الخثلان
الخثلان
الدرس 5 نوازل الحج
20 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 866
التصنيف: فقه النوازل

فقه النوازل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا.

نبدأ أولا بدرس فقه النوازل، ولا زلنا في النوازل بالحج.

نبدأ بنازلة متعلقة بالانصراف من عرفات إلى مزدلفة، متعلقة بالمبيت بمزدلفة، وذلك أن الناس قديما الحجاج لم يكونون بهذه الكثرة التي أصبح عليها الآن، كان عددهم قليلا، والذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم معظم الصحابة كانوا قرابة مائة ألف فقط، وذكر الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – ذكر أنه أول ما حج يقول: كنا نطوف ونقبل الحجر الأسود في كل شوط، وكنا في منى نرى من يرمي الجمرات ونحن بعيدون، ونحن عند مسجد الخيف، وكان وبين كل خيمة وخيمة مسافة بعيدة، ويجعلون حولها حطبا، فيقل لم يكن الناس كثيرون، كان الحجاج قليلون، فبعض المسائل التي نوردها الآن هي تعتبر نوازل باعتبار أنها لم تكن موجودة قبلها، فكان الحجاج عند الدفع من عرفات إلى مزدلفة يصلون جميعهم ولا يتأخر أحد عند طلوع الفجر فضلا عن طلوع الشمس.

 أما الآن فقد أصبح عدد ليس بالقليل من الحجاج يصيبهم زحام السيارات فلا يتمكنون من الوصول إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، فما حكم هؤلاء إذا لم يتمكن الحاج من الوصول إلى مزدلفة بعد طلوع الشمس بسبب زحام السيارات؟ أو أنه وصل لكن لم يستطع دخول مزدلفة بسبب كثرة الحجاج؟ فإن مزدلفة تمتلئ ولا يستطيع بعض الحجاج دخولها، وقد أوردت هذا من خلال أسئلة الناس واستفتاءاتهم في الحج، فبعض الحجاج يقول أنه لم يستطع دخول مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وبعضهم يقول إنه وصل وهو يرى مزدلفة أمامه لكن لم يستطع أن يدخلها بسبب كثيرة البشر، امتلئ الصفوف وأصبح لا يجد مكانا في مزدلفة، حتى في العام الماضي مع وجود القطار أتى إلينا مجموعة كبيرة من الحجاج وطرحوا هذا السؤال، وكثرة الحجيج تبعا لكثرة البشر، فإن سكان الكرة الأرضية كان قبل مائة وخمسين عاما كان عددهم يقدر تقريبا بمليار، خلال المائة وخمسين عاما الماضية تضاعف سكان الأرض سبع مرات، فأصبح عدد سكان الأرض يقدر بسبعة مليارات، تضاعف أعداد البشر تضاعف معه أعداد المسلمين، ولما تضاعف أعداد المسلمين، تضاعفت أعداد الحجيج، والتضاعف أيضا مرشح متوقع والله أعلم في الأعوام القادمة أكثر، ولذلك سبعة مليارات، يقولون بعد كذا سنة يتوقع أن تصل تسعة مليارات، وهذا فيه إشارات في بعض النصوص، في بعض الأحاديث، وردت إشارات لهذا، عند حرب الملحمة الكبرى بين المسلمين والروم ذكر في الحديث أعداد كبير لجيش المسلمين، وأن الجيوش تكون بالملايين، فهذا فيه إشارة لهذا، ولله تعالى الحكمة البالغة في ذلك.

 فنحن الآن أمام نازلة، الحجاج ما استطاعوا الوصول إلى مزدلفة إلى بعد طلوع الشمس، قبل أن نبحث هذه النازلة نشير إلى حكم المبيت في مزدلفة؟

فقد اختلف أهل العلم في حكم المبيت في مزدلفة، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه واجب، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء، وهو قول الحنفية على الصحيح من مذهبهم، وكذلك الشافعية، والحنابلة، وكذلك أيضا المالكية، المذاهب الأربعة على هذا.

والقول الثاني: أنه سنة، قال به بعض الشافعية، ليس واجبا.

والقول الثالث: أنه ركن من أركان الحج، وهو قول عند الحنفية، ومروي عن ابن عباس، وابن الزبير، واختاره ابن المنذر، وهو قول الظاهرية.

