الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(76) أحكام الوقف- شروط صحته وحكم فسخه
|

(76) أحكام الوقف- شروط صحته وحكم فسخه

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

حديثنا في هذه الحلقة استكمالٌ لما كنّا قد بدأنا به في الحلقة السابقة والتي قبلها، عن مسائل وأحكام الوقف، ونبدأ الحديث في هذه الحلقة بشروط صحة الوقف.

شروط صحة الوقف

  • الشرط الأول: أن يكون الواقف جائز التصرُّف، بأن يكون بالغًا، حرًّا، رشيدًا، فلا يصح الوقف من الصغير، ولا من السفيه، ولا من المملوك.
  • الشرط الثاني: أن يكون الموقوف مما يُنتفع به انتفاعًا مستمرًّا مع بقاء عينه، كالعقار والأثاث وكالمصحف وكتب العلم النافعة ونحو ذلك.

أما ما لا يبقى بعد الانتفاع به كالمطعومات والمشروبات ونحوها فلا يصح وقفها.

وقف الدراهم والأوراق النقدية

وأما الدراهم ونحوها من الأوراق النقدية فهل يصح وقفها؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فمنهم من ذهب إلى عدم صحة وقف النقود وهو المشهور من مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.

وذهب المالكية إلى صحة وقف النقود، وهو رواية عند الحنابلة، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وهذا القول الأخير هو الأظهر في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-؛ لأن تحبيس الأصل يكفي فيه معناه وهو متحققٌ في وقف النقود؛ فإن قيمتها باقية وذاتها غير مقصودة، ولذلك فإنها لا تتعيّنُ بذاتها عند التعيين.

وبناءً على هذا القول يمكن للمسلم أن يوقف مبلغًا من النقود لإقراض المحتاجين فينتفع به عددٌ كبيرٌ منهم، فيأخذ هذا المبلغ محتاجٌ ثم يردُّه ويأخذه محتاجٌ آخر وهكذا.

بل يمكن أن تؤسَّس جمعيات خيرية لإقراض المحتاجين أو الراغبين في الزواج ونحو ذلك، ويوضع في تلك الجمعيات نقودٌ توقَفُ على تلك الجهات الخيرية.

  • الشرط الثالث: أن يكون الوقف على جهة برٍّ؛ كالمساجد والفقراء والمساكين ونحو ذلك؛ لأن المقصود منه التقرُّب إلى الله تعالى، فلا يصح الوقف على غير جهة بر؛ كالوقف على الأضرحة لتنويرها أو تبخيرها ونحو ذلك؛ لأن في هذا إعانةٌ على المعصية والوقوع في الشرك، ولا يصح الوقف على كل ما كان فيه معصيةٌ لله ​​​​​​​.
  • الشرط الرابع: وهو خاصٌ بما إذا كان الوقف على معيَّن فيُشترط أن يكون ذلك المعيَّن يملك ملكًا ثابتًا؛ لأن الوقف تمليكٌ فلا يصح على من لا يملك، فلا يصح الوقف إذًا على الحيوان ولا على الميّت.
  • الشرط الخامس: أن يكون الوقف ناجزًا، فلا يصح الوقف المؤقّت ولا المعلّق، إلا إذا علّقه على موته صحّ ذلك، كأن يقول: إذا متُّ فبيتي وقفٌ على الفقراء.

ولكن لو وقف هذا المعلَّق على الموت يكون حكمه حكم الوصية، فلا يكون إلا من ثلث المال، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوقف يصح مع التعليق مطلقًا، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولعله القول الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وبناءً على هذا فمن قال: إن شفى الله مريضي فبيتي وقفٌ على الفقراء والمساكين، فلا يصح هذا الوقف على القول الأول لكونه معلّقًا بشرط، وبناءً على القول الثاني وهو القول الراجح يصح ذلك الوقف.

حكم فسخ الوقف وبيعه ونقله

والوقف من العقود اللازمة بمجرد القول؛ لقول النبي : لا يُباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، [1]، قال الترمذي: “العمل على هذا الحديث عند أهل العلم”.

وبناءً على ذلك: لا يجوز فسخ الوقف مطلقًا، ولا يُباع ولا يُناقل به إلا أن تتعطّل منافعه بالكلية، كدار انهدمت ولم يُمكن عمارتها من ريع الوقف، أو أرضٍ زراعية خرِبت وعادت مواتًا ولم يمكن عمارتها، بحيث لا يكون في ريع الوقف ما يعمرها فيباع الوقف الذي هذه حاله ويُصرف ثمنه في مثله؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف.

فإن تعذّر مثله كاملًا صُرِف في بعض مثله، ويصير البديل وقفًا بمجرد شرائه، وقد روي أن عمر بن الخطاب  كتب إلى سعد بن أبي وقاص ، لما بلغه أنه قد نُقِب بيت المال الذي بالكوفة، كتب إليه: أن انقل المسجد الذي بالتمّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنه لن يزال في المسجد مصلٍ.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا”.

ولكن إذا لم تتعطل منافع الوقف بالكلية، ولكن كان في نقله مصلحة فهل يجوز ذلك؟ هذا محل خلافٍ بين العلماء، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، اختار جواز المناقلة بالوقف إذا كان في ذلك مصلحةٌ راجحة، بشرط أن يكون صادرًا ممن له الولاية على الوقف من جهة الواقف أو من جهة الحاكم.

حكم صرف الزائد منه في موضع آخر أو التصدق به

وإن كان الوقف على مسجدٍ فلم يُنتفع به في موضعه، أو أنه كان زائدًا عن حاجة المسجد جاز صرف الزائد إلى مسجدٍ آخر؛ لأنه انتفاعٌ به في جنس ما وقِف له.

وتجوز الصدقة بالزائد من غلّة الوقف على المسجد على الفقراء والمساكين، ونوضح هذا بالمثال:

هذا رجلٌ أوقف قطعًا من الفرش على مسجدٍ من المساجد، ثم إن ذلك المسجد استغنى عنه إما لأنه أُعيد فرشه من جديد، أو لأن بعض تلك القطع كانت زائدةً عن حاجة المسجد، فإنها في هذه الحال تُصرف إلى مسجد آخر وإن لم يتيسر ذلك فيُتصدَّق بها على فقراء المسلمين، وقد روي أن عائشة رضي الله عنها كانت تأمر شيبة بن عثمان الحجبي بأن يبيع ثياب الكعبة، وأن يجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وهذه قضيةٌ مثلها ينتشر ولم تُنكر فتكون إجماعًا”.

وقال الإمام أحمد في مسجدٍ قد بُني فبقي من خشبه أو قصبه أو شيءٍ من نقضه قال: “يُعان به في مسجدٍ آخر”.

قال المروذي: “سألت أبا عبد الله -يريد الإمام أحمد- عن حُصُر المسجدِ إذا فَضَل منها شيءٌ أو الخشبة؟ فقال: يُتصدَّق به”.

والحاصل: أن ما فضُل عن حاجة المسجد من أيِّ شيءٍ كان؛ فإنه يُصرف إلى مسجدٍ آخر أو يُتصدَّق به على المساكين، والأولى ألا يُتصدَّق به إلا عندما لا يتيسر صرفه إلى مسجدٍ آخر خروجًا من الخلاف بين العلماء في ذلك.

قال صاحب الإنصاف رحمه الله: “وعنه -أيْ عن الإمام أحمد- يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، واختاره الشيخ تقي الدين -يريد شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمة الله تعالى على الجميع”.

أسأل الله ​​​​​​​ أن يرزقنا الفقه في الدين، والسداد في القول والعمل.

ويتجدد بكم اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2772.

مواد ذات صلة