الخثلان
الخثلان
الدرس 2 نوازل الحج
20 جمادى الأولى 1437 عدد الزيارات 985
التصنيف: فقه النوازل

فقه النوازل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخليله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين،

أما بعد:

فنبدأ هذا الدرس، ونبدأ بفقه النوازل، كان السلف الصالح على جانب كبير من العناية بفقه النوازل مع أنهم كانوا يكرهون التسرع في الفتيا، وكان كل واحد منهم إذا استفتي يود لو أن أخاه كفاه، قال ابن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا مفتي إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا».

وأيضا ذكر عنهم أن السائل يأتي ويستفتي وكل يحيل على الآخر إلى أن يرجع المستفتي إلى الأول، وقال ابن عباس – رضي الله عنهما -: «كل من أفتى الناس عن كل ما يسألون عنه إنه لمجنون». 

وروي مثل ذلك عن ابن مسعود، والإمام أحمد قال عنه ابنه عبدالله: كنت أسمع أبي يسأل فكثيرا ما أسمعه يقول: «لا أدري»، وكذلك الإمام مالك، وابن القيم – رحمه الله - : يعلق على الجرأة على الفتيا فيقول: «إن الجرأة على الفتيا إما أن تكون من قلة العلم، أو من غزارة العلم» فإما أن تكون من قلة العلم مع الجرأة فهؤلاء يتجرءون مع قلة علمهم، وإلا لو كان عندهم علم ورأي لمنعهم من التسرع في الفتية، أو قد يكون من غزارة العلم وسعة العلم، ولهذا إذا اتسع علم الإنسان اتسعت فتياه، كما كان ابن عباس رضي الله عنهما من أوسع الناس علما، ومن أوسعهم فتيا.

 مع كراهة السلف في التسرع في الفتيا إلا أنهم إذا نزلت نازلة لم يتركون الناس وإنما يتجتهدون فيها لحاجة الناس الملحة لبيان الحكم الشرعي في تلك النازلة.

 وقد حصل الاجتهاد حتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين، عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، فلما حان وقت صلاة العصر اختلف الصحابة وانقسموا قسمين: قسم أخذوا بظاهر اللفظ، وقالوا: لا نصلي صلاة العصر إلا في بني قريظة حتى لو لم نصل بني قريظة إلا بعد غروب الشمس، فقالوا نتمسك بظاهر اللفظ.

 القسم الثاني قالوا: نتمسك بمقصود اللفظ وليس بظاهر اللفظ، وقالوا ما مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام، مقصوده هو حثنا على الإسراع وعدم التباطؤ فقالوا: نصلي صلاة العصر في وقتها ثم نسير، فصلوا صلاة العصر في وقتها ثم انطلقوا» يقول: ابن عمر الحديث في الصحيحين ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أيا من الطائفتين؛ لأن كلا من الطائفتين مجتهد، لكن إذا أردنا أن نعرف أي الطائفتين أفقه؟ الطائفة الثانية التي أخذت بمقصود النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أهمية العناية بمقاصد الشريعة.

فابن القيم – رحمه الله – أشار لهذه المسألة، وأشار إلى أن الطائفة الثانية أفقه، لكن مع ذلك كون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الذين أخذوا بظاهر اللفظ هذا يدل على أن من أخذ بظاهر النص لا ينكر عليه، فإذا هذا الاجتهاد وقع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضا حصلت نوازل في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر، وفي عهد عثمان، ومن بعدهم وكانوا يجتمعون ويجتهدون، ومن أشهر النوازل التي حصلت وكانت في عهد عمر - رضي الله عنه - : قصة الطاعون لما وقع بأرض الشام، هذه القصة ذكرها البخاري في صحيحه، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : «خرج بالناس إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، - فهذه الآن نازلة فماذا فعلوا:- نتعرف الآن على منهج عمر والصحابة في كيفية التعامل مع هذه النازلة- جمع عمر – رضي الله عنه – الصحابة – وهذا أولا نستفيد منه منهجا في التعامل مع النوازل وهو اجتماع العلماء، واجتماع الفقهاء والتباحث فيما بينهم، فلا يصدر الإنسان عن رأيه من غير رجوع لغيره من أهل العلم، هنا عمر – رضي الله عنه – كان بإمكانه أن يجتهد هو ويقرر، لكن لم يكن هذا هو منهج الصحابة في التعامل مع النوازل، كان منهجهم هو الاجتماع، فجمع عمر – رضي الله عنه – الصحابة، كان أول من جمعهم المهاجرون، فاستشارهم وأخبرهم بأن الوباء قد وقع بأرض الشام فاختلفوا فقال بعضهم: نرى أن تذهب وأن أمرا خرجت له لا ترجع، وقال آخرون: نرى أن معك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخيار الناس، ونرى أن لا تقدم بهم على هذا الوباء فاختلفوا، فقال عمر: ارتفعوا عني، كان عمر ما رضي هذا الاختلاف بينهم ثم قال لابن عباس: ادعوا لي الأنصار، قال: فدعوتهم، فاستشارهم، فاختلفوا كما اختلف المهاجرون، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال لابن عباس: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فقال: فدعوتهم، فلم يختلف عليه رجلان منهم، وقالوا: نرى أن ترجع بالناس وألا تقدم بهم على هذا الوباء، فاتفقوا ولم يختلفوا، فقال عمر – رضي الله عنه – ونادى في الناس وقال: إني مصبح على ظهر فأصبحوا، وأمر الناس بالرجوع، أحد الصحابة اعترض وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال يا أمير المؤمنين: أفرارا من قدر الله، فقال عمر – رضي الله عنه - : لو قالها غيرك يا أبا عبيدة، نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كان لك إبل هبطت واديا فيه عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى مجدبة، أليست إن رعيت الخصبة رعتها بقدر الله، وإن رعيت المجدبة رعتها بقدر الله، قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فأخبر فقال: إن عندي في هذا علما، إن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منه فرارا منه، فحمد الله عمر وكبر، وحمد الله تعالى أيضا الصحابة على أن وفقهم للاجتهاد الصحيح» فهنا يبين لنا كيف أن الصحابة اجتهدوا في هذه النازلة ووفقوا للصواب قطعا؛ لأن عبدالرحمن بن عوف أخبر بأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، ولهذا فإن الاجتهاد الجماعي هو أقرب للتوفيق من الاجتهاد الفردي، فهذه من أشهر النوازل التي وقعت في زمن الصحابة واجتهدوا فيها، فكان الصحابة إذا وقعت النازلة يجتمع فقهائهم ويجتهدون في هذه النازلة.