أما الجمهور القائلون أن المبيت بمزدلفة واجب، استدلوا بحديث عروة بن مضرس ففيه: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، فقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه».

عروة بن مضرس الطائي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفي مزدلفة، قال يا رسول الله: «ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج؟ قال: عليه الصلاة والسلام مقولته هذه» القصة صحيحة، أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وهو حديث صحيح.

وكذلك حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك» وأيضا عند أصحاب السنن، وهو حديث صحيح.

ومن أدلتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بمزدلفة وقال: «خذوا عني مناسككم» ورخص للضعفة في الانصراف بمزدلفة آخر الليل، والرخصة لا تكون إلا بأمر واجب، ولو كان المبيت بمزدلفة ليس واجبا لما كان هناك رخصة؛ لأن الترخيص لا يكون من الأمر المستحب، إنما يكون من الأمر الواجب.

أما من قال إن المبيت بمزدلفة أنه مستحب وليس واجبا فقالوا: إن المبيت ليس بنسك مقصود لذاته، وإنما هو مكان يستريح فيه الحاج ليستعد به بنسك آخر، وهي أعمال يوم النحر، يقولون: إن مزدلفة تقع بين عرفات ومنى، فالحاج يجلس فيها لأجل أن يستريح، وما كان كذلك فليس بنسك، والدليل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم: لم يحيى ليلة مزدلفة، وإنما نام طيلة الليل، ولو كانت نسكا لأحيائها.

والقول الثالث: أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج، وهذا قول عند الحنفية، من قال بالركنية استدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ  والمقصود بالمشعر الحرام: مزدلفة.

واستدلوا بحديث عروة بن مضرس الطائي السابق: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع –يعني ووقف معنا في مزدلفة - فقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» قالوا: فمفهومه أن من لم يقف بمزدلفة حتى يدفع الإمام لم يقضي حجه.

والقول الراجح والله أعلم هو القول الأول وهو أن المبيت بمزدلفة واجب وليس سنة.

 وأضعف الأقوال القول بأنه ركن، وذلك لأن الركن لو كان ركنا لم يرخص النبي عليه الصلاة والسلام للضعفة، الركن لا تكون فيه رخصة، فترخيصه عليه الصلاة والسلام دليل على أنه ليس ركنا.

ثم أيضا مما يدل على ذلك أن العلماء قد أجمعوا أن من بات بمزدلفة ليلا، ثم دفع قبل الصبح أن حجه تام، فإذا كان ترك الوقوف مع الإمام لا يفسد حجه فكذلك ترك الوقوف بمزدلفة مطلقا.

أما حديث عروة بن مضرس فقد تم حجه أي: أتى به على الوجه الأكمل، بدليل أنه لم يصلي صلاة الصبح مع الإمام لكان حجه تاما بالإجماع، فلا يؤخذ إذا الحديث على ظاهره«من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع» إذا لم يشهد الصلاة ولم يقف مع الإمام حتى يدفع حجه تام بالإجماع، فدل على هذا على أن المبيت بمزدلفة أنه ليس ركنا.

وأما أدلة القائلين بأنه مستحب فلا يسلم لهم بأن المبيت بمزدلفة ليس نسكا، بل هو نسك، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بمزدلفة، وبات معه الصحابة، وقال: «خذوا عني مناسككم» ولم يفرق بين فعل وفعل، وقولهم أن الحاج يجلس فيه إلا الراحة هذا غير مسلم، وكلام لا دليل عليه، إنما يجلس فيه لأنه نسك، ومما يدل على أنه نسك أن الله تعالى أمر به بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِفكيف لا يكون نسكا وهو قد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم.

وبهذا يتبين أن أرجح الأقوال في هذه المسألة هو الذي عليه أكثر العلماء قديما وحديثا هو القول بأن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج.

بعد ذلك نعود لمسألتنا للنازلة التي بين أيدينا وهي: إذا قلنا أن المبيت بمزدلفة واجب، هذا الحاج الذي لم يستطع أن يصل إلى مزدلفة وقد اجتهد لكن بسبب الزحام لم يستطع أن يصل إلا بعد طلوع الشمس فماذا عليه؟

ذهب بعض أهل العلم أنه من أحصر عن واجب فإن عليه دم، فقالوا هذا حكمه حكم المحصر، وهو قد أحصر عن واجب فيكون عليه دم.

