الخثلان
الخثلان
الدرس 4 نوازل الحج
20 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 792
التصنيف: فقه النوازل

فقه النوازل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فنبدأ أولا بدرس فقه النوازل، كنا قد بدأنا بنوازل الحج.

أول نازلة معنا في هذا الدرس هي الصابون المطيب، وما في حكمه من المنظفات، مثل: الشامبو المطيب ونحو هذا؟

فقد أصبحت الأسواق تزخر بأنواع من الصوابين، والشامبو، والمنظفات، على تعدد روائحها، وتباين ألوانها، ويتساءل كثير من الناس عن حكم استخدام هذه المنظفات بالنسبة للمحرم، ولذلك نجد أن بعض الناس يلحقهم الحرج عند استخدام هذه المنظفات، وبعضهم يرى أن هذا لا بأس به، فنريد أن نسلط الضوء على هذه المسألة:

أولا: اتفق العلماء على أن الدهن المطيب أنه يحرم على المحرم استعماله، وأن من استعمله فعليه الفدية.

ثانيا: الصابون المطيب لا يخلو إما أن يكون الطيب الذي فيه مما يتخذ للتطيب للمسك ونحوه، وإما أن يكون مما لا يتخذ للتطيب، مثل: النكهات الموجودة في بعض الصوابين، نكهة مثلا النعناع، نكهة الرياح، وقع الخلاف في هذه كلها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الصابون المطيب لا يجوز استعماله للمحرم مطلقا بجميع أنواعه كالدهن المطيب، وهذا هو مقتضى مذهب الشافعية، والحنابلة.

 واستدلوا بعموم الأدلة التي نهت عن استعمال المحرم للطيب.

 ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس المحرم القمص ولا البرانس .. إلى قوله  ولا ثوبا مسه الزعفران ولا الورس» الحديث في الصحيحين فقوله: ولا ثوبا مسه الزعفران ولا الورس يعني لا يمس طيبا؛ لأن الزعفران والورس هما من أنواع الطيب.

 وقالوا أيضا: أن وجود الرائحة الطيبة دليل على وجود الطيب، واستعمال عين الطيب ليس مقصودا إنما المقصود هو رائحته وحينئذ لا فرق بين أن يكون الطيب منفردا أو أن يكون مخلوطا مع غيره.

القول الثاني في المسألة: أنه يجوز استخدام الصابون المطيب بجميع أنواعه ما دام أنه لا يسمى طيبا وإنما يسمى صابونا، أو يسمى شامبو أو نحو ذلك، ما دام أن الطيب لم يغلب على اسمه، فيجوز استعماله مطلقا، سواء على وجه التنظف أو نحو ذلك، وهذا هو مقتضى مذهب الحنفية، وقالوا: إن مستعمل الصابون المطيب ونحوه لا يعتبر متطيبا إذ أن ذلك الصابون أو الشامبو لا يسمى طيبا، ولا عهد في عرف الناس أنهم يتطيبون به، ولذلك فمن استخدم الصابون المطيب لا يقال له أنه متعطر،  ولا أنه متطيب، وما كان كذلك فلا ينهى المحرم عنه.

القول الثالث في المسألة: أن الصابون المطيب بما يتخذ للطيب كالمسك ونحوه لا يجوز استعماله، وأما الصابون المطيب بما لم يتخذ للطيب كالرياحين، والنعناع، ونحوها.. فيجوز استعماله، وهذا هو مقتضى قول المالكية، وهو قول الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – أصحاب هذا القول قالوا بالتفصيل.

قالوا أما إذا كان مطيبا بما يتخذ للطيب فاستدلوا له بما استدل به من قال بالمنع، يعني بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « ..ولا ثوبا مسه الزعفران ولا الورس» ونحو ذلك..

 وقالوا: إن مثل الصابون المطيب أنه لا فرق في الطيب من أن يكون منفردا، أو أن يكون مخلوطا بغيره.