ثم سار فقهاء الإسلام من بعدهم على مر العصور على هذا المنهج كانوا يجتمعون ويتناقشون، ويتحاورون، ويخرجون عن رأي في تلك النوازل.

مهما كان عليه الإنسان من العلم، ومن التقوى، ومن الصلاح، قد يذهل يبقى بشرا يرد عليه ما يرد على البشر، فهو بحاجة إلى إخوانه يسددونه، ربما أحد الحاضرين يذكر حديثا وهو لا يعلم به، ربما أحد الحاضرين يذكر مثلا مأخذا للمسألة وهو غافل عنه، ربما يكون في ذهنه شيء ثم يأتي أحد الحاضرين ويناقشه فيه فيتراجع، لا شك أن هذا الاجتماع فيه إثراء البحث في تلك المسألة النازلة.

إنما قلت إن الإنسان مهما كان عليه من العلم قد يذهل أقول هذا وقع حتى لكبار الصحابة لما مات النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة لم يصدق، ومنهم بعض الكبار كعمر بن الخطاب قال: إنه لم يمت وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وسيرجع ويقطع أعناق رقاب من المنافقين، حتى أتى أبو بكر وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر: 30] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ يقول عمر والصحابة: والله لكأنما نزلت الآية هذه الساعة.

أليسوا يقرئون هذه الآية، يقرءونها ويرددونها لكن البشر يذهلون، الإنسان مهما كان يبقى بشرا يرد عليه الذهول ويرد عليه الغفلة ويرد عليه النسيان فهو بحاجة إلى من يعينه ويسدده.

الاجتهاد في فقه النوازل في الوقت الحاضر وجد عناية كبيرة، خاصة أن العصر الذي نعيشه قد كثرت فيه النوازل أكثر من أي عصر مضى، كما ترون ما يسمى الآن بالثورة الصناعية والتقدم الكبير الذي شهده العالم.

 لو أتيت إلى إنسان قبل مائة عام مثلا، وأخبرت بأنه سيكون كذا وكذا وذكرت له الكهرباء، والتلفاز، والتلفون، لا يصدق أحد هذا الذي حصل من هذا التقدم الذي نعيشه بجميع المجالات، وجميع مناحي الحياة، هذا كله أفرز نوازل كثيرة، النوازل في هذا العصر أكثر منه في أي وقت مضى.

 وأكبر إشكالية تواجه العلماء في الوقت الحاضر في النوازل هي مسألة التصور، تصور واقع النازلة، فتجد أن كثيرا من العلماء عندهم كثير من العلم، والفقه، والرسوخ الشيء الكثير لكن أكثر ما يسبب لهم الإشكال تصور النازلة التصور الصحيح، التصور الدقي؛ وذلك بسبب تعقد كثيرا من القضايا والنوازل، ولهذا فقهاء العصر بحاجة إلى الاجتهاد الجماعي الذي كان موجودا عند السلف الصالح، نحن أيضا بحاجة إليه في الوقت الحاضر لمعرفة الحكم الشرعي في هذه النوازل، وقد وجد ولله الحمد مؤسسات ترعى الاجتهاد الجماعي وتعنى به، ومن أبرز هذه المؤسسات العلمية: المجامع الفقهية لها جهود كبيرة في معرفة الأحكام الشرعية لتلك النوازل الحادثة، والمجامع الفقهية والهيئات العلمية ميزتها أنه يجتمع فيها المتخصصون، يجتمع فيها الفقهاء مع المتخصصين في تلك النازلة، فإذا كانت النازلة طبية أتي بأهل الاختصاص من الطب، إذا كانت النازلة اقتصادية أتي بأهل الاقتصاد، إذا كانت النازلة فلكية أتي بأهل الفلك، وهكذا.. فيؤتى بالمتخصصين في تلك العلوم، وأبرز المجامع الفقهية في العالم الإسلامي أولا: مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.