وقالوا كما أن من أحصر عن النسك كاملا أحصر عن الحج فإنه يرق دما كما قال عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قالوا: فكذلك من أحصر عن واجب من واجبات الحج فيكون عليه دم.

والقول الثاني في المسألة: أن هذا الذي قد حبس ولم يستطع أن يصل إلى مزدلفة لا شيء عليه، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين، وممن أفتى بذلك: سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى – وأيضا عليه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

واستدل أصحاب هذا القول إن المبيت بمزدلفة واجب، والواجبات تسقط بالعجز عنها، وإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فكذلك الواجبات، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

أرأيت أركان الصلاة إذا عجز الإنسان مثلا عن القيام في صلاة الفريضة سقط القيام عنه، إذا عجز عن شرط من شروط الصلاة، إذا عجز مثلا عن الطهارة، سقط عنه، فإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها فكذلك الواجبات، والمبيت بمزدلفة غاية ما فيه أنه واجب فيسقط بالعجز عنه.

وذكر الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – توجيها آخر فقال: إن هؤلاء الذين أحصروا أحصروا رغما عنهم، فيكون وصولهم إلى مزدلفة بعد زوال الوقت كقضاء الصلاة بعد خروج وقتها للعذر.

 هؤلاء الذين أحصروا هم يعتبرون كالذين عذروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتها، فإنهم يقضونها بعد الوقت، فمن نام مثلا عن صلاة الفجر، وهو قد اجتهد في أن يستيقظ لصلاة الفجر، ووضع مثلا منبه لكنه نام رغما عنه ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس فإنه يقضي، يصليها بعد طلوع الشمس، فكذلك أيضا هؤلاء الذين لم يستطيعوا الوصول إلا بعد طلوع الشمس يشبهون من فاتته الصلاة، ولم يأتي بها إلا بعد خروج وقتها للعذر.

 بل إن الشيخ – رحمه الله – دلل ما هو أبعد من هذا قال: ولو قيل بأنه يسقط الوقوف بمزدلفة لأنه فاته وقته لم يكن بعيدا، وبكل حال هو لا يلزمه دم، وهذا هو القول الراجح والله أعلم، أن من لم يستطع الوصول إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس أنه لا شيء عليه؛ لأنه قد اتقى الله تعالى ما استطاع، وأما القول بإيجاب الدم عليه فقول بعيد إذا أن إيجاب الدم إنما يكون على المفرط، أما أن الإنسان قد اتقى الله تعالى ما استطاع، واجتهد ولم يستطع الوصول فكيف نوجب عليه دما، والأصل في أموال المسلمين الحرمة، ولا نستطيع أن نوجب دما على عباد الله تعالى إلا بدليل واضح، ومن اتقى الله ما استطاع فقد برئت ذمته.

لكن هناك مسألة متصلة بهذه النازلة ويكثر السؤال عنها وهي: تأخير صلاة العشاء ليلة مزدلفة إلا ما بعد منتصف الليل؟

قد أصبحت ترد أسئلة كثيرة عن هذه المسألة، وذلك أنه بسبب الزحام ينصرف الحجاج من عرفات، ثم يبقون في الطريق إلا ما بعد منتصف الليل، هل نقول: يلزمهم أن يصلوا قبل منتصف الليل ولو كانوا مثلا في الحافلة، على حسب حالهم، أو من استطاع النزول ينزل ويصلي، أو نقول لهم أن يؤخروا الصلاة إلى طلوع الفجر؟

هذه المسألة متفرعة عن مسألة آخرى وهي: ما هو آخر وقت تخرج به وقت صلاة العشاء؟

أول وقتها فقد اتفق العلماء على أنه مغيب الشفق.

آخر وقت صلاة العشاء اختلف فيها العلماء على قولين:

القول الأول: أن آخر وقت صلاة العشاء هو منتصف الليل، وإلى هذا ذهب الظاهرية، وهو القول المرجح عند بعض مشايخنا، الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله - .

القول الثاني: أن آخر وقت صلاة العشاء المختار هو: ثلث الليل، عند بعض العلماء، ونصف الليل عند آخرين.

 أما آخر وقتها الضروري إلى طلوع الفجر، وهذا قول الجمهور، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، المذاهب الأربعة على هذا القول، على أن آخر وقت الضرورة هو طلوع الفجر، إلا أنهم اختلفوا في آخر وقت المختار فالحنابلة، والمالكية، والشافعية على أنه ثلث الليل، والحنفية على أنه نصف الليل، لكن الذي يهمنا آخر وقت الضرورة، فالمذاهب الأربعة متفقه على أن آخر وقت الضرورة هو طلوع الفجر.

نأتي للأدلة أصحاب القول الأول: وهم القائلون بأن آخر وقت العشاء أنه نصف الليل، وأنه ليس هناك وقت ضروري للعشاء، استدلوا بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» وهذا الحديث في صحيح مسلم، فأخذوا بظاهر هذا الحديث.

وأما الجمهور وهم القائلون بأن العشاء له وقت ضرورة إلا طلوع الفجر فاستدلوا بحديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» رواه مسلم.

ما وجه دلالة هذا الحديث على أن آخر وقت الضرورة للعشاء هو طلوع الفجر؟

وجه الدلالة: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» يدل على أن أوقات الصلاة متصلة، متصل بعضها ببعض، فنجد وقت الظهر متصل بالعصر، يمتد وقت الظهر إلى دخول وقت العصر، ووقت العصر يمتد إلى دخول وقت المغرب، ووقت المغرب يمتد إلى دخول وقت العشاء، هكذا أيضا وقت العشاء يمتد إلى دخول وقت صلاة الفجر، وأما ما بين الفجر والظهر فخرج بالإجماع، هذا هو الدليل.

وهناك دليل آخر من جهة النظر، وهو أننا إذا نظرنا إلى قواعد الشرعية نجد أنها عندما تحدد تحدد بالشيء الواضح الظاهر للناس، الذين يستطيع الناس معرفته، ومنتصف الليل واعتباره هو آخر وقت العشاء لا يظهر، كثير من الناس خاصة في الزمن السابق، لم يكن عندهم ساعات، ولا يستطيعون تحديد منتصف الليل بدقة، فهذا الفلاح في مزرعته، وهذا الأعرابي في باديته، ولا تقيس على حال الناس في وقتنا الحاضر باعتبار وجود الساعات، لكن في الزمن السابق لم يكن عندهم ساعات فكيف يعرفون منتصف الليل.

 قالوا: إن أصول وقواعد الشريعة تقتضي عدم تحديد آخر وقت العشاء من منتصف الليل؛ لأنه لا يمكن ضبطه بدقة لكثير من الناس، فيكون ما ورد في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص في حال الاختيار، وأما الوقت الضروري فيمتد إلى طلوع الفجر، هذا هو الذي عليه كثير من أهل العلم، بل عليه المذاهب الأربعة كلها، وهذا هو القول الراجح والله أعلم.

بل إنه لم يقل إن العشاء ليس له وقت ضرورة، وأنه ينتهي من منتصف الليل لم يقل به إلا ابن حزم فقط، وأما بقية الفقهاء فقالوا إن وقت العشاء يمتد إلا طلوع الفجر، لكن الوقت الضروري يعنون به الوقت الضروري.

فنعود لمسألتنا فنقول: ما دام أننا رجحنا أن وقت الضرورة يمتد إلا طلوع الفجر، فنقول: لا حرج على الحجاج في أن يؤخروا الصلاة إلا ما بعد منتصف الليل، ما لم يطلع الفجر، هذا يزيل الحرج عن كثير من الأخوة؛ لأن بعض الناس يلحقهم حرج كبير.