أما إذا كان الصابون المعطر بما لا يتخذ للطيب فإنه يجوز استعماله، قالوا: فإذا كان مطيبا بروائح زكية كروائح الفواكه، والرياحين، والنعناع، ونحوها.. فإن هذا لا بأس به، ومما يدل لهذا أن نبات الصحراء والفواكه اتفق العلماء على أن شمها أنه لا بأس به للمحرم، ثم إن هذه لا تسمى طيبا، ولا يتطيب بها، وشم هذه الروائح لا يوجب فدية عند جميع أهل العلم.

 والقول الراجح والله أعلم هو القول الثالث وهو القول بالتفصيل.

لو أردنا أن نطبقه على الواقع، ما يسمى بالصابون الممسك هذا مطيب بما يتخذ للطيب؛ لأنه معطر بالمسك ونحوه..، أو ما يشبه المسك، ولذلك من يستخدم هذا النوع من الصوابين يجد الرائحة الزكية، وهي رائحة طيب، أو تشبه الطيب، وتكون قريبة من الطيب فهذه لا يجوز للمحرم استعمالها، ومثل ذلك الشامبو أيضا فإن الشامبو أحيانا يكون مطيبا بما يتخذ للطيب.

 وأذكر أنني مرة التقيت برجل وتبدو منه رائحة زكية، فقلت له: ما شاء الله ما هذا الطيب الجيد؟ فقال: إنه ليس طيبا وإنما استخدمت شامبو مطيب، فإذا لم أفرق بين الطيب وبين هذا الشامبو المطيب كيف يقال أنه لا بأس به للمحرم، فبعض أنواع الشامبو والصوابين رائحتها كرائحة الطيب، أو قريبة من رائحة الطيب، والطيب لا فرق بين أن يكون منفردا أو أن يكون مخلوطا بغيره.

 وأما إذا كان الصابون مطيبا بما لا يتخذ الطيب، وهذا يوجد الآن منه كثير في الأسواق، يعني بما يسمى نكهة، نكهة البرتقال، نكهة النعناع، نكهة الريحان.. فهذه لا بأس بها بالنسبة للمحرم؛ لأنها لا تسمى طيبا، ولا تتخذ طيب، ولا نعلم يوما من الأيام تطيب بالبرتقال أو نحوه، إنما هذه مجرد نكهات توضع في الصابون، هي أشبه بالروائح الزكية، وعلى ذلك مثلا: الصابون المسمى صابون التأييد ونحوه.. لا بأس باستخدام المحرم له؛ لأنه ليس معطرا، وما قد يوجد فيه إنما هو مجرد نكهات فقط، فلا بأس باستخدامه للمحرم، ولذلك تجد الناس يفرقون بين الصابون التأييد والصابون مثلا الممسك، هذا الذي يظهر والله أعلم بالنسبة لهذه المسألة والنازلة التي يكثر السؤال عنها.

 ولهذا ينبغي للقائمين على شؤون الحجيج وأصحاب الشركات والحملات أن يلاحظوا هذا يأتوا بالصوابين غير المعطرة بالنسبة للمحرمين حتى لا يوقعوا المحرمين في الحرج.

وإذا اشتبه على الإنسان هل هو مطيب بما يتخذ طيب أم لا، فالورع في هذا مطلوب؛ لأنه أحيانا تشتبه مع تقدم الصناعة فلا يستطيع أن يحقق هل هذا الذي أمامي الآن مطيب بما يتخذ للطيب، أم مجرد نكهة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».

أما المجيزون مطلقا الذين قالوا بأن مستخدم الصابون والشامبو لا يسمى متطيبا، فنقول كذلك أيضا المدهن بالدهن المطيب لا يسمى متطيبا، ومع ذلك منع منه جميع أهل العلم وهذا هو الذي ذكرته في المقدمة، اتفق العلماء على أن المحرم ممنوع من الدهن المطيب، ومعلوم أن من ادهن بدهن مطيبا لا يقال بأنه قد تطيب بطيب صرف، وإنما مس شيئا فيه طيب، فنقول أنتم أيها المجيزون تمنعون المحرم أن يدهن بالدهن المطيب، ولا فرق بين الدهن المطيب، والصابون المطيب، أو الشامبو المطيب، فإما أن تمنعوا الجميع وإما أن تجيزوا الجميع.

