الخثلان
الخثلان
الدرس 3 نوازل الحج
20 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 821
التصنيف: فقه النوازل

فقه النوازل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا.

نبدأ بالدرس الأول وهو فقه النوازل، واستكمال أبرز النوازل المتعلقة بالحج، فلعلنا نأخذ بعض المسائل في هذا، نبدأ أولا بالمسألة الأولى وهي مسألة اعتبار جدة ميقاتا، ووجه اعتبار هذه المسألة من النوازل هو أن الناس كانوا في السابق يحجون على الإبل ونحوها، أو عن طريق البحر، ويمرون بأحد المواقيت فيحرمون منه، ولم يكن هناك حاجة للإحرام من جدة، أما في الوقت الحاضر فإن أكثر الحجاج يأتون عن طريق الجو، أو البحر، ويكون أول نزوله عن طريق مطار جدة، أو مينائها فهل يمكن اعتبار جدة ميقاتا لهؤلاء أم أنهم يلزمهم الإحرام عند محاذاة مواقيتهم الأصلية؟

وسبق أن قلنا في ضابط النوازل أنها من مسائل الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل، أو من مسائل القديمة لكن طرأ عليها ما يغير حكمها، مثل: هذه المسألة، فمسألة اعتبار جدة هل هو ميقات أم لا؟

هذه مسألة قديمة، لكن هنا طرأ عليها ما يستدعي النظر فيها، ولذلك بعض العلماء المعاصرين ذهبوا إلى أن جدة تعتبر ميقاتا، هذه المسألة اختلف فيها العلماء المعاصرون، برز الخلاف فيها أكثر من كلام الفقهاء السابقين، فذهب بعضهم إلا اعتبار جدة ميقاتا.

 من أبرز من ذهب إلى هذا القول: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود – رحمه الله – فهو اشتهر عنه هذا القول، وكذلك الشيخ مصطفى الزرقا، وبعض العلماء المعاصرين.

وأما أكثر العلماء المعاصرين فعلى أن جدة ليست ميقاتا، وصدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وكذلك أيضا قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي لمنظمة التعاون الإسلامي، وأيضا هيئة كبار علماء المملكة، مع استثناء من يأتون غربا من بلدة سواكن بالسودان، فإن هؤلاء يحرمون من جدة عند الجميع، فإن من يأتي من السودان غربا من بلدة اسمها سواكن لا يمر بأي ميقات من المواقيت ويصل إلى جدة، فهنا الفقهاء  السابقون قالوا: أنه يحرم من جدة، وحسب ما أعلم من بعض الأخوة السودانيين يقولون إن بلدة سواكن فيها ميناء، وأنا كثيرا من الحجاج يأتون من سواكن إلى جدة مباشرة، فعلى ذلك هؤلاء يحرمون من جدة لأنهم لا يمرون بأي ميقات من المواقيت، فيكون الخلاف فيمن عداهم.

 وسبب الخلاف في هذه المسألة هو: راجع للخلاف في معنى المحاذاة، ما معنى المحاذاة: فمن قال بأن جدة محاذية لميقات الجحفة أو يلملم اعتبر جدة ميقاتا.

 ومن قال بأن المحاذاة معناها: كونه الموضوع المحاذي واقعا بين ميقاتين على خط واحد أيضا اعتبرها ميقات ولم يفسر المحاذاة بذلك لم يعتبرها ميقاتا.

 فإذا الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في تحديد معنى المحاذاة، فلا بد إذا نقف مع هذه الكلمة، وهذا المصطلح ما معناه.

 ما معنى المحاذاة: المحاذاة هي وردت في قول عمر: «انظروا إلى حذوها من طريقكم»، وذلك كما جاء في حديث ابن عمر قال: «لما فتح هذان المصران الكوفة والبصرة أتوا إلى عمر، فقالوا يا أمير المؤمنين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا، وإنها جور عن طريقنا، وإن أردنا قرن المنازل شق علينا، فقال: انظروا إلى حذوها من طريقكم» فحد لهم ذات عرق.