 وأذكر أن أحد الأخوة يقول ما كان في ذهني إلا القول الأول، فيقول انتصف علينا الليل ونحن في الطريق، يقول طلبت من الحافلة أن يتفقوا فرفض، ومعهم عوائل، والناس أيضا لم يوافقوه، فيقول فنزلت وصليت، ثم ذهبت أبحث عن حافلة فلم أجد، فيقول مشيت إلى أن وصلت مزدلفة، وبقي في مزدلفة وحده، فلحقه حرج عظيم، هذا القول يرفع الحرج عن الناس، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

ننتقل بعد ذلك إلى نازلة آخرى من النوازل في الحج وهي: اتصال منى بمكة، وأثر ذلك بقصر المقيمين بمكة ومن في حكمهم؟

وجه اعتبارها نازلة هو: أن منى لم تكن من قبل متصلة بمكة، بل كان بينها وبين عامري مكة جبال، وأودية، وشعاب، بل إن المسافة ما بين منى ومكة كان يطلق عليها سفر عند بعض الفقهاء، كما عند ابن عباس بن تيمية – رحمه الله -.

وأما في الوقت الحاضر فقد اتصلت منى بمكة، بل إن منى تكاد تصبح حيا من أحياء مكة، بل إن بعض أحياء مكة لا يتيسر الوصول إليها إلا عن طريق منى، ومن يذهب من مكة إلى منى فإنه لا يحتاج إلى حمل زاد، ولا مزاد، وليست بعرف أحد من الناس اليوم أن من يذهب من مكة إلى منى أنه يقول إنني سافرت، وأنه مسافر بل هو في انتقال من مكة إلى منى كانتقاله إلى حي من أحياء مكة، بل بعض أحياء مكة أبعد من منى،

فهل هذا الاتصال له أثر في حكم قصر أهل مكة ومن في حكمهم؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال نشير إلى مسألة ذكرها الفقهاء السابقون وهو: حكم قصر أهل مكة من الصلاة في منى؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون في منى، وهذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة، بل عند الحنابلة حتى في عرفة، ومزدلفة.

 قال صاحب الأوصاف: وأهل مكة ومن حولهم لا يجوز لهم القصر ولا الجمع في هذه المشاعر كلها.

والقول الثاني: أنهم يجمعون ولا يقصرون، وهذا مذهب الحنفية.

والقول الثالث: أنهم يجمعون ويقصرون، وهذا هو مذهب المالكية، وهذا هو القول الذي قرره أبو العباس بن تيمية، وابن القيم.

والخلاف في هذه المسألة هو راجع هو راجع للخلاف في مسألة آخرى، وهي: هل قصر الحاج لأجل النسك أو لأجل السفر؟

فمن العلماء من قال: إن قصر الحاج إنما هو لأجل النسك.

ومنهم من قال: إنه من أجل السفر.

وأكثر العلماء وهو قول الجمهور إنه لأجل السفر، والقول بأن قصر الحاج لأجل النسك قول ضعيف؛ وذلك لأن المكي إذا أحرم في بيته، لو قلنا إن القصر لأجل النسك لجاز له أن يقصر وأن يجمع وهو في بيته، وهذا خلاف الإجماع، ولا قائل بهذا القول أحد، فانتقض القول بأنه نسك.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن القصر لأجل السفر، ولهذا فإن الشافعية، والحنابلة يرون أن أقل مسافة للسفر هي أربعة برد أي ثمانين كيلو، ويقولون ما بين منى ومكة أقل من ثمانين كيلو أقل من أربعة برد فلا يقصر.

وأما المالكية على مذهبهم أيضا أنه لا يكون هناك قصر ولا جمع، لكنهم يرون هنا أن أهل مكة يقصرون ويجمعون، ولم نقف على تعليل لهم لأن ذلك لأجل النسك، هذا ممن يرد على قول المالكية هم يستثنون هذه المسألة استثناء، وهذا الاستثناء لا وجه له، فإما أن نقول لأجل السفر، أو نقول لأجل النسك، فإذا قلنا لأجل السفر فنرجع لما قرره العلماء في أقل مسافة للسفر، فهي مرتبطة بهذه المسألة.

أبو العباس بن تيمية – رحمه الله – وابن القيم اختصر القول بأن القصر لأجل السفر وليس لأجل النسك، وقال إنما بين منى ومكة إنه سفر، ويرى عباس بن تيمية – رحمه الله – أنه لا حد لأقل السفر، بل ما سمي في العرف سفرا فهو سفر، وأن من حمل الزاد والمزاد فهو مسافر.