أشرت إلى أنه يشكل على بعض الناس هذه الصوابين، لو انبرى مجموعة من طلاب العلم وقاموا بتحقيق المناط في هذه الصوابين الموجودة في الأسواق، وبينوا ما الذي هو مطيب فلا يجوز استخدامه، والذي ليس مطيب فيجوز استخدامه، وأفادوا الحجاج وأصحاب الحملات والشركات، نقول إن هذا مجهود يشكرون عليه؛ لأن هذه المسألة من المسائل التي تشكل كثير على الحجاج، وعلى القائمين على شؤون الحج.

بعد ذلك ننتقل للنازلة الثانية معنا في هذا الدرس وهي من النوازل المهمة، والتي يكثر السؤال عنها وهي: حكم لبس الكمام للمحرم للرجل وللمرأة؟

نبدأ أول بحكم لبس الكمام للرجل: والكمام يلبسه بعض الناس ويحتاجون للبسه اتقاء للميكروبات والفيروسات ونحو ذلك؛ لأنهم كما تعلمون يجتمع أعداد كبيرة من البشر في مكان ضيق، فيحصل من ذلك ربما انتقال العدوى عن طريق الفيروسات، والبكتيريا، ونحوها.. وبعض الناس من باب فعل الأسباب التي يتقى بها العدوى يستخدم الكمام، وظهر هذا جليا عندما انتشر فلونزا الخنازير في سنة ماضية وكثر السؤال عن هذه المسألة.

 وقد اختلف المعاصرون في حكم لبس الكمام منهم من أجازه، ومنهم من منعه.

 وهذه المسألة متفرعة عن مسألة وقع الخلاف فيها بين العلماء السابقين وهي: حكم تغطية الوجه للمحرم، فإن مأخذ المانعين الذين منعوا من لبس الكمام قالوا: إن فيه تغطية للوجه أو لبعض الوجه، فهذا يقودنا إلى بحث مسألة حكم تغطية الوجه للمحرم فإذا قلنا أنه لا يجوز تغطية الوجه للمحرم فلا يجوز لبس الكمام للمحرم، وإذا قلنا أنه يجوز تغطية الوجه للمحرم فيجوز لبس الكمام للمحرم، فهذه المسألة فرع عن تلك.

تغطية الوجه للمحرم اختلف فيها الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه، وإذا غطاه وجب فيه الفدية، وهذا القول مروي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – كما في الموطأ، وهو مذهب الحنفية.

والقول الثاني في المسألة: أن المحرم يجوز له أن يغطي وجهه ولا فدية عليه، وهذا مأثور عن عدد من الصحابة عن عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، ابن عباس، ابن الزبير، وجابر، وغيرهم.. – رضي الله عنهم – وهو قول جمهور الفقهاء من: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وإن كان المالكية لهم رواية آخرى بالمنع، الحنابلة أيضا عندهم رواية بالمنع، لكن الصحيح من المذهب الجواز عند الحنابلة.

نأتي للأدلة استدل أصحاب القول الأول: وهم القائلون أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه بحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رجلا وقصته ناقته وهو محرم في عرفات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه - هذا موضع الشاهد - فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

ووجه الدلالة الظاهرة من هذا الحديث: فإنه قال لا تخمروا رأسه ولا وجهه فنهى عن تغطية وجهه، وإذا حرم تغطية وجه المحرم حال موته فتحرم كذلك في حال الحياة من باب أولى.

أما أصحاب القول الثاني في المسألة وهم القائلون بالجواز، وهم الجمهور، استدلوا لذلك بأن القول بالجواز هو المأثور عن الصحابة – رضي الله عنهم – وهو قول من سمينا من الصحابة، ولا يعرف عن غيرهم خلافا فيكون إجماعا.

 ويرد على ذلك أن القول بالمنع مروي عن ابن عمر، ولكن أجيب عن ذلك بأن ابن عمر روي عنه رواية آخرى بالجواز، روى نافع عنه أنه قال: إحرام الرجل في رأسه.

 ثم أيضا قيل أن ابن عمر عنده أن ما فوق الذقن يعتبر من الرأس، فهو إنما إذا يمنع لأجل الرأس لا لكونه تغطية للوجه.