المحاذاة معناها في اللغة: كما قال صاحب القاموس المحيط: من حاذاه أي: أزاه، والحذاء الإزاء، وفي لسان العرب: جاء الرجلان حذيتين  أي: كل واحد منهما إلى جنب صاحبه، وفي المصباح المنير: حذوته أحذوه حذوا، وحاذيته محاذاة وهي: الموازاة، وحذوة النعل بالنعل قدرتها بها، وقطعتها على مثالها وعى قدرها.

 فيتضح إذا أنا معنى المحاذاة في لغة العرب: أنه يدور حول معنى الإزاء، والمماثلة، والمساواة.

وأما اصطلاحا: فهي أن تكون مسافة المحاذي والمحاذى به من الحرم سواء، كما ذكر ذلك ابن أثير في النهاية، ويفهم من كلام العباس بن تيمية – رحمه الله – أن المحاذاة هي أن يكون بعد المحاذي والمحاذى من الحرم واحدا، فهذا إذا هو معنى المحاذاة.

من قال بأن جدة تعتبر ميقاتا استدلوا بالحديث السابق حديث ابن عمر أتوا أمير المؤمنين عمر فقالوا يا أمير المؤمنين: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهي جو عن طريقنا فقالوا: انظروا إلى حذوها من طريقكم» حد لهم ذات عرق

ووجه الدلالة: أن تحديد المواقيت غير المنصوص عليها أن القاعدة فيها هي المحاذاة، وأن حدها أن تكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساوية، أو يكون الموضع المحاذي واقعا بين ميقاتين على خط واحد، هكذا قال أصحاب هذا القول.

وقالوا إن ما بين المواقيت الخمسة وهي: ذو الحليفة، وذو الجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق قالوا إنها محيطة بالحرم وتشكل مخمسا غير متساوي الأضلاع، وهذا المخمس من وصل إليه من أي جهة وهو يريد النسك لم يجز له تعديه من غير إحرام.

 وقالوا: ولا يجب على من لم يكن في طريق أحد هذه المواقيت أن يذهب إليه بل تكفي المحاذاة وهي أي مكان من هذا المخمس المذكور.

 قالوا وعلى هذا فجدة ميقات لأن ما بين جدة والحرم هي كما بين الجحفة ويلملم، لذلك تعتبر جدة بناء على هذا ميقاتا، هذا هو حاصل أدلة هذا القول.

ونوقش هذا بأنه لا يسلم بأن القاعدة في تحديد المواقيت أنها غير منصوص عليها بل هي منصوص عليها في المواقيت الخمسة، وأن ما ذكر من المحاذاة فمسلم به ولكن لا يسلم تفسير أصحاب هذا القول المحاذاة، وهو كون الموضع المحاذي واقعا بين ميقاتين على خط واحد، هذا غير مسلم لغة وشرعا.

 أما لغة فلأن لغة حذا في اللغة لا تدل على تسمية المكان الواقع بين مكانين لا تدل على هذا، ولو صح هذا المعنى لغة فإنه لا يصح شرعا؛ وذلك لأنه يلزم عليه أن أي مكان واقع بين مكة والمدينة مثلا أنه يعتبر محاذيا للمواقيت، فيجوز الإحرام منه؛ لأنه يصدق على مكة اسم مكان، ويصدق على هذا الاسم على مواقيت.

 ثم أيضا التفسير للمحاذاة وهو كون المكان واقع بين ميقاتين على خط واحد وهذا لا يسلم به ومخالف لتفسير أكثر أهل العلم للمحاذاة.

وأما قولهم إن المسافة ما بين المحاذي ومكة تكون مساوية للمسافة ما بين الميقات والحرم فهذا مسلم به إلا أن تنزيله على جدة غير صحيح؛ وذلك لأن القول أن ما بين جدة والحرم هي نفس المسافة ما بين الجحفة والحرم، وبين يلملم والحرم هذا غير صحيح، ولا يسلم هذا، بل المسافة متفاوتة، فمسافة جدة من الحرم تعادل تقريبا الآن سبعين كيلو متر إلى ثمانين، وهي الآن أصبحت أقل من ثمانين، وأما مسافة الجحفة عن مكة فتعادل مائة وثمانين كيلو تقريبا، ومسافة يلملم عن مكة أربعة وتسعون كيلو متر تقريبا، فكيف نقول بالمحاذاة وهي تساوي بعد المكانين على الحرم مع هذا التفاوت الظاهر، فهذا القول لا يستقيم.