 ويقول: إن من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها عَلم عِلما يقينيا أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرا وجمعا، ولم يفعلوا خلاف ذلك، ولم ينقل أحد قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بعرفة، أو بمزدلفة، أو بمنى أتموا أهل مكة، فإنهم قوم سفر، وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة.

أبو العباس بن تيمية، وابن القيم ومن قال بقولهم يقولون: إن أهل مكة يقصرون ويجمعون لأجل السفر، بناء على مذهبهم في أنه لا حد لأقل مسافة للسفر.

المسألة هذه لا نريد أن نبحث هذه المسألة أكثر مما ذكرنا لكن أقول حتى على قول العباس بن تيمية، وابن القيم في زمنهم كان بين منى ومكة كان بينها مسافة، أودية، وشعاب، وجبال، أما في وقتنا الحاضر فقد اتصلت منى بمكة، فحتى على رأي ابن تيمية، ومن وافقه لا تصبح المسافة سفرا، وبهذا نقول: إن أهل مكة لا يترخصون برخص السفر، لا يقصرون ولا يجمعون؛ وذلك لأن علة قصر المسافر وجمعه هي السفر، وهذه العلة منتفية.

ولئن كان قد قال الجمهور في زمن سابق بأن أهل مكة لا يقصرون، ولا يجمعون، وخالفهم من خالفهم كابن العباس بن تيمية، فإننا في وقتنا الحاضر نقول: إن القول الذي يستقيم على قواعد أكثر أهل العلم، أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون؛ لأن حتى لو قال بالقصر، في الزمن السابق لأنه كان بين منى ومكة كان فيه مسافة، أما الآن فليس بينها مسافة، منى الآن هي متصلة بمكة، فليس هناك مسافة أصلا، حتى ما تجد ربما ولو كيلو، هي العزيزة الآن متصلة بمنى اتصال مباشر، فكيف نقول إنه سفر، حتى لو أردنا أن نطبق كلام ابن تيمية على هذه المسألة لا ينطبق إلا على قول واحد وهو القول بأن القصر لأجل النسك، وقلنا إن هذا القول قول ضعيف.

إذا أهل مكة يتمون، ولا يقصرون، ولا يجمعون، هذا هو القول الراجح والله أعلم في هذه المسألة، ولهذا عثمان – رضي الله عنه – لما أتم قالوا: أنه قد تأهل لمكة، فكان يتم لأجل ذلك، وهذا مما يؤيد القول بأن أهل مكة أنهم يتمون.

بقي أهل القرى المجاورة أهل بحرة، وأهل جدة، فيجري في ذلك الخلاف في أقل مسافة للسفر، والأقرب والله أعلم في مسألة أقل مسافة للسفر هو: قول الجمهور أيضا، وهو أنها أربعة برد، يعني ثمانين كيلو، والدليل لهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم» فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يحل للمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر أقل سفر لكن عدل عن ذلك بذكر اليوم والليلة، واليوم والليلة هي أربعة برد، يعبر عنها بعض الفقهاء يومين قاصدين وهي نفسها ثمانين كيلو، بعض العلماء يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم حدد أقل مسافة للسفر في هذا الحديث، فقد ورد تحديده، القول بأنه لم يرد تحديده يقولون هذا لا يسلم.

ثم أيضا هذا هو المنقول عن ابن عمر، وابن عباس، فيظهر أن هذا هو العرف، فكان في زمن الصحابة أن أربعة برد هي السفر.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قباء كل سبت، وما بين مسجده عليه الصلاة والسلام وبين قباء مسافة، هي مسافة أطول، وأكبر من المسافة التي الآن بين مكة ومنى قطعا، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة في قباء.

وبناء على هذا نقول: إن أهل مكة يتمون ولا يقصرون، القرى المجاورة لمكة إذا كانت المسافة بينها وبين مكة أقل من ثمانين كيلو فكذلك حكمهم حكم أهل مكة يتمون ولا يقصرون.

 جدة الآن كم بينها وبين مكة أقل من ثمانين مكة، فأهل جدة إذا يأخذون حكم أهل مكة ونقول: يتمون ولا يقصرون.

فهذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

نكتفي بهذا القدر في فقه النوازل.