وقال أصحاب هذا القول إنه مع كونه هو المأثور عن الصحابة لم يثبت فيه نهي من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما المحفوظ هو نهي المحرم عن تغطية رأسه.

 قالوا وحديث ابن عباس الذي استدل به المانعون المحفوظ من الرواية هو ولا تخمروا رأسه فقط بدون ذكر وجهه.

وبهذا يتبين أن الخلافة بين أصحاب القولين سببه هو الخلاف في ثبوت لفظة ولا وجهه الواردة في حديث ابن عباس، وهذا يدعونا إلى أن نحقق الكلام في هذه المسألة، في ثبوت هذه الرواية، وهذه اللفظة.

حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – في قصة الذي وقصته راحلته وهو محرم في عرفات، أخرجه البخاري ومسلم، والرواية التي اتفقا عليها البخاري ومسلم هي ولا تخمروا رأسه بدون ذكر ولا وجهه، فهي الرواية التي أخرجها البخاري في صحيحه في عدة مواضع واتفقا معه مسلم أيضا في إخراجها، لكن مسلما أيضا أخرج رواية ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، وقد أورد الإمام مسلم هذا الحديث من عدة طرق في صحيحه: فأورده من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه عن عمرو بن دينار جماعة من الثقات، ولا تخمرو رأسه فرواه عن عمرو بن دينار سفيان بن عيينة، وأيوب، وابن جريج، وأبو بشر، هؤلاء كلهم رووه بلفظ ولا تخمروا رأسه بدون زيادة ولا وجهه.

ورواه عنه بزيادة ولا وجهه رواه شعبه عن أبي بشر لكن بلفظ ولا يمس طيبا خارج رأسه، قال شعبة ثم حدثني به بعد ذلك خارج رأسه ووجه، لاحظ الرواية بهذا اللفظ.

 ثم ساق رواية بسنده عن زهير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيها وأن تكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه.

 ثم ساق بسنده أيضا عن إسرائيل عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولا تغطوا وجهه، ولاحظ أن وجهه كلها أتت في الروايات الأخيرة، يعني الروايات الأولى كلها ولا تخمروا رأسه، أما الثلاث الروايات الأخيرة هي التي فيها ذكر الوجه، وكأن الإمام مسلما يشير بهذا إلى ضعف ولا وجهه، وذلك أنه باستقراء منهج الإمام مسلم في صحيحه نجد أنه أحيانا يذكر الرواية الضعيفة بعد الرواية الصحيحة؛ للتنبيه على ضعفها، فكون مسلما أخرج هذا الحديث بهذه الروايات، لاحظ أن الروايات الخمس الأولى كلها بلفظ رأسه فقط التي هي من طريق سفيان، وأيوب، وابن جريج، أبي بشر، بينما الروايات الثلاث الأخيرة هي التي فيها ذكر الوجه على أنها بلفظ الذي سمعتم.

 ولهذا قال البيهقي: ذكر الوجه هو وهم من بعض الرواة والصحيح لا تغطوا رأسه وهي الرواية التي اتفق عليها البخاري ومسلم.

 وقال الحاكم: إن ذكر الوجه في هذا الحديث تصحيح وذلك بإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على رواية ولا تغطوا رأسه وهو المحفوظ.

الحقيقة إذا عقدنا مقارنة بين هذه الروايات نجد أن روايات ولا تخمروا رأسه أنها أصح وأثبت، فإن الرواة الثقات عن عمرو بن دينار اتفقوا على أن يرووها بهذا اللفظ، والذين رووا رواية الوجه لا يقارنوا بهؤلاء الثقات الأثبات الذين ذكروها بلفظ الرأس من غير شك.