وأما أصحاب القول الثاني وهم أكثر أهل العلم الذين قالوا أن جدة لا تعتبر ميقاتا فاستدلوا بحديث ابن عباس: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدنية ذو الحليفة وبأهل الشام الجحفة إلى أن قال .. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن ممن أراد الحج أو العمرة حتى أهل مكة يهلون منها».

ووجه الدلالة: أن الإحرام من هذه المواقيت واجب وتجاوزها محرم، وقوله: وقت دليل على أنه لا يجوز تجاوز هذه المواضع لمن أراد الحج أو العمرة إلا محرما، وهذا يعني من مر بهن من أهلن أو غير أهلن فإنه يحرم منه، مع علمه صلى الله عليه وسلم بحاجة الناس وسلوكهم طريق البحر بسفن في وقته.

 ثم أيضا إنه قال: ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، يعني من كان دون هذه المواقيت فلا يحق له أن يجاوز مكانه الذي هو فيه، بل لابد من أن ينشأ النية.

ثم أيضا من أدلتهم قالوا: إن المسافة ما بين مكة وجدة هي أقل من المسافة ما بين جميع المواقيت ومكة، ولهذا فمن يقصد جدة لابد أن يمر بأحد المواقيت إلا في حالة واحدة وهي: من يأتي من الغرب من سواكن، وقالوا على هذا فلا بد أن يمر بأحد المواقيت، ولهذا لابد أن يحرم من جدة، وهذا القول الأخير هو القول الراجح أن جدة ليست ميقاتا؛ وذلك لأنها دون المواقيت، ولهذا من أتى بالطائرة إلى مطار جدة من جهة الشمال، أو من جهة الجنوب، أو من جهة الشرق، أو الشمال الشرقي، أو الجنوب الشرقي، أو الجنوب الغربي، أو من أي جهة لا بد أن يمر بأحد المواقيت إلا إذا أتى من الغرب رأسا من مدينة سواكن هذه هي الحالة الوحيدة استثنيناها، لكن ما عداها لابد أن يمر بأحد المواقيت، فكيف يقال بأنه يحرم من جدة، فأنا أعجب مِن مَن ذهب لهذا القول، عند تصور المسألة يتضح أن جدة داخل المواقيت دون حدود المواقيت، فإذا أتى بالطائرة من أي جهة لابد من أن يمر بأحد المواقيت، لكن هذا القول بدأ يبرز خاصة في السنوات الأخيرة، وبدأ يتبناه بعض طلاب العلم، أحببنا الإشارة لهذه المسألة، وأن هذا القول قول مرجوح، أنه لابد لمن يأتي جدة لابد أن يمر بأحد المواقيت، فجدة هي في الحقيقة هي داخل المواقيت، ودون المواقيت.

وبهذا يتبين أن القول الصحيح في هذه المسألة هو أن جدة ليست ميقاتا، وأن من أتى وقصد جدة لابد أن يحرم من الميقات.

هنا بعض المسائل المتعلقة بالإحرام بالطائرة، لا بأس أن نشير لها، من يريد الإحرام بالطائرة ينبغي أن ينتبه إلى مسألة مهمة وهي: أن الطائرة تسير بسرعة كبيرة جدا، ما بين ثمانمائة إلى ألف كيلو في الساعة، والمواقيت كثير منها يكون وادي، مثلا وادي قرن، السيل مثلا، يعني مسافته ليست كبيرة، عرض الوادي ليس كبيرا، كم ستقطع الطائرة هذا الميقات، كم تحتاج من الوقت حتى تتجاوز هذا الميقات ربما ثواني، ربما إذا زدنا قلنا دقيقة، فهذا يبين لنا أن من أراد أن يحرم في الطائرة فعليه أن يحتاط، كيف يحتاط؟ يحرم قبيل الميقات، بدقيقة أو دقيقتين؛ لأمرين: الأمر الأول: أن سرعة الطائرة كبيرا جدا.

