيْ: ولايته، ومعنى “وعلينا نفقته” أيْ: أن نفقته تكون من بيت مال المسلمين.

وفي الوقت الحاضر يوجد دورٌ للرعاية الاجتماعية ورعاية اللقطاء، فبإمكان من وجد لقيطًا أن يسلّمه لتلك الدور لتتولى هي بدورها الإنفاق عليه ورعايته.

دِين اللقيط وحكم ميراثه

وأما حكم اللقيط من ناحية الدين:

أنه إن وجد في دار الإسلام أو بلد كفار يكثر فيها المسلمون فهو مسلم؛ لقول النبي : كل مولود يولد على الفطرة. [2].

أما إن وجد في بلد كفار خالصة، أو يقل فيها عدد المسلمين فهو كافرٌ تبعًا لتلك الدار.

وأما ميراث اللقيط إذا مات وديته إذا جُني عليه بما يوجب الدية فيكونان لبيت المال -إذا لم يوجد من يرثه من ولده-، وإن كان له زوجةٌ ولم يكن لها ولد فلها الربع، والباقي لبيت المال.

وأما ولي اللقيط في القتل العمد العدوان فهو الإمام، أيْ: حاكم الدولة المسلمة، فيخيَّر الإمام حينئذ بين القصاص والدية لبيت المال؛ لأن الإمام يُعتبر ولي من لا ولي له.

وإن أقرَّ رجلٌ أو أقرّت امرأةٌ بأن اللقيط ولده أو ولدها فإنه يُلحق به نسبًا؛ لأن في ذلك مصلحةٌ له باتصال نسبه ولا مضرّة على غيره فيه، والشريعة الإسلامية تتشوّفُ لحفظ الأنساب.

واللقيط وإن كانت ولايته لواجده كما قال عمر ، إلا أنه يبقى أجنبيًّا عنه، فإذا بلغ اللقيط مبلغ الرجال؛ وجب على نساء واجده من زوجةٍ وبناتٍ ونحوهن أن يحتجبن عنه، وبهذا يُعلم خطأ ما قد يوجد من التساهل من بعض الناس في هذا الأمر، واعتبار هذا اللقيط كالابن لهم، وعدم احتجاب نساء أهل البيت عنه.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم في الحلقة القادمة على خيرٍ إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2434، ومسلم: 1355.
2 رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2685.

مواد ذات صلة