 وهذا يقودنا إلى مسألة اختلفوا فيها بين المحدثين خاصة المتأخرين وهي: الزيادة من الثقة، هل الزيادة من الثقة مقبولة أم لا؟

 فنجد أن أكثر المتأخرين على أن الزيادة من الثقة مقبولة، والصحيح أننا لا نقول أنها مقبولة مطلقا، ولا مردودة مطلقا، وإنما بحسب السياق، وبحسب القرائن، فقد تكون مقبولة، وقد تكون غير مقبولة، وهذا هو منهج المتقدمين، وهو منهج المحدثين الذي عليه الأئمة، فهذه الزيادة الحقيقة لا نستطيع أن نقول أنها مقبولة؛ لأن هؤلاء الثقات الأثبات اختصروا على لفظ لا تخمروا رأسه، فإذا قالوا أن بينهم وبين من ذكر الوجه نجد أن رواية هؤلاء الثقات أنها أرجح والخلاصة أن المحفوظ من الحديث هو الرواية التي اتفقا عليه البخاري ومسلم وهي ولا تخمروا رأسه فقط بدون ذكر الوجه وأن ذكر الوجه في هذا الحديث أنه غير محفوظ هذا هو الأقرب والله أعلم عند كثير من المحققين من أهل العلم.

وعلى ذلك تتفرع مسألة حكم لبس الكمام فالجمهور الذين قالوا إن رواية ولا وجهه إنها غير محفوظة وأجازوا للمحرم تغطية وجهه، يتفرع على ذلك القول بجواز لبس الكمام.

ومن قال بأن هذه الرواية محفوظة، ومنع المحرم من تغطية وجهه، يتفرع عن ذلك تحريم لبس الكمام للمحرم.

 وحيث إننا رجحنا القول بأن هذه الرواية غير محفوظة، وأنه يجوز للمحرم تغطية وجهه، فيتفرع عن ذلك أنه يجوز للمحرم لبس الكمام.

 فالحاصل أن القول الراجح أنه يجوز للمحرم تغطية وجهه، وأنه ممنوع فقط من تغطية الرأس، وأنه يجوز للمحرم لبس الكمام.

وأما بالنسبة للمرأة: فأيضا اختلف العلماء في حكم لبس هذا الكمام، ثم اختلفوا في المأخذ الفقهي حكم لبسها للكمام؟

فمنهم من منع المرأة المحرمة من لبس الكمام، ومنهم من أجاز.

أما من منع فانقسموا قسمين: منهم من قال: أن المرأة المحرمة تمنع من لبس الكمام؛ لأنها كالرجل، والرجل ممنوع من تغطية وجهه، فكذلك المرأة المحرمة إلا عند الرجال الأجانب، فقالوا ما دمنا أننا رجحنا أنه لا يجوز للرجل أن يغطي وجهه، فكذلك المرأة لا تغطي وجهها، فلا يجوز كذلك له لبس الكمام، فلا يجوز لها كذلك لبس الكمام.

ومنهم من قال أنه يجوز للرجل تغطية وجهه، ويجوز له لبس الكمام، لكن المرأة لا يجوز لها لبس الكمام؛ لأن الكمام هو كالنقاب، والمرأة المحرمة ممنوعة من لبس النقاب، قالوا ومن تلبس الكمام كالمرأة المنتقبة، أو المتبرقعة، وحينئذ بعض الذين أجازوا لبس الكمام للرجل منعوه للمرأة باعتبار أنه يشبه النقاب.

ومنهم من قال بالجواز مطلقا، وقالوا:

أولا: نحن رجحنا أنه يجوز للرجل أن يغطي وجهه، وأن يلبس الكمام، فالمرأة كذلك، وأما القول بأنه كالنقاب فقالوا أنه لا يسلم بذلك، ففرق كبير بين النقاب، والبرقع، وبين الكمام، فإن الكمام ليس نقابا لا لغة، ولا شرعا، ولا عرفا، فكيف نعتبره كالنقاب، وإلا لو قلنا بذلك لقلنا أيضا المرأة لا تغطي وجهها وأنفها بأي شيء حتى بيدها لأنه كالنقاب، وحتى بعباءتها لا تغطي وجهها ولا أنفها بعباءتها.

والقول الراجح أنه يجوز للمرأة لبس الكمام؛ وذلك لأنه يجوز للرجل فكذلك أيضا للمرأة؛ لأنها غير ممنوعة من تغطية الوجه إلا عند الرجال الأجانب؛ لأن قياس الكمام على النقاب قياس مع الفارق.

النازلة الثالثة معنا في هذا الدرس هي: الإزار المخيط.