الأمر الثاني: إخبار المضيفين والمسئولين عن الطائرة بالتجربة ليس دقيقا، لا يخبرون الإخبار الدقيق بدليل التفاوت، فلهذا ينبغي الاحتياط وأنت إذا أحرمت قبل المواقيت غاية ما في الأمر أن الإحرام قبل الميقات مكروه لكنه صحيح ومنعقد، وهذه الكراهة تزول بالحاجة، مجرد أنك فقط تتأخر عن الإحرام نصف دقيقة يمكن أن تكون قد تجاوزت الميقات، فانتبهوا لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس، كثير من الناس ربما يتوانى ويقيس الإحرام في الطائرة على الإحرام في السيارة، ربما حتى يتجهز ويأخذ منه خمس دقائق، خمس دقائق تجاوزت الميقات يكون أحرمت بعد الميقات، ومن أحرم بعد الميقات فعليه أن يرجع فإن لم يرجع فعليه دم، انتبهوا لهذه المسألة.

فعلى سبيل المثال: عند إقلاع الطائرة من الرياض إلى جدة قبل هبوط الطائرة بعشر دقائق تكون قد حاذيت ميقات السيل، عند يعلن للركاب الهبوط هنا تكون قد حاذيت السيل قبلها بعشر دقائق تقريبا، من اعتاد الإحرام ينبغي أن يتنبه لهذه المسائل ويكون دقيقا، وإذا لم يكن عنده معرفة يحتاط في الإحرام، وكونه يحرم قبل الميقات لا شك أنه خير من كونه يحرم بعد الميقات إذا لم يكن التحقق من الميقات الذي يمر به بدقة.

وبعض الناس أيضا تجد أنه عندما يركب الطائرة ينام، أو يغفل، أو ما ينتبه حتى يصل إلى مطار جدة، أو بعد مجاوزة الميقات، هذا نقول له: يجب عليه أن يرجع للميقات، فإن لم يرجع عليه دم.

وهناك فرق بين مسألة أنني أريد أن أحرم وبين عقد النية بالإحرام، بعض الناس يلبس مثلا لباس الإحرام لكنه حتى الآن ما أحرم، فهذا لابد أن يعقد النية عند الميقات، أما لو عقد النية مثلا وهو في الرياض على سبيل المثال فلا بأس لكن يكره الإحرام قبل الميقات غاية ما فيه أنه مكروه، هذا فيما يتعلق بهذه النازلة.

ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى من النوازل في الحج وهي مسألة المسعى الجديد، كان هناك المسعى القديم الذي على البناء على القديم بعد التوسعة الجديدة، أضيفت مساحات جديدة لهذا المسعى فاتسع المسعى، واختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه الزيادة في المسعى الجديد، فبعضهم قال: إن المسعى هو المسعى القديم، وأن هذه الأماكن توقيفية، وأنه لا يجوز الزيادة على المسعى القديم، كما أنه لا يجوز مثلا الزيادة في حدود عرفة، أو في حدود مزدلفة، أو في حدود منى، وأن هذه الأمور مسائل توقيفية.

 وقال آخرون: إن هذه الزيادة أنها داخلة في معنى المسعى، وفي حدود المسعى، وسبب الخلاف في هذه المسألة هو: الخلاف في تحقيق المناط، وإلا فإن العلماء جميعا متفقون على أن الواجب هو السعي ما بين جبلي الصفا والمروة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا فالواجب هو السعي بين الصفا والمروة لكن الخلاف هنا في تحقيق المناط.

 فمن العلماء من يرى أن حدود جبلي الصفا والمروة لا يتجاوز المسعى القديم.

 ومنهم من يرى أن حدود جبلي الصفا والمروة أنه أوسع من ذلك، والعلماء والمؤرخون قاموا بجهد كبير في تحديد كثير من المواضع في المسجد الحرام في مكة عموما، تحديدا دقيقا، حتى كانوا يحددون ذلك بالأصابع، لم أقف على تحديد لعرض جبلي الصفا والمروة، وربما أن السبب في هذا أنه لم يخطر ببال أحد من السابقين احتياج الناس لتوسعة المسعى، فإن الناس قد كثروا في الوقت الحاضر، وتضاعفت أعدادهم مرات، قبل مائة وخمسين عام كان عدد البشر يصل إلى مليار فقط، خلال المائة والخمسين عام الماضية تضاعف سكان الأرض سبع مرات، فأصبح الآن عدد الناس قرابة سبعة مليارات، وأيضا الناس في زيادة.

