الخثلان
الخثلان
حول كتاب الفجر الصادق بين تحديد القرآن وإطلاق اللغة
21 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 5216

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد: 

فقد اطلعت على كتاب (طلوع الفجر الصادق بين تحديد القرآن وإطلاق اللغة) للدكتور إبراهيم الصبيحي، وقد طلب مني إبداء الرأي فيه بحكم اهتمامي بهذه المسألة، وقبل أن أبين رأيي أشير هنا إلى أن فضيلة الشيخ إبراهيم صاحب علم وفضل وتربطني به علاقة محبة ومودة، لكن هذا لا يمنع من إبداء بعض ما اشتمل عليه الكتاب من ملاحظات، ويمكن إجمالها في الآتي:

1- الهدف الرئيس من هذا الكتاب هو تصحيح التقويم (تقويم أم القرى) في توقيت صلاة الفجر، والمؤلف وفقه الله لم يرصد الفجر ولو لمرة واحدة، وهذا مأخذ كبير إذ كيف يؤلف كتابًا في موضوع وهو لم يقف عليه عملياً.

2- نقل المؤلف نقولات في تعريف الفجر، ومنها مانقله عن القرطبي ص 56 قال الجمهور: "الحد الذي بتبينه يجب الإمساك: ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار"، وعن ابن جرير الطبري: "وأولى التأولين في الآية التأويل الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّما ذلِكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيلِ» (صحيح الترمذي [2970])" ونقولات أخرى في هذا المعنى، وهذه النقولات تكاد تتفق في تعريف الفجر بل أشار الموفق ابن قدامة إلى الإجماع في هذه المسألة حيث قال: "وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله"، وهذا التعريف للفجر هو الذي اعتمدته لجنة مشروع الشفق في دراستها، وما ذكره المؤلف في عدة مواضع من الكتاب أن اللجنة اعتمدت في تعريف الفجر على الضوء المنتشر الذي يكون على رؤوس الجبال ويملأ البيوت والطرقات غير صحيح البتة، ولو كان هذا هو التعريف للفجر لما خرجت اللجنة خارج مدينة الرياض (أكثر من 150كم) لرصد الشفق ولكان الرصد داخل المدينة، ولما احتاج إلى أن نقوم بتصويره (بكاميرات) ذات حساسية عالية، وكان بودي أن يتثبت المؤلف من النسبة قبل أن يثبتها في كتاب خاصة وأن من ينسب لهم هذا الرأي أحياء يرزقون!!، لكن يبدو أن المؤلف اعتمد في هذه النسبة على ماذكر في المذكرة من آثار عن بعض السلف وبعض العلماء تدل على تسامحهم في الإمساك للصيام، والعجيب أن المذكرة نفسها -التي اعتمد عليها المؤلف في النسبة- قد عقد مبحث في تعريف الفجر (المبحث الثاني ص 6، 7)، وهو يبين بجلاء التعريف الذي اعتمدت عليه اللجنة وقد أغفل المؤلف هذا، وأخذ ما ذكر عن بعض السلف في هذا واعتبره التعريف الذي اعتمدت عليه اللجنة!

3- لم يتطرق المؤلف للفجر الكاذب مع أنه يفترض فيمن ألف كتابًا عن الفجر الصادق أن يتعرض لبيان حقيقة الفجر الكاذب وأوصافه؛ لأن سبب الإشكالية في توقيت صلاة الفجر هي اشتباه الفجر الكاذب بالفجر الصادق، ولذلك فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاغترار بالفجر الكاذب، وبين أن له سطوعًا قد يغر من لا يعرفه فيظن أنه الفجر الصادق فقال: «ولا يَغُرَّنَّكُمُ الساطعُ المُصْعِدُ وكُلُوا واشربوا حتى يَعْتَرِضَ لكم الأحمرُ» (صحيح ابن خزيمة [1930])، ولذلك فقد وقع بسبب هذا الاشتباه بعض معدي التقاويم في الخطأ في تحديد وقت صلاة الفجر، وقد أنكر بعض العلماء الاعتماد على الدرجات الفلكية دون التحقق من طلوع الفجر، ومنهم القرافي المالكي في كتابه الفروق، وأشار إليه الحطاب في مواهب الجليل، وكذا الحافظ ابن حجر وغيرهم، والعجيب أن المؤلف وفقه الله يستدل على صحة التقويم بصحته في شروق الشمس وغروبها! يقول (ص8): "وكان... يطلب من يخرج معه إلى الصحراء ليريهم الخلل... وكنت على خلاف معه لما أراه من انضباط التقويم في تحديد وقت شروق الشمس ووقت غروبها كما أن التقويم منضبط في بقية أوقات الصلاة.."، وهذا الاحتجاج عجيب إذ أن وقت شروق الشمس وغروبها لا إشكال فيه وتتفق عليه جميع التقاويم العالمية لكونه مربوطًا بعلامة حسية ظاهرة، ومثله بقية أوقات الصلوات، لكن الفجر يحصل في الاشتباه -كما أشار لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- بسبب اشتباه الفجر الكاذب –الذي يكون له سطوع قوي في بعض ليالي السنة- بالفجر الصادق، ولذلك أناط الله الحكم بالتبين: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} [سورة البقرة، الآية: 187].