 وهذا الإزار قد انتشر في الوقت الحاضر، ولم يكن منتشرا إلا بعد أن أفتى الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله - بجواز لبسه، فلما أفتى بجواز لبسه انتشر هذا، وأصبح بعض الحجاج، وبعض المعتمرين يلبسه، ويجدون فيه راحة، ولذلك حصل الخلاف بين العلماء المعاصرين في حكم لبسه، وهو إزار لكنه مخيط، فهو أشبه بما يسمى بالتنورة للمرأة.

 فالفرق بينه وبين الإزار المعروف أن الإزار المعروف مفتوح ويلفه الرجل على نصف الأسفل من بدنه لفا، وأما هذا فإنه مخيط فيلبسه لبسا، فوقع الخلاف بين العلماء في حكم لبسه، هل يعتبر من المخيط أم أنه لا يعتبر من المخيط؟

القول الأول: أن الإزار المخيط أنه لا يجوز لبسه، وأنه يعتبر من المخيط، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء المعاصرين.

 وقالوا: إن الإزار المخيط إنه لا يسمى إزارا في لغة العرب، بل له مسمى آخر، فالإزار إذا خيط أصبح يسمى باسم آخر، يسمى النقبة.

 ولهذا نجد أن المعاجم اللغوية ذكرت هذا المصطلح.

 فقال: الجوهري في الصحاح، النقبة: ثوب كالإزار، يجعل له حجة مخيطة، وتشد كما تشد السراويل.

 وقال في المنظور في لسان العرب، النقبة: خرقة يجعل أعلاها كالسراويل، وأسفلها كالإزار، وقال إلا أنه مخيط الحجزة نحو السراويل.

وقيل النقبة: هي السراويل بغير ساقين.

وحدثني أحد المشايخ أنه كان في مكتب من مكاتب التوعية الإسلامية في الحج في منى، يقول: أتانا رجل مستفتي من إحدى المناطق في جنوب المملكة، من قرى الباحة، وسأل قال: ما حكم لبس النقبة؟ قلت ما هي النقبة: فوصفها لي كما ذكرها السابقون، وأنها هي هذا الإزار المخيط، فقلت لمن معي من المشايخ في مركز الفتوى أشهدوا على كلامه، فقلت له: هل يسمى عندكم النقبة إلى الآن، قال: نعم، هذا إذا يدل على أن الإزار المخيط يسمى بالنقبة، والنقبة هذا من أنواع المخيط، كما نص على ذلك جماهير أهل العلم.

قالوا أيضا ومن يستقرئ النصوص يرى أن الإزار يوصف بالعقد، وبالحل، وأما هذا الإزار المخيط فإنه لا يعقد ولا يحل.

 نجد في كثير من النصوص والآثار وصف الإزار العقد والحل، ولا نجد وصفه بأنه متصل.

 فمثلا: في صحيح البخاري عن محمد بن منكدر، قال: صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب.

بل إن البخاري ترجم على هذا فقال: باب عقد الإزار على القفا في الصلاة، ثم ساق عن سهل بن سعد قال: صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزورهم على العواتق.

وحينئذ أن الإزار المعروف عند العرب هو الذي يكون يعقد، وفيه حل، أما هذا الإزار المتصل فلا فرق بينه وبين السراويل، بل هو سراويل بلا ساقين.

ثم أيضا قالوا: إن أهل اللغة فسروا الإزار أنه ملحفة، وملحفة هي ما التحفوا به مما لم يخط طرفاه.

ثم أيضا قالوا: بأن علة النهي عن لبس القمص حتى وإن كان بدون أكمام هي: إحاطته بالنصف الأعلى من البدن، واستمساكه عليه، قالوا: والنصف الأعلى من البدن ليس بأولى من النصف الأسفل، ومن منع من لبس القميص في النصف الأعلى من البدن وأجاز لبس الإزار المخيط في النصف الأسفل من البدن فيكون قد فرق بلا دليل.

وقالوا أيضا: إن علة منع المحرم من لبس السراويل هو: إحاطة كل جزء بأحد الساقين، فمنع ما يجعل على قدر الساقين سويا مع الإحاطة والاستمساك يعطي الحكم نفسه، إذ لا فرق بين الساق والساقين.