ومن تأمل الأحاديث الواردة في أشراط الساعة يدل على أن البشر سيزيد عددهم، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من أن جيشا مسلما سيقابل الروم، ويأتونكم تحت ثمانين راية في كل راية اثنا عشر ألفا يعني قرابة مليون، ولا يعلم أن جيشا غزى المسلمين بهذا العدد الكبير، هذا يدل على كثرة الناس، هذا هو السبب في عدم التحديد وإلا فإن السابقين حددوا ما هو أقل من هذا، لكن ذكر الأزرقي في كتابه: أخبار مكة أن عرض المسعى خمسة وثلاثون ذراعا ونصف، يعني قرابة سبعة عشر مترا وأربع سنتمترات تقريبا.

وذكر غيره تحديدات قريبة من هذا، لكن هذه التحديدات إنما كان فيها تحديد لعرض المسعى في زمنهم، وليس فيها تحديد لجبلي الصفا والمروة، فلا تكون صالحة للاحتجاج بها، هو يحدد المسعى الموجود الذي يسعى فيه الناس في زمنهم، ولم يقل إن هذا تحديد لعرض جبل الصفا أو عرض جبل المروة، ولهذا قال مجاهد بن جبر: «هذا بطن المسيل الذي رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الناس انتقصوا منه» وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.

والذي يظهر والله أعلم أن حدود جبلي الصفا والمروة أنها أوسع بكثير من حدود المسعى القديم، والدليل لهذا أمور:

الأمر الأول: ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، ونادى يا صباحاه، فاجتمعوا إليه فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل – الصفا – أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال: أبو لهب، ما جمعتنا إلا لهذا، تب لك سائر اليوم»، فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخر السورة.

وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل هذا دليل على اتساع هذا الجبل، واتساع سفحه، وأنه يتسع لخيول جيش يقاتل ويغير، هذا يدل على أنه متسع، وليس فقط مجرد حدود المسعى القديم، لو كان مجرد حدود مسعى قديم ما قال: خيلا على سفح هذا الجبل؛ لأن حدود المسعى القديم ما يتسع لخيول جيش يأتي ويغير فهذا يدل على اتساع الجبل، وأن سفحه كافي لاستيعاب خيول جيش.

ومما يدل على هذا أن أشعار العرب التي نقلت لنا تدل لهذا، وتشير لاتساع جبلي الصفا والمروة، فمن ذلك الأعشى الشاعر المعروف المتوفى في السنة السادسة من الهجرة، كان يقول فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا، ولا لك حق من شرب ماء زمزمي، فقوله: فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا، يعني يدل على اتساع جبل الصفا، وأنه موضع للسكن وموضع للاستقرار، كما أن الحجون كذلك، وليس هو مجرد الحجر الأملس بدليل أنه قابله بذكر الحجون، وهو جبل متسع محل للسكنى فالصفا كذلك.

وأيضا يقول مضاض بن عمرو بن الحارث: «كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر».

 فهذا يدل على أن موضع الصفا أنه هو كالحجون الذي به منازل، وبه سكن، وبه محل استقرار.

قصي بن كلاب يقول في قصيدة المشهورة:

أنا ابن العاصمين بني لؤي      ****   بمكة منزلي وبها ربيت

ولي البطحاء قد علمت معد    ****   ومروتها رضيت بها رضيت

شاهد قوله: رضيت بها رضيت رضي بالمروة وهذا يدل على اتساع المروة، وأنها محل للسكنى والرغبة والتملك ولهذا أشار قصي بن كلاب إلى رضاه بها.

فهذه الأشعار وغيرها مما هو مذكور في كتب الشعر وكتب الأدب تدل على اتساع جبلي الصفا والمروة، وأنه قد كان من الناس من كان ساكنا على جبلي الصفا والمروة.