ثانيا: مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة التعاون الإسلامي، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي بالسودان، ومجمع الفقه الإسلامي بالهند، ومجمع الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية، وأخيرا أقر عندنا هنا في المملكة المجمع الفقهي في المملكة العربية السعودية وصدر نظامه في آخر شهر رمضان.

وهناك مجامع آخرى قد تكون صغيرة أبرز هذه المجامع كلها: هو مجمع الرابطة، المجمع الدولي.

مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي هذا المجمع نفع الله تعالى به نفعا عظيما، وانتقى له نخبة من فقهاء العالم الإسلامي، وقد حضرت عددا من دورات هذا المجمع، وأفدت منها فائدة كبيرة، ويختار له أبرز فقهاء العالم الإسلامي، بل حتى العلماء في غير العالم الإسلامي، وقد كان بداية تأسيسه وقد أوصت به الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي عام 1383 ، ثم في عام 1384 ، قرر المؤتمر الثاني لأمانة الرابطة تأسيس المجمع الفقه الإسلامي في عام 1385 قرر المجلس التأسيسي للرابطة تشكيل هيئة علمية من أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة لدراسة مشروع المجمع الفقهي، وكان برئاسة الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – ثم عام 1393 رفعت الأمانة للرابطة ما توصت إليه الهيئة المذكورة فاتخذ المجلس قرارا  بتأليف مجلس المجمع من عشرة أعضاء، وفي عام 1396 أصدرت الأمانة العامة للرابطة قرارها بتأسيس إدارة خاصة للمجمع الفقهي الإسلامي، وفي عام 1397 أقر المجلس التأسيسي للرابطة نظام المجمع، وبدأ نشاطه عام 1398 هـ لاحظ كم بين فكرة تأسيسه وبين انعقاد أول دورة قرابة خمسة عشر عاما حتى انبثق هذا المجمع، وعقد عشرين دورة، وسيعقد قريبا إن شاء الله الدورة الحادية والعشرين، ونظامه أن الدورة تعقد كل سنتين، وقراراته موجودة على موقع الرابطة وهي قرارات مفيدة لطالب العلم، وهي الحد الأدنى لطالب علم لكي يعرف الحكم الشرعي في تلك النوازل التي بحثها المجمع، رئيس المجمع كان الشيخ عبدالله بن حميد – رحمه الله – ثم لما توفي رأسه الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – ثم الآن سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، هذا المجمع الفقه الإسلامي، طريقتهم هو استكتاب عدد من الباحثين والمختصين، والاستعانة بعدد من الخبراء، ثم عرض البحث ومناقشته، ثم بعد ذلك إن كان هناك خلاف في الرأي وهو الغالب طبيعة البشر هو الاختلاف، يكون هناك تصويت ويصدر قرار بالأغلبية.

المجمع الثاني هو: مجمع الفقه الإسلامي الدولي لمنظمة التعاون الإسلامي، كان اسمها قديما منظمة المؤتمر الإسلامي ثم غير قريبا من سنتين، ومقره جده، بدأ تأسيسه بقرار من المؤتمر القمة الإسلامي في مكة المكرمة عام 1401 ، ثم انعقد المؤتمر التأسيسي للمجمع عام 1403 وانتخب الشيخ  محمد بن جبير – رحمه الله – رئيسا له، ينعقد في عدد من الدول العالم الإسلامي إلا أن مقره في جدة، كان مقررا الدورة القادمة تنعقد في الجزائر ثم اعتذرت، وستنعقد في البحرين الدورة القادمة قريبا إن شاء الله، رأسه بعد الشيخ محمد بن جبير الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – ثم بعد وفاته، الآن يرأسه الشيخ صالح بن حميد، ومجلة المجمع مطبوعة في أكثر من أربعين مجلدا فيه فائدة كبيرة، فيها عرض لكثير من النوازل، أنصح الإفادة منها، وتوجد أيضا على قرص لأن أحجامها كبيرة، وتوجد أيضا على موقع المنظمة.

وهناك مجامع آخرى أقل رتبة من هذين المجمعين، هذان أبرز مجمعين في العالم الإسلامي.