قالوا وأيضا من أدلة هذا القول: إن ضابط ما منع منه المحرم من اللبس سواء سمي بالمخيط أم لا هو كل ما حصل به إحاطة على البدن، أو على عضو منه، واستمسك بخياطة أو لصقة ونحوها، وهذا الضابط منطبق على الإزار المخيط.

فهذه إذا وجهة أصحاب القول الأول الذين قالوا أنه لا يجوز للمحرم لبس الإزار المخيط.

أصحاب القول الثاني: الذين قالوا بأن الإزار المخيط يجوز لبسه، وأنه لا بأس به للمحرم، أبرز من قال بهذا القول كما ذكرنا هو الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – .

استدلوا لهذا القول قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عما يلبس المحرم قال: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات.. » إلى آخر الحديث فعد النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنع المحرم من لبسه، ولم يذكر ما يجوز للمحرم لبسه، فدل ذلك على أن ما يمنع المحرم من لبسه أنه محصور، وأن ما يجوز للمحرم لبسه أنه غير محصور، فهو على الإباحة، وحينئذ يكون الإزار المخيط على الإباحة، ومن منع منه فعليه الدليل.

وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق لفظ الإزار في قوله: من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ولم يقل: من لم يجد إزارا لم يخط، وإنما قال: من لم يجد إزارا.

 والإزار المخيط يسمى إزارا، لغة، وعرفا، وشرعا، وحينئذ لا بأس بلبسه.

هذه هي أبرز أدلة أصحاب القول الثاني، يستدلون بعموم الأدلة.

والقول الراجح والله أعلم هو القول الأول، هو الذي عليه أكثر العلماء، وهو أنه لا يجوز للمحرم لبس الإزار المخيط وذلك لقوة أدلته، فإن هذا الإزار المخيط يسمى بالنقبة قديما، وقد سمعتم أيضا أنه في بعض البلدان حديثا يسمى بالنقبة، والنقبة هي من أنواع المخيط.

 ثم أيضا كيف يمنع الشارع من لبس السراويل، ويجيز لبس الإزار.

لماذا منع الشارع من لبس السراويل؟ لكونها محيطة بالساقين.

 هكذا لو كان الإزار المخيط هو يحيط كذلك بالساقين لكن الفرق أن السراويل تحيط بالساقين، والإزار المخيط يحيط بهما بخياطة واحدة، والإحاطة موجودة سواء في السراويل أو في الإزار المخيط فلا فرق بينهما في الحقيقة.

ثم أيضا لماذا منع الشارع من لبس القميص؟ لأنه محيطا بالبدن، وكذلك الإزار المخيط محيط بالبدن.

وأما ما ذكره أصحاب القول الثاني من أن الأصل الجواز ومن منع فعليه الدليل، فنقول الدليل قد وجد وهو منع النبي صلى الله عليه وسلم من لبس السراويل، والقمص، وهذا في معنى القمص، والسراويل لكونها محيطة بالساقين.

 ثم أيضا النبي صلى الله عليه وسلم منع بالعذ وبالحد، فمنع بالعذ في هذه الأمور المذكورة في الحديث عدها، وكذلك بالحد في قوله: «من لم يجد إزارا فليلبس السراويل».

 فدل ذلك: على أنه لا يجوز لبس السراويل، وما كان في معنى السراويل، ولا شك أن الإزار المخيط هو في معنى لبس السراويل.

أما القول بأن الإزار المخيط يسمى إزارا لغة، وشرعا، وعرفا فغير مسلم، فالإزار المخيط لا يسمى إزارا لغة، وإنما يسمى بالنقبة كما سبق، ولا يسمى شرعا، وإن كان عرفا قد يسمى إزارا، لكن العبرة بالحقيقة وليس العبرة بالتسمية، ولهذا لو سميت الخمر بمشروب روحي فهي خمر فلا تغير التسمية من حقيقتها، هكذا أيضا حتى وإن سمي إزارا  لا يغير هذا من الحكم شيئا وإن العبرة بحقيقته، فالحقيقة أنه مخيط.

وبالنسبة كلمة السراويل مفرد، جمعها سراويلات، أما قول بعض العامة سروال فهذه لغة شاذة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات.. ».