وفي الوقت الحاضر شهد بذلك بعض كبار السن، ومن أبرز من شهد بذلك: الشيخ عبدالله بن جبرين – رحمه الله – فإنه قد ذكر بأنه لما حج سنة 1369 أنه رأى جبل الصفا وأنه متسع من الجهة الشرقية، وأنها أوسع من حدود المسعى القديم، فهذا كله يدل على اتساع جبلي الصفا والمروة، وأن التوسعة للمسعى الحالي أنها داخلة في حدود المسعى، ولا حرج على الإنسان أن يسعى فيها، هذا هو الذي يظهر والله أعلم بالنسبة لهذه المسألة.

على أن من يأخذ بالقول الأول بإمكانه أن يسعى في المسعى القديم، في القبو لا زال على المسعى القديم، وأيضا هو أخف زحاما، لا زال القبو على المسعى القديم، لكن الذي يظهر أنه لا حرج في ذلك، وأن المسعى بتوسعته الحالية أنه يدخل في حدود المسعى، بل حتى لو أمكن زيادة على ذلك ممكن، حدود جبل الصفا عرض الصفا والمروة أطول من حتى المسعى الجديد.

حدثني أحد المشايخ من أهل مكة يقول: أيني أذكر جبل الصفا والمروة وأنها كانت متسعة، وليست في حدود المسعى القديم، يقول: كنا نذكرها ونحن صغارا، ونذكر هذا جيدا، فشهد بعض كبار السن باتساع عرضي جبل الصفا والمروة.

والمسألة كما ذكرت هي مسألة تحقيق مناط، وإلا من حيث الحكم الجميع متفق على أن السعي بين الصفا والمروة، لكن ما هي حدود جبل الصفا، ما هي حدود جبل المروة، هذا هو محل البحث.

وأيضا هناك مسألة متعلقة في حدود المسعى وهي: اتصال المسعى بالمسجد الحرام، وأثر ذلك في الأحكام الشرعية؟

المسعى كم ذكرنا هو ما بين جبلي الصفا والمروة، ولم يكن جزءا من المسجد الحرام، أو متصل به في الزمن الماضي، بل كان منفصلا عنه تماما، كان هناك مساكن أقيمت ما بين المسعى والمسجد الحرام، وأسواق، ومدارس، ومن أشهر الأسواق التي كانت بين المسعى والحرم كما ذكر المؤرخون سوق الكتيبة فقد كان هذا سوقا بين المسعى والمسجد الحرام ويسميه بعضهم بسوق الوراقين، ومن المدارس التي كانت بين المسجد الحرام والمسعى مدرسة الشعرابي، كانت السيارات تسير في باطن الوادي، بل كانت أيضا البهائم والدواب وكان الساعون يختلطون بالمتسوقين وهذا يذكره بعض كبار السن، ومحمد طه الكردي في كتابه: التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم ذكر شيئا من هذا، وكان مما ذكر وقفت على ساحة المسجد الحرام ثم قال: إن ساحة المسجد الحرام بلغت بعد عمارة السلطان مراد خان عام 984 هـ وتوقف البناء حول المسجد الحرام، ثم بعد ذلك لا زال البناء يسعى ويزحف حتى اتصلت به المنازل من جميع الجهات.

ثم يصف المؤرخون ما بين المسجد الحرام والمسعى يقولون: قد أصبحت الطرق المؤدية إليه أزقة ضيقة ملتوية، ونشأت المساكن، وأصبح الوصول للمسعى فيه مشقة.

وأيضا كان هناك متسوقون يختلط المتسوقون بالساعين، فكان هناك من يبيع على جانبي المسعى يبيعون الحوائج والبضائع، وهناك من يأتي ويتسوق، وهناك من يأتي ويسعى، وربما أن السبب في هذا والتغاضي عن ذلك أن عدد الحجاج كان قليلا، ولم يكن هناك مشكلة كبيرة في هذا.

 إنما لما تكاثر الحجاج برزت هذه المشكلة، ولما قامت المملكة وفي عهد الملك سعود تحديدا ابتدأت التوسعة عام 1375 هدمت المنازل والدور التي كانت ما بين المسجد الحرام والمسعى، وعوض أصحاب تلك المنازل، ثم فصل المسعى بأسلوب هندسي بحيث كان متصلا بالمسجد الحرام بعد إزالة وفصل تلك المنازل.

 وقد كان الناس من يريد السعي كان في السابق ما بين الصفا والمروة لم يكن هناك فصل للذاهب عن الآتي كان واحدا، يختلط من يذهب للصفا من المروة، ولمن يأتي من المروة للصفا، لكن فصل ذلك بعد حدوث التوسعة الجديدة من باب التنظيم والترتيب للساعين، ولذلك لو أنك عكست عندما تريد الذهاب من الصفا للمروة هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن ربما تؤذي الناس بمصادمتهم، فهذا من باب الترتيب والتنظيم، وإلا لم يكن هذا موجودا من قبل، بناء على هذا اتصل المسعى بالمسجد الحرام.

كان الفقهاء السابقون يقولون إن المسعى خارج المسجد الحرام ولذلك يقولون: إن الحائض لها أن تسعى وذلك لأن المسعى خارج المسجد الحرام، وليس لها أن تطوف لأن ستطوف داخل المسجد الحرام، وكذلك المحدث يقولون له أن يسعى، وبينما الطواف لا بد أن يكون على طهارة في قول جمهور أهل العلم، فهذا هو وجه اعتبار هذه المسألة نازلة.

قبل أن أشير لكلام أهل العلم في هذه المسألة، أشير أيضا لمسألة سبق أن أشرنا لها في دروس سابقة وهي: أن المسجد الحرام كان فيه مقامات، مقام المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، الغريب في الأمر أن هذه المقامات كانت موجودة من قديم الزمان، ذكر المؤرخ إبراهيم بن عيسى المتوفى سنة ألف وتسعة وسبعين، ذكر أن وقت حدوث هذه المقامات أنه غير معروف على وجه دقيق لكن قال: رأيت ما يدل على أن المقام الحنفي، والمالكي كانا موجودين سنة أربعمائة وسبع وتسعين، قال وأن الحنبلي لم يكن موجودا، وقال ووجدت ما يدل على أنه موجود سنة خمسمائة وأربعين، إلى عهد الملك عبدالعزيز، قرابة تسعمائة سنة، وهي موجودة هذه المقامات، كان الشافعي لا يصلي خلف الحنبلي، والمالكي لا يصلي خلف الشافعي، فكان هذا في تفرقة بين المسلمين، ولذلك أنكر هذا العلماء فلما أتى في عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أزيلت هذه المقامات، وجمع الناس على إمام واحد، في سنة ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين أصدر الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – فتوى بإزالة المقامات الثلاثة ولم يكن فيه إلا مقامات الحنفي، والمالكي، والحنبلي، والشافعي يقولون أنه ليس كان موجودا في ذاك العام ألف وثلاثمائة وسبع وسبعين.

 كان يوجد هناك حفرة عن يمين واقف أمام الكعبة تسمى حفرة التوبة، وكان الناس يقعون فيها ويتبركون فيها، دفنت هذه الحفرة وأزيلت والحمد لله، هذه لمحة بسيطة فقط عن هذه المقامات.

لما اتصل الآن المسعى بالمسجد الحرام وقع الخلاف بين علماء المعاصرين هل يأخذ حكم المسجد فنقول أن الحائض ليس لها أن تسعى، وليس للمحرم أن يسعى إلا على طهارة، أو نقول إن المسعى حتى وإن اتصل بالمسجد الحرام إلا أنه منفصل عنه؟

هذه المسألة بحثت في المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في الدورة الرابعة، واختلف العلماء فيها، وكان رئيس المجمع هو سماحة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وذهب الأكثر إلا أن المسعى لا يأخذ حكم المسجد الحرام وبه صدر قرار المجمع ، وقالوا: لأن المسعى مشعر مستقل؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاوقالوا ما دام أنه مشعر مستقل وهو وإن اتصل بالمسجد الحرام إلا أنه لا يزال منفصلا لكونه مشعرا، ولكونه معدا للسعي، قالوا: لا يأخذ حكم المسجد الحرام، والحائض لها أن تطوف فيه، والمحدث كذلك.