4- نقل المؤلف في (ص19) عن شعبان قزامل مقالاً واستحسنه حيث قال: ".. وقد استحسنت ماكتبه.." رغم أن الكاتب قال (كما في ص 26): "..أما الأسباب التي دعت غالب الدول الإسلامية إلى تبني نظام 18 درجة رغم أن كل الأبحاث أثبتت أنه خطأ هي أن السائد بين الناس أن وقت العشاء يجب أن يكون بعد ساعة ونصف..."، وإذا كانت كل الأبحاث أثبتت خطأ وضع الفجر على درجة 18 فإن تقويم أم القرى على درجة 19 (أي أنه أسبق بـ 4 دقائق تقريبًا)، وهذه النتيجة التي نقلها عن الكاتب: "ولم يعلق عليها بل استحسن مقال الكاتب" تعود بالنقض على النتيجة التي يريد أن يصل إليها المؤلف من أصلها!!

5- نقل المؤلف نقولات تحتاج إلى مزيد تثبت، ومنها: ما أورده (في ص15) حول اللجنة الفلكية (المرحلة الثانية لدراسة الشفق) وأنها رأت أن الفجر يطلع عند درجة 18ونصف، وقد سألت رئيس اللجنة الدكتور زكي المصطفى فنفى صحة هذه المعلومة، وأن اللجنة المشار إليها لم تحدد طلوع الفجر بدرجات، كما أنه نقل عن عبد الله الخضيري أنه رصد الفجر وأنه يتقدم على التقويم ما بين دقيقتين إلى خمس مع أن الأخ عبد الله سبق أن ذكر لي أنه وجد الفارق 12 دقيقة، كما أنه نسب الرأي بتصحيح تقويم أم القرى للدكتور صالح العجيري (كما في ص11) وهذه النسبة غير صحيحة، فإن الدكتور العجيري يرى أن الفجر يطلع على درجة 18 كما نقل ذلك عنه في آخر الكتاب (ص147) وكما أفادني بذلك وبنى عليه تقويمه، ومعلوم أن تقويم أم القرى على درجة 19، وليس على 18.

6- (في ص56) قال المؤلف: "فالواجب الحذر من الوقوع فيما جعله الله حدًا فلا يجوز الأكل والشرب بعد وجود الضوء، إن من لم يلتزم بهذا الحد الذي بيّن الله وصفه في القرآن يخشى عليه أن يكون من الواقعين في حدود الله" لكن المؤلف لم يوفق لفهم معنى الآية حيث قال (ص 53): "فالآية تدل على أن أول إضاءة في المشرق تعتبر فجرًا مهما كانت صغيرة" وهذا إنما يصح لو أن الله قال حتى يطلع الخيط الأبيض، ولكن الآية أناطت الحكم بالتبين: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة، الآية: 187]، ثم لماذا نظر المؤلف لمسألة الأكل والشرب لمن أراد الصيام، ولم ينظر لمسألة أداء صلاة الفجر قبل وقتها، وأيهما أولى بالاحتياط؟!، ومن المقرر عند العلماء أن من أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر صح صومه، بينما من صلى شاكاً في دخول الوقت لم تصح صلاته، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: "إن من صلى من غير دليل مع الشك لم تجزئه صلاته" (المغني [2/31]).

هذه هي أبرز الملحوظات، وثمة ملحوظات أخرى دونتها عندي لايتسع المقام لسردها. 

أسأل الله أن يهدينا جميعًا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.