وأما بالنسبة للهيئات العلمية التي تعنى بفقه النوازل فمن أبرزها: هيئة كبار العلماء في المملكة وقد صدر الأمر بإنشائها عام 1391 هـ ويتفرع منها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقد نشر بعض قرارات الهيئة كما ذكرت هي تعرض لكثير من النوازل.

أيضا من أبرز المؤسسات العلمية التي تعنى بالنوازل هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية لكن هذه مختصة في المعاملات المالية فقط، بل في المعاملات المصرفية، وهذه مقرها في البحرين، وهذه لها جهود كبيرة في وضع المعايير الشرعية، وصدر عنها أكثر من واحد وأربعين معيارا، وطريقتهم: أنه يستكتب أحد الباحثين بكتابة بحث عن موضوع من الموضوعات المالية المصرفية، ثم يناقش الباحث من قبل اللجنة الشرعية، ثم يعد مسودة للمعيار، ثم يعرض على المجلس الشرعي بعد ذلك، ثم يعرض على هيئة استماع تتكون من علماء وخبراء ومختصين، ثم يعاد بعد ذلك للمجلس الشرعي لتعديل ما يرد من ملحوظات، ثم يصدر المعيار، بعد سلسلة طويلة من الإجراءات.

 وأقول إن المعايير الشرعية في المعاملات المصرفية أقوى من قرارات المجامع الفقهية، وقد كتبت بعض قرارات المجامع، وكتبت بعض هذه المعايير، المعايير تمر بسلسلة طويلة من الإجراءات، سلسلة طويلة من التمحيص والمراجعة والمناقشة، أحيانا معيار يبقى سنتين وهو يراجع ويمحص، وقد أريد أن تكون هذه المعايير على غرار المعايير المحاسبية، عبارة مركزة، وطبعت هذه المعايير في مجلد كبير وقد لا يكون موجودا في المكتبات، هو موجود على الشبكة العالمية، ويمكن أن يطلب من الهيئة نفسها، فهذه المعايير يستفاد منها في النوازل في المعاملات.

وهناك مؤسسات علمية آخرى نكتفي، والهيئات الشرعية في المصارف أيضا لها جهود كبيرة في النظر في النوازل في المعاملات المصرفية، من أبرز الهيئات الشرعية للمصارف: الهيئة الشرعية في مصرف الراجحي ولقد صدر لها ثلاث مجلدات في المعاملات المالية المصرفية، ولها جهاز رقابي أيضا، وكذلك الهيئة الشرعية في مصرف البلاد، ومصرف الإنماء، فهي تقوم هذه الهيئات الشرعية بجهود كبيرة أيضا في معرفة النوازل.

هذه أبرز المؤسسات والهيئات العلمية التي تعنى بفقه النوازل في الوقت الحاضر، وينبغي أن يكون طالب العلم على صلة بها، ومعرفة رأي هذه الهيئات العلمية هو الحد الأدنى لطالب العلم لكي يتعرف على الحكم الشرعي لتلك النوازل.

فمثلا لو سألته عن حكم بطاقات الإئتمان؟ على الأقل يعطيني رأي مجمع الفقهي هذا على أقل تقدير، وهذا هو الحد الأدنى.

ننتقل بعد ذلك للكلام عن مناهج العلماء المعاصرين في النظر للنوازل، هناك أبرز المناهج ثلاثة مناهج في النظر في النوازل والمسائل المستجدة.

المنهج الأول: منهج التضييق والتشديد، فكلما سؤول عن أي نازلة قال هذا حرام، وهذا المنهج غير سديد، ولا يتوافق مع الشريعة السمحة التي رفع الله تعالى فيها الحرج عن عباده ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

 وكما يقول سفيان: مقولة عظيمة يقول: «التشديد كل يحسنه وإنما العلم الرخص عن الثقات» من السهل أن تقل حرام لكن الرخصة عن ثقة هذا هو العلم هذا هو الفقه.

من خلال أجوبتي والإفتاء الذي أذكره في بعض البرامج، وبعض القنوات، وبعض الوسائل الإعلامية، أكثر من يعترض علي عندما أقول هذا الشيء جائز، أجد من يعترض علي، لكن عندما أقول حرام يندر أن أحدا يأتي ويعترض، وهذا يدل على أن هناك بعض الأخوة عندهم نزعة التشديد، هذا التشديد نقول إنه في غير محله، كما قال سفيان، ثم أيضا تحريم الحلال هو كتحليل الحرام، بل إن تحريم الحلال قد يكون أشد من تحليل الحرام؛ لأن تحريم الحلال ناقل عن الأصل وهو براءة الذمة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.

وقد أنكر الله تعالى على المشركين تحريم كثير مما أباح الله لهم، كما في سورة الأنعام في عدة آيات، منها قول الله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 143، 144] كل هذا إنكار على من حرم ما أحل الله، لاحظ التشديد في الإنكار على من حرم ما أحل الله إذا كان ذلك من غير علم.

وكما في قوله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103].

وكما في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ والآيات في هذا كثيرة تنكر أشد الإنكار على من حرم ما أحل الله تعالى بغير علم، أما من حرم بعلم فإنه مجتهد قد يصيب وقد يخطئ، لكن من حرم بغير علم هذا هو الذي يرد عليه الإنكار.

المنهج الثاني: يقابل هذا المنهج وهو منهج التساهل والانحلال، كما يعبر عن ذلك الشاطبي، يسميه الشاطبي منهج التساهل والانحلال والتوسع الزائد، وهذا نلحظه من بعض الناس، نلحظ من بعض المفتي تساهلا كبيرا في مسائل الفتيا، ومن أبرز ملامحه: الإفراط في العمل من مصلحة ولو عارضت النصوص الشرعية، وتتبع الرخص، والتلفيق بين المذاهب، والمبالغة في الأخذ بالحيل الفقهية، ولذلك نجد أنه في بعض البنوك يمارس الربا ويمرر عن طريق بعض الهيئات الشرعية التي تسلك هذا المنهج، فيكون ربا لكنه يسمى بغير اسمه، يسمونه غرامة تأخير، أو بغير اسمه، أو يسمون ما يأخذه البنك من فوائد ربوية رسوم إدارية أو نحو ذلك.. هذا المنهج منهج خطأ، وفيه تميع لأمور الشرعية، هذا نلحظه في أمور كثيرة في مسائل المعاملات، ونلحظه كذلك في الحج، نجد من يميع كثيرا من المسائل بحجة التسهيل على الناس والتيسير على الناس، مع أن الله عز وجل لم يعذر ذلك الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر من على رأسه، وهو كعب بن عجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كنت أظن أن الجهد بلغ بك ما أرى»، هل تركه بدون شيء؟ لا أمره بالفدية، أمره بذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، مع أن قد بلغ به الجهد مبلغا عظيما والقمل يتناثر على رأسه ومع ذلك ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم بدون شيء، منهج التميع والتساهل في كثير من أمور الدين لا شك أن هذا منهج خطأ. 

المنهج الثالث: الاعتدال فلا تشديد ولا تساهل، مع النظر للأصول والقواعد الشرعية، والنظر للمقاصد، والتشديد فيما شددت فيه الشريعة، والتوسعة فيما وسعت فيه الشرعية، وهذا المنهج هو المنهج الصواب، ويصفه الشاطبي يقول: «المفتي البالغ ذروة الاجتهاد هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، قال: والدليل على صحة هذا أن هذا هو الصراط المستقيم فإن الصراط المستقيم وسط بين طرفين، فإن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، أما طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما طرف الانحلال فكذلك.. إلى آخر ما ذكر» إذا هذا هو المنهج الصواب منهج الاعتدال، وأن من ينظر للنازلة ينظر لها بمنظار الأدلة من الشرع، وينظر للقواعد والأصول الشرعية، وينظر إلى مقاصد الشرعية، وهذا هو المنهج الصواب.

 هنا ألفت النظر إلى أهمية العناية بمقاصد الشرعية فلها أثر كبير في تقرير الحكم الشرعي، ولها أثر كبير في الترجيح، فعندما تريد النظر إلى نازلة من النوازل فتسأل ما هو مقصود الشريعة من هذا الشيء فيكون مؤثرا في الترجيح.

مثلا نجد أن الشريعة الإسلامية جعلت الأصل في المعاملات الحل والإباحة ولهذا لا يشدد فيها إلا إذا ورد الدليل، لكن في المقابل شددت الشريعة في مسائل الربا تشديدا عظيما حتى إنها سدت الذرائع للربا، ومنعت الربا ولو من وجه بعيد، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: «أينقص الرطب إذا يبس قالوا: نعم، قال: فلا إذا» يعني لو أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز التقابض موجود لأن الربط سوف ينقص إذا يبس، لاحظ الفرق يسير ومع ذلك منعت منه الشريعة؛ لأن الشريعة شددت في شأن الربا تشديدا عظيما، فأي مسألة فيها ربا ينبغي أن يشدد فيها لأن الأدلة تقتضي التشديد، لكن المعاملات الأخرى جعلت الشريعة الأصل في المعاملات الحل والإباحة.

ننتقل بعد ذلك لمدارك النظر للنازلة، كيف يكون الحكم على النازلة؟

لا يتمكن الناظر للنازلة إلى بنوعين من الفهم.

 الأول: التصور الذي يسميه ابن القيم بفهم الواقع والفقه فيه.

والثاني: فهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.

    قال ابن القيم: «إنه لا يتمكن المفتي ولا الحكام بالحق إلا بهذين النوعين من الفهم: فهم الواقع والفقه فيه، وفهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم تطبيق أحدهما على الآخر».

فإذا أول مدرك من مدارك النظر للنازلة: التصور الصحيح والدقيق للنازلة، وهذا التصور هو مهم جدا، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا كما ذكرت هو أكثر ما يشكل على العلماء في الوقت الحاضر عند النظر للنوازل المعاصرة، ولهذا يستعينون بالخبراء والمختصين لتصور تلك النازلة.

الأمر الثاني: التكييف الفقهي للنازلة، فعندما نتصور هذه النازلة لابد أن نكيفها نردها إلى أصل من الأصول الشرعية، ما هو التكييف الفقهي لها.

يعني مثلا على سبيل المثال: الودائع البنكية الناس يسمونها ودائع، لكن إذا نظرنا إلى تكييفها الفقهي نجد أنها قرض وليست وديعة، فالبنك يأخذها، ويتصرف فيها، ويضمنها، هذا من شأن القرض، فالتكييف الفقهي لها أنها قرض، وهكذا أيضا لغيرها من النوازل.

الأمر الثالث: تطبيق الحكم الصحيح على النازلة، لا بد أن يكون التطبيق صحيحا، وأحيانا يحصل خلل في التطبيق.

أضرب لهذا مثلا: حكم تداول أسهم الشركات المختلطة؟

اختلف فيها العلماء المعاصرين الأكثر على المنع، وهناك من أجازها، من أجازها اعتمدوا على قواعد فقهية صحيحة لكن تطبيقها كان خاطئا، اعتمدوا مثلا: على قاعدة أنه إذا اجتمع القليل مع الكثير غلب جانب الأكثر الحكم يكون للأكثر، أيضا قاعدة التابع تابع، يغتفر تبعا ما لا يغتفر استقلالا، فاستدلوا بقواعد فقهية صحيحة لكن تطبيقها على هذه النازلة تطبيق غير صحيح؛ لأن المساهمة في الشركات المختلطة ليست فقط مالا وإنما تتضمن مالا وعملا، والعمل لا يقوم به المساهم ولكن وكل من يقوم به، فينسب للمساهم مال وعمل، فالتطبيق على أنه إذا اجتمع القليل والكثير فالحكم للأكثر هنا غير صحيح، ليست المسألة اختلاط مال بمال، وإنما هي مال وعمل وهذا التطبيق إذا تطبيق غير صحيح.

  لعلي أختم هذه المقدمة بأبرز المزالق عند دراسة النوازل؟

أولا: التأثر بضغط الواقع، فبعض الناس عندما يدرس نازلة من النوازل يتأثر بضغط الواقع، ويحرص على أن يفتي بالجواز حتى لا يتصادم مع الواقع، وهذا منهج غير سديد، فإن حكم الله ورسوله لا يطوع لأهواء الناس وإنما يجب أن تخضع أهواء الناس بحكم الله ورسوله.

ولهذا في مسألة مثلا المسألة السابقة الشركات المختلطة هناك من تأثر بضغط الواقع وحاول أن يجيزها، وقال: كيف نحرم المجتمع، وكيف نحرم الاقتصاد، وكيف نحرم الناس من هذه الشركات، وهي جل الشركات، بل كان قبل سنوات جميع الشركات، نقول: الربا شددت فيه الشريعة، ولذلك لو أن جميع العلماء أفتوا بتحريم تداول أسهم الشركات المختلطة لكان هذا أكبر رادع لمجالس إدارة تلك الشركات حتى تترك الربا، لكن وجدوا من يفتيهم بالجواز فاستمروا فيها واستمرأوا ذلك، فالتأثر بضغط الواقع هو من أبرز المزالق عند النظر للنازلة.

كذلك أيضا من المزالق تقسيم النازلة إلى أجزائها وتفكيكها وتقسيمها، ومن ذلك على سبيل المثال: التورق المنظم الذي تجريه بعض المصارف.

 عندما مثلا يذهب إنسان إلى مصرف ويقول: عندنا أرز، عندنا حديد، وكلنا شراءها ثم نبيعها عليك بالتقسيط، ثم وكلنا في بيعها على الطرف الثالث، وهو مجرد أنه يعبأ هذه الاستمارة بالشراء، ثم استمارة بالتوكيل يحصل على ما أراد من سيولة نقدية، ثم يثبت في ذمته أكثر منها، لو فككت هذه المسألة لوجدت أن البيع بالأجل جائز، وأن التوكيل جائز، فبعض العلماء المعاصرين قالوا بالجواز بناء على هذا، قال هذه مسألة اجتمع فيها بيع بالأجل وتوكيل كلاهما جائز، لكن تركيب هذه العملية بهذه الطريقة أخرجها من دائرة الجواز إلى دائرة المنع؛ ولهذا المجامع الفقهية أقرت تحريمها، وأنها حيلة على الربا، وأن الغالب عليها صورية، وأن البنك يجزم بأن هذا العميل لا يريد السلعة وإنما يريد النقد، فالمجامع الفقهية أفتت بالتحريم بناء على هذه العملية المركبة، لكن هناك من بعض العلماء المعاصرين من فكك هذه القضية نظر لمسألة البيع بالأجل وقال جائز، والتوكيل جائز، نظر بهذه الطريقة نظر غير صحيح، انظر لها مجتمعها تركيبها بهذه الطريقة هو الذي جعلها غير جائزة.

هذه مقدمة في فقه النوازل لعل اكتفي بهذه المقدمة التأصيلية لفقه النوازل والتي أرى أنه لا بد منها قبل أن ندخل في المسائل والنوازل.

بعد ذلك ننتقل الحديث عن بعض النوازل، ونبتدئ بالعبادات، ونبتدئ بالحج حتى نغتنم مناسبة الزمان، مناسبة قرب موسم الحج.

من أبرز المسائل المتعلقة بشروط وجوب الحج: نازلة متعلقة بشرط الاستطاعة، وهي حج الخادمات بدون محارم، هذه المسألة مع واقع الناس اليوم قد أصبحت نازلة، فإن أكثر بيوت الناس لا تخلو من خدم، وهؤلاء الخادمات بدون محارم في الغالب، ويرغبن في الحج، فهل يجوز لهذه الخادمة أن تحج بدون محرم أم لا؟

أما مسألة حكم سفر المرأة للحج والعمرة بدون محرم هذه مسألة تكلم عنها الفقهاء السابقون واختلفوا فيها على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج والعمرة بدون محرم، وهذا هو مذهب الحنفية، والحنابلة.

 ومن أبرز أدلة هذا القول: حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلو رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم فقام رجل فقال يا رسول الله: إني قد أكتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي خرجت حاجة قال: انطلق فحج مع امرأتك» وهذا الحديث في الصحيحين.

 وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل أن يترك الجهاد في سبيل الله الذي قد تعين عليه، أصبح فرض عين لقوله: أكتبت في غزوة كذا وكذا لكي يسافر مع امرأته الحج، فدل ذلك على أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر للحج بدون محرم.

 قالوا: الذي غلب على الظن أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المرأة لن تخرج إلا مع رفقة مأمونة.

 وأيضا استدلوا بالأدلة الأخرى التي في معنى  هذا الحديث ومنها حديث ابن عمر: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم».

 ولما يترتب من سفر المرأة بدون محرم من محاذير، ومن أخطار، ومن حصول الفتنة منها وبها، فإن سفر المرأة بدون محرم يعرضها للفتنة؛ لأن المرأة إذا كانت من غير محرم يطمع فيها الطامعون، ويطمع فيها من في قلبه مرض، فإن المحرم يجعل لهذه المرأة هيبة يهاب من التحرش بها، فضلا عن أن يتعرض لها.

القول الثاني: أنه يجوز للمرأة أن تسافر للحج والعمرة مع الرفقة المأمونة، وهذا القول هو مذهب المالكية، والشافعية، واختاره أبو العباس بن تيمية – رحمه الله – .

واستدل أصحاب هذا القول أولا: بحديث عدي بن حاتم – رضي الله عنه – قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتى إليه رجل آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عدي هل رأيت الحيرة قلت: لم أرها ولكن أنبأت عنها قال: فإن طالت بك حياة لا ترين الضعينة – يعني – المرأة، ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله» وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، فقال: علي فرأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، يعني تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: فهذا الحديث يدل على أن المرأة الضعينة التي هي المرأة أنها تسافر من الحيرة إلا مكة بدون محرم، فدل هذا على جواز المرأة بدون محرم مع الرفقة المأمونة،.

 وأجيب عن هذا بأن هذا من باب ضرب المثل، فلا يحتج به، ولا يدل على جواز السفر.

 وأيضا أنه شيء أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقع وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقع لا يستفاد منه بحكم بحل ولا حرمة، أرأيت عندما أخبر عن أن تلد الأمة ربتها هل يستفاد من ذلك حل أو حرمة إنما هي مجرد إخبارات عن أمور ستقع من غير تعرض لبيان الحكم.

 استدل أصحاب هذا القول أيضا بقولهم بجواز السفر مع الرفقة المأمونة للحج والعمرة بما جاء في صحيح البخاري، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حججن في عهد عمر بدون محرم، كان معهن عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، قالوا: فهؤلاء أزواج النبي عليه الصلاة والسلام حججن بدون محرم، وفي عصر الصحابة، وفي عهد عمر بن الخطاب، وأجيب عن ذلك: بأن هذا خاص بزوجات النبي عليه الصلاة والسلام لكونهن أمهات المؤمنين، هذه إذا أقوال العلماء في هذه المسألة.

نريد تطبيق هذه النازلة على هذه المسألة: أولا: نريد تحرير محل الخلاف:

أولا: نقول إن الخادمة إذا لم تجد محرما لا يجب عليها الحج.

ثانيا: إذا كانت الخادمة تعمل لدى عائلة، وهذه العائلة ترغب في الحج، ولن يبقى في البيت أحد، أو أنه يبقى من يخشى معه من حصول الفتنة، ولا يوجد من يمكن إبقائها عنده ممن يوثق فيه، ففي هذه الحالة تسافر مع هذه العائلة أيضا للحج ولو بدون محرم دفعا لأعلى المفسدتين بفعل أقلها؛ لأنها إذا تركت ترتب على ذلك مفسدة أعظم من مفسدة سفرها للحج بدون محرم.

فهاتان المسألة خارجتان عن محل البحث.

 وإنما في الخادمة إذا أرادت أن تحج بدون محرم مع رفقة مأمونة، وأيضا مع كونها إذا بقيت في البيت ستبقى في جو أمن كأن تريد أن تحج مع الحملات التي تحجج الخدم، أو تحج مع حملة من الحملات المعروفة مثلا، فتريد أن تحج هذه الخادمة مع رفقة مأمونة، فما حكم ذلك؟

هذه النازلة تتفرع على الخلاف في المسألة السابقة، فمن قال: إن المرأة لا يجوز لها أن تسافر للحج أو العمرة بدون محرم، قال لا يجوز للمرأة الخادمة أن تسافر للحج بدون محرم، وعلى ذلك فتوى سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى – قالوا: لا يجوز للخادمة أن تحج بدون محرم، فإن حجت فحجها صحيح، لكن مع الإثم؛ لكونها خرجت للحج بدون محرم، ولهذا فإنها تنصح بأن لا تحج بناء على هذا القول.

والقول الثاني في المسألة: أن لها أن تحج بدون محرم مع الرفقة المأمونة من غير إثم، وأصحاب هذا القول قالوا: بهذا تخريجا على مذهب المالكية، والشافعية في جواز الحج مع الرفقة المأمونة، وهذا هو الذي اختاره أبو العباس بن تيمية – رحمه الله – .

بل ذكر أبو العباس بن تيمية مسألة قريبة أو فيها شبه بهذه المسألة قال: كما في الاختيارات قال: «إماء المرأة يسافرن معها ولا يفتقرن إلى محرم؛ لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة» يعني يقول: إن الإماء يسافرن بدون محرم لأنهن في الغالب ليس لهن محارم، لا تنطبق على هذه المسألة لكن فيها نوع شبه.

 وإذا أردنا الموازنة بين القولين: ننظر للمفاسد والمصالح المترتبة على حج هذه المرأة، هذه المرأة الآن الخادمة إذا لم تحج هنا وهي في المملكة فهل الغالب أنها إذا رجعت إلى بلدها ستحج أم لا؟ الغالب أنها لن تحج، بل نسبة حجها ربما تكون واحد بالمائة أو أقل؛ لأن الآن عدد المسلمين يقارب مليار ونصف، لو حج منهم واحد بالمائة فقط، خمسة عشر مليون، لو حج نصف واحد بالمائة سبعة ملايين ونصف، الذي يحج الآن أقل من نصف واحد بالمائة، ومع ذلك نرى الزحام الشديد، فإذا هذه الخادمة لو رجعت لبلدها فالغالب أنها لن تحج، سفرها للحج بدون محرم يحتمل مفسدة وهي أنه قد تحصل الفتنة، فإن منع المرأة من السفر بدون محرم من باب سد الذريعة، سفرها للحج بدون محرم هل فيه مصلحة، فيه مصالح عظيمة كونها تحج البيت الحرام، والحج قد وعد عليه بمغفرة ما تقدم من الذنوب، والأجر العظيم، والثواب الجزيل، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فإذا أردنا للمصالح العظيمة المترتبة للحج مقارنة للمفسدة المترتبة والتي قد تترتب على سفرها للحج بدون محرم مع الرفقة الآمنة لهذا الشرط فنجد أن جانب المصلحة أرجح، ولهذا فالأقرب والله أعلم هو القول الثاني، هو القول بالجواز، وأنه يجوز للخادمة أن تحج بشرط أن تكون مع رفقة آمنة، لابد من هذا الشرط عند جميع العلماء، وذلك لأن المفسدة المترتبة على حجها بدون محرم مفسدة محتملة، ويقل احتمالها مع وجود الرفقة الآمنة، ومع وجود الحملات الكبيرة، والمصلحة المترتبة مصالح عظيمة، ثم أيضا إذا لم تحج فالغالب أنها لن تحج أبدا طيلة عمرها، ففرق بين هذه المرأة الخادمة الذي يغلب على الظن أنها لن تأتيها الفرصة للحج مستقبلا، وبين امرأة يمكن أن تجد محرما في المستقبل، ففرق بين المسألتين ولهذا اعتبرنا هذه المسألة من النوازل، هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

نكتفي بهذا القدر في فقه النوازل ..