ومن العلماء المعاصرين من قال إنه ما دام أنه قد اتصل بالمسجد الحرام فإنه يأخذ أحكامه، لكن الأكثر على أنه منفصل، وأنه مشعر مستقل، وهذا هو الأقرب والله أعلم، أن الحكم متصل، وأن المسعى منفصل، ولا يزال منفصل عن المسجد الحرام، وأنه وإن اتصل بالمسجد الحرام إلا أنه مشعر مستقل، حتى بنايته مختلفة عن المسجد الحرام، وهو مهيأ للسعي، وليس مهيأ للصلاة فيه، فلا تزال حتى بنايته تدل على أنه منفصل، أو في حكم المنفصل.

يترتب على هذا إذا قلنا إن المسعى منفصل، وأنه لا يؤخذ حكم المسجد الحرام، أن الساحات التي تقع خلف المسعى أنها من باب أولى ليست من المسجد الحرام، ولذلك من يأتي إليها لا يلزمه أن يأتي بتحية المسجد، الحائض لها أن تجلس فيها، فهي من باب أولى، أنها ليست في المسجد الحرام.

بالنسبة للصلاة إذا اتصلت الصفوف فيأخذ الصلاة فيه تأخذ حكم الصلاة في المسجد الحرام، أما إذا لم تتصل الصفوف فحكم الصلاة فيه هي حكم الصلاة خارج المسجد الحرام، وهي مسألة أيضا خلافية.

ما حكم الصلاة خارج المسجد الحرام؟

إن كانت الصفوف متصلة فتأخذ حكم الصلاة داخل المسجد الحرام، لكن الإشكال إذا كانت الصفوف غير متصلة فهل تأخذ الصلاة خارج المسجد الحرام في الساحات، وفي الفنادق المحيطة بالمسجد الحرام هل تأخذ حكم الصلاة في المسجد الحرام؟

هذه محل خلاف بين أهل العلم، من العلماء من اعتبرها تأخذ حكم الصلاة في المسجد الحرام.

 لكن الراجح أنها لا تأخذ؟ لأننا لو قلنا تأخذ الحكم الصلاة في المسجد الحرام للزم أيضا في غير مسجد الحرام أن من يقتدي بالإمام وهو خارج المسجد أن صلاته تصح، يعني مثلا في هذا المسجد، جيران المسجد الذين من الجهة الشرقية، إذا قلنا إنه لا يشترط اتصال الصفوف لمن كان خارج المسجد، فيلزم على هذا أن جيران المسجد يقتدون بالإمام ما المانع، هذا يترتب عليه لوازم خطيرة.

 لهذا فمن يرجح هذا القول ينتبه لهذه اللوازم، ولهذا فالأقرب أنه من يصلي خارج المسجد سواء المسجد الحرام أم غيره فإنه لابد من اتصال الصفوف.

 أما داخل المسجد سواء المسجد الحرام أو غير المسجد الحرام لا يشترط اتصال الصفوف، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، لكن يشترط ألا يصلي خلف الصف وحده فقط، وعلى ذلك هذا مما يخفف المسألة في المسجد الحرام أحيانا لا تكون الصفوف داخل المسجد متصلة في بعض الأوقات، كصلاة الظهر مثلا، أو العصر في بعض مواسم السنة، فنقول الصلاة صحيحة ما دامت داخل حدود المسجد الحرام، لكن خارج المسجد الحرام القول الراجح أنه لابد من اتصال الصفوف.

 ومن قال: إنه لا يشترط اتصال الصفوف يلزم المسألة التي ذكرت، أن جيران المسجد لهم أن يقتدون بالإمام لا فرق بين مسجد الحرام وغيره من المساجد في هذه المسألة، وهذا هو الرأي الذي رجحه الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – أنه يشترط لمن صلى خارج المسجد الحرام يشترط لذلك اتصال الصفوف، وعلى هذا فالذي يصلون في الفنادق والشقق التي قريبة من المسجد الحرام نقول انتبه إن كانت الصفوف متصلة فصلاتهم صحيحة، وإن كانت الصفوف غير متصلة فلا تصح في أظهر قولي العلماء، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

نكتفي بهذا القدر في فقه